ها قد أتى علينا أبريل، وفي أبريل تجتمع الذكريات وتتشابك، ولكن من بينها جميعًا تبرز أكثرها وضوحًا بالنسبة لي؛ إذ إنه الشهر الذي ولد ومات فيه الشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي.

ومنذ أن أدركت الدنيا وأنا أرى والدي – رحمه الله- ذلك الرجل الذي تزينت حوائط منزلنا بشهاداته في الدراسات العربية والإسلامية، وحفظه للقرآن الكريم، وتميزه في الخط العربي بأشكاله وفنونه، أدركته وهو يضع في يدي صنوف مختلفة من الأدب العربي. ففي البداية وأنا في التاسعة من العمر أعطاني فيضًا من روائع الأدب العالمي لكتّاب مثل «مارك توين، تشارلز ديكنز، ألكسندر دوماس» وغيرهم الكثير مما لا تسعفني ذاكرتي في استدعائهم. ثم بعدها بدأت أتحسس طريقي إلى الأدب العربي، وبدأت مع أعلام فترة الستينات المصرية، فكانت بداياتي مع «أنيس منصور،مصطفى محمود، السباعي، إدريس ونجيب» وغيرهم الكثير حتى بدأت بعدها بسنوات قلائل أقرأ أدب طه حسين، والعقاد، والرافعي، وهكذا. وعلى مستوى الشعر كان والدي مولعًا بأشعار شوقي، وحافظ، والمتنبي، وابتعد تمامًا عن شعراء العصر الحديث، وكأنه كان لا يستسيغهم، وبالتبعية فأنا أيضًا كنت مثل والدي لا أقرأ لهم ولا أستسيغهم، وإن أردتم الصراحة فأنا كنت لا أعرفهم من الأساس. وفي هذا الإطار أعترف أنني جهلت تمامًا بجانب ثقافي مهم بدافع الاقتداء بوالدي.

مرت السنون وكبرت أكثر، وبدأت أعرف أنه هناك شاعر مبدع اسمه نزار قباني، وهناك أمل دنقل، وبدأت بالفعل أقرأ لهم. في البداية كانت فكرة شعر التفعيلة غريبة كثيرًا على من تعود قراءة الشعر العمودي، إلا أنه كان يغفر لهم جودة المعنى والكلمات وسلاسة القصيد. كل هذا حتى بدأت أتعرف على شعر الأبنودي، وكان الوضع في بدايته عجيبًا جدًّا، فشعر الأبنودي كلماته عامية، ويكتسب لهجة أبناء الجنوب المصري، بجانب أن الحظ في هذا التوقيت لم يجعلني أستمع للأفضل من شعر الأبنودي فلم أستسيغه مطلقًا وقتها وانصرفت عنه، حتى أني بدأت أنتقده بشدة وأقول إن هذا شاعر أغانٍ ليس إلا. أعتقد هذا الحدث كان في منتصف التسعينات، وكانت فكرة «مكتبة الأسرة» بدأت في السطوع وقتها، وظهرت درر الأدب كفيضان عذب يروي ظمأ القارئين العطشى، وبأسعار في متناول الجميع. طبعًا انشغلت كثيرًا في ما وجدته من جواهر مكتبة الأسرة، وانصرفت تمامًا عن الأبنودي وشعره.

كان هذا حتى كبرت ونضجت واستقام النقد الأدبي في داخلي أكثر، وأصبحت أدرك جليًا أن الحكم والنقد لا يتأتى إلا بعد القراءة والفحص والإلمام. وفي هذه المرحلة بدأت وفجأة أستمع إلى أشعار الأبنودي منه مباشرة، ويشاء القدر أن أستمع إلى أحد أعظم درره على الإطلاق «الموت على الأسفلت»، وهو يرثي بها رسام الكاريكاتير الفلسطيني «ناجي العلي»، وخاصةً هذه الأبيات:

حبيبتي.. كل ما بنسى

تفكرني الحاجات بيكي..

ائنك تدمعك عيني..

كأني مش هغنيكي..

دمايا متستهلش تكون كُحلة ليلة لعنيكي..

وأنا الدرويش..

أنا السابح بمسبحتي..

ومبخرتي..

وتوبي الخيش..

أغنيلك..

وأموّلك مواويلك..

ما تسمعنيش..

ولا تشوفينيش..

ومش لازم.. ما دام عايشة..

ما دمت بعيش..

ومن هنا كانت البداية، فقد وقفت كثيرًا أمام هذه القصيدة الطويلة التي احتلت الديوان بأكلمه، وأيقنت أنني كنت مخطئًا تمامًا في تقييمي لقلم الأبنودي من قبل، وبدأت عملية إعادة التقييم. بدأت أقرأ له الاستعمار العربي، الأحزان العادية، جوابات حراجي القط، الأرض والعيال، وبقية أعماله حتى وصلت إلى الأحدث التي سجلها بصوته دون أن ينزلها في ديوان.

وبدأت أسمع للأبنودي نفسه، وأرى فيديوهات له في برامج مختلفة ومتنوعة حتى أقف على هذه الشخصية التي صنعت لنفسها الهالات، ورنَّمت لها الأصوات. الأبنودي كان يعتمد على أسهل وأبسط وسيلة للوصول إلى قلب جمهوره، ألا وهي اللغة. الأبنودي بالرغم من موهبته الشعرية المتفردة إلا أنه قرر أن يصيغها كاملة في إطار اللهجة العامية البسيطة التي يستسيغها الشعب، وتطيب له أن يسمع بها محدثه.

وفي هذا الإطار فقد رأيت أحد الفيديوهات للأبنودي متحدثًا في أحد البرامج. وقد تحدث عن علاقته بأمل دنقل بلدياته وصديق العمر، وكيف انتقلا من الصعيد إلى القاهرة ودخلا كلية الآداب قسم اللغة العربية، فكان يتحدث بنوع من المرح «كعادته»، ويسهب في الحكي «كان كل من يجالسه يطلقون عليه (حكَّاي) أي كثير الحكي»، فكان يقول إنه ذهب هو وأمل دنقل إلى أحد التجمعات الأدبية، وكان يحضرها جمهور بسيط، وكل واحد فيهما معه قصيدة عصماء «على حد وصفه» وبلهجته البسيطة الآسرة تابع: «كل واحد طلع رقع القصيدة التمام والناس صقفت وخلاص ومظنش حد فهم حاجة من اللي اتقال»، وضحك، ثم أكمل بعدها أنه من بعدها قرر أن تكون العامية المصرية وبلهجته الصعيدية هي وجهته واتجاهه.. وعليه.

فإن مجتمع المثقفين بأسره يعرف من هو أمل دنقل، ومدى ثقله وإسهامه في الشعر العربي الحديث، ولكن في مجتمع البسطاء وذوي الثقافات المحدودة هل يتذكره أحد جيدًا؟ وهنا المقارنة فقط لأنه يعتبر من جيل الأبنودي وصديق عمره، ونشأ الاثنان وتربيا في نفس البيئة ونفس التعليم، وكل الظروف، ولكن، أحدهما اتخذ طريق العامية البسيطة، والآخر سلك درب الفصحى بكل أطرها وقواعدها وقيودها، وفي هذا الإطار أيضًا لنا حديث آخر عن أمل دنقل نفسه، وعن هذه النقطة تحديدًا.

الأبنودي لم يقف عند حد كتابة الشعر وإلقائه، وإنما سلك طريق الأغنية العامية البسيطة أيضًا. فكانت البدايات في الأغاني الشعبية ثم الأغاني العامة، وبمختلف ألوان الغناء والطرب؛ مما ساعد على انتشاره ونجاحه ووصوله إلى جمهوره أكثر وأكثر.

الأبنودي حالة متفردة؛ إذ يأسرك ببساطة الكلمات «فيجبرك» وأنا أعنيها، يجبرك أن تستمع إلى كلماته ثم ببساطة يعطيك كل الجزالة والسلاسة والعذوبة في المعاني لأقوى الأفكار وأشدها صلابة؛ فتشعر وكأنك قد أكلت «مأدبة» أدبية دسمة وهضمتها أيضًا في دقائق معدودة، وبكل سلاسة ويسر، ودون أن تفقد التركيز أو تشرد في المعاني.

الأبنودي من وجهة نظري هو فارس العامية المصرية الأول بلا منازع، واستطاع بقلمه أن يضيف إلى العامية المصرية مزيدًا ومزيدًا من الصفو والتفرد. وبعد أن كنت لا أفكر حتى في مجرد القراءة له أوصلتني الصدفة أن يصل إلى قمة قائمة مفضلاتي في أي وقت، وكل الأوقات. أراه حالة نادرة لن تتكرر، وأرى كلماته صورة فريدة من الأصالة المصرية، ومن الكمال الشعري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد