من الأسئلة الشائعة حول الأندلس سؤال «لماذا تسمون دخول العرب للأندلس فتحًا وهو مجرد احتلال؟ العرب المسلمون احتلوا إيبيريا ثم استعادها منهم الإسبان لاحقًا وطردوهم».

وبغض النظر عن المصطلحات وعن أن ألفاظ الاحتلال أو الغزو أو الفتح قد تستخدم بمعاني مختلفة، إلا أن مغزى السؤال واضح. في هذا المقال أجيب عن هذا السؤال بـ20 نقطة شاملة وافية بإذن الله.

1-من الخطأ النظر إلى حدثٍ في ذلك العصر بنظارات من هذا العصر، وافتراض أن الدول كانت لها حدود ثابتة وكان مواطنوها يمتلكون جنسية البلد.. هذه افتراضات خاطئة، كانت الدول إمبراطوريات توسعية بدون حدود واضحة، تنتهي حدود الدولة حيث ينتهي جيشها، وإذا لم تهاجمني فسوف أهاجمك.. الحدود التي ترسم في الخرائط التاريخية هي لتسهيل الفهم فقط.. أما في الحقيقة فقد كانت هناك أرض ممتدة، يسيطر الجيش على جزء منها فيدخل تحت سلطة الدولة، ثم يتركه إلى جزء آخر فيخرج الجزء الأول عن سلطة الدولة.. وهكذا كانت الحدود مدًا وجزرًا باستمرار.. وبما أن الحدود كانت متصلة فقد كان السفر مفتوحًا بين البلدان، فكما قلنا، ليست هناك حدود يمر فيها المرء عندما يغادر البلد.

لذا فلا معنى وقتها للاحتلال بمعناه الحديث الذي يعني التعدي على حدود دولة أخرى يمتلك مواطنوها جنسيتها.
ينطبق نفس الأمر على سؤال من الذي يحكم: لم تكن هناك جنسيةٌ إذًا لم يكن هناك سؤال «لماذا كانت الشام محكومة من شخص حجازي بدلًا عن شامي؟» و«لماذا يحكم إيبيريا شخص من خارجها؟».. هذا المفهوم غريب على أهل ذلك الوقت.. كان معاوية بن أبي سفيان مثلًا متمركزًا في الشام، وكانت الشام منبت شوكته وأصل قوته ومعقل أنصاره المحبين له الذين قاتلوا من أجله وغلب بهم وهذا معروف.

2-بنفس الطريقة نفهم شبه الجزيرة الإيبيرية.. عندما دخل المسلمون كانت إيبيريا محكومة من قبل القوط الغربيين، وقبلهم كان جزء منها تحت سيطرة قبائل الفاندالز وقبلهم حكمها الرومان.. وجميع هؤلاء ليسوا إيبيريين أصلًا… ولكن مع ذلك فليس هذا هو المهم.

3-المعيار المهم هو: هل كان السكان راضين سعداء بالدولة الجديدة؟ هل كانت الدولة الجديدة أو المهاجمة تعتبر سكان المناطق المستولى عليها من أهل البلد وتسعى لبناء بلادهم؟ أم تعاملهم كدرجة ثانية ينبغي امتصاص دمائهم واستعبادهم لصالح سكان الدرجة الأولى؟ كانت الدولة الرومانية ممتدة إلى الشام، فهل كان أهل الشام رومانًا؟ أو يساوون الرومان؟ من المعروف أن هذا غير صحيح. كان الرومان والفرس يضطهدون الشعوب التي تقع تحت أيديهم ويمتصون خيرات بلادها لصالح الرومان والفرس الأصليين، كانوا أقرب ما يكون للاحتلال بمفهومنا اليوم إذًا.. بعكس الدولة الإسلامية عندما دخلت إلى الشام حيث صار أهل الشام جزءا من البلد كأهل الحجاز.. وهذا فرق رئيس تنبغي معرفته.

عندما احتلت فرنسا الجزائر لم يصبح الجزائريون مواطنين فرنسيين، لم تصبح الجزائر جزءا من فرنسا، بل صارت أرضًا مشاعا لفرنسا تعيث فيها فسادا وقتلا ونهبا. هذا هو الاحتلال بمفهوم اليوم.
بالعودة إلى الدولة الإسلامية الناشئة عندما كانت تتوسع نحو الشام، فقد قام أهل الشام أصلًا بمن فيهم المسيحيون هناك بمساعدة الجيش الفاتح على الدخول، وتخليصهم من حكم الرومان، وحدثت القصة المعروفة عندما رفض عمر الصلاة في كنيسة قديمة في القدس حتى لا يأتي متحمسٌ لاحقًا ويسلبهم إياها.. وفي مصر أيضًا قام السكان بمساعدة الجيش الإسلامي على الدخول وهذا من أسباب نجاح الجيش في فتح مصر بسرعة قياسية، وما زال المسيحيون حتى اليوم يعيشون في الشام ومصر وكنائسهم موجودة ولم يتعرض لهم المسلمون.
في حين أن المسلمين في الأندلس انقرضوا تمامًا لدى دخول القشتاليين، بين قتل وتهجير من الأندلس وتنصير إجباري ومحاكم تفتيش ومحو للهوية، واختفت آثارهم بعد دخول قشتالة وأراغون ولم يبق منهم اليوم في إسبانيا أحد، ولم يبق من آثارهم إلا جزء صغير، تم تغيير أسمائهم ودين أولادهم وألبستهم وأطعمتهم، كان ارتداء ثوب أندلسي أو تناول زيت الزيتون أو الاغتسال يوم الجمعة أو النطق بالعربية كافيا ليحل المرء ضيفا على محاكم التفتيش ذات الصيت المخيف.
أي أن كل ما يمت للثقافة الأندلسية بصلة تم محوه، ثقافة بلدٍ كامل لم يبق لها أثر.. كل مساجدهم بالكامل دمرت أو حولت إلى كنائس.. حي البيازين وحده في مدينة غرناطة وحدها كان به ثلاثون مسجدا لم يبق منها ولا واحد. ليس هناك مسلم في إسبانيا اليوم إلا من أتى من المغرب أو من اعتنق الإسلام من الإسبان.. أكرر كل هذا لأن العديد منا لا يعرفونه ولا يتخيلونه.. فمن هو المحتل أو المعتدي إذًا؟ المسلمون أم قشتالة وأراغون؟

4-قشتالة وأراغون وليون ونافار هي ممالك كاثوليكية نشأت في شمال إيبيريا، لها ثقافات مختلفة ولغات مختلفة فيما بينها، أي أنها كانت شعوبًا مختلفة فيما بينها ومختلفة عن سكان جنوب إيبيريا أيضا.

قشتالة وأراغون توحدتا لاحقا بزواج فرناندو وإيزابيلا وشكلتا مملكة إسبانيا، وملك إسبانيا اليوم هو حفيد فرناندو وإيزابيلا وكل السلالة الحاكمة أتت منهما، ولغة إسبانيا اليوم هي القشتالية. بقية اللغات كالأراغونية والليونية ما تزال موجودة في مناطق محدودة في شمال إسبانيا.. وديانة إسبانيا الرسمية وديانة أغلب السكان هي الكاثوليكية.

5-قبل مجيء المسلمين كانت إيبيريا محكومة من القوط الغربيين كما ذكرنا، وهم شعوب أتت من شمال أوروبا وكانوا -بالإضافة إلى سكان إيبيريا أنفسهم- يدينون بالمسيحية الأريوسية Arianism، وهي مسيحية موحدة لله بعكس الكاثوليكية.. عاش اليهود في إيبيريا حياة جيدة في هذه الفترة. كان اعتناق القوط لهذا المذهب من أسباب الصراع بين القوط والرومان الكاثوليك.. حيث كان الكاثوليك يعدونهم مهرطقين. لم يكن الكاثوليك يتسامحون مع أي مذهب مختلف يقع تحت حكمهم حتى ضمن المذاهب المسيحية نفسها.

قبل دخول المسلمين بـ122 سنة بالضبط حولت الدولة القوطية ديانتها الرسمية إلى الكاثوليكية، وانتهى بذلك الصراع مع الرومان وبدأ الاضطهاد الديني داخل الدولة القوطية وتم حظر أي ممارسات دينية غير كاثوليكية سواء كانت مسيحية أو يهودية. عندما وصل المسلمون كانت إيبيريا قد صارت كاثوليكية تحت حكم القوط.

6-لكي نلخص تاريخ إيبيريا الديني: وثنية لعدة قرون ثم تحولت تدريجيا للمسيحية الأريوسية تحت حكم القوط في القرنين الخامس والسادس حتى عام 589م، ثم مسيحية كاثوليكية (فرضت فرضا) تحت حكم القوط من عام 589م ولمدة 122 سنة أي حتى عام 711م، ثم الإسلام منذ عام 711م ولمدة تقارب 600-800 سنة أي حتى بدأت ممالك الطوائف تسقط تلو بعضها.. آخرها غرناطة عام 1492م، ثم الكاثوليكية من جديد (فرضت فرضًا).

7-مصطلح Reconquista يعني حرب الاسترداد (من وجهة نظر الإسبان)، الحرب التي تشمل بزعمهم جميع المعارك بين الممالك المسيحية والدول المسلمة في الأندلس منذ دخول المسلمين إلى الأندلس حتى سقوط غرناطة (أي لمدة 800 سنة)، هذا المصطلح لم يتم ابتكاره إلا في القرن التاسع عشر، مع تنامي الحركات القومية في أوروبا وشعور الشعوب بأنها يجب أن تتخذ لنفسها هوية قومية محددة وتنسب لنفسها أرضًا قومية تاريخية دائمة.. فاختارت إسبانيا الهوية القومية الكاثوليكية (الديانة الرئيسة في إسبانيا في هذا الوقت) ونشأت الحاجة لإثبات كاثوليكية التاريخ الإسباني والأرض الإسبانية بأي طريقة للتماشي مع هذه الهوية، فاعتُبرت القرون الإسلامية مجرد فترة عابرة في تاريخهم وأن الإسبان كانوا طوال هذه المدة يسعون لتحرير الأرض من الأجانب (المسلمين) وإعادتها إلى أهلها الإسبان (الكاثوليك).. فتم على هذا الأساس استخدام مصطلح الاسترداد، وهو مصطلح قومي يحمل فكرة القومية الإسبانية التي لم تكن موجودة وقتها أصلًا ولم يفكر بها أحد بهذه الطريقة ولم يستخدمه أحد في تلك العصور.. بل بدأ استخدامه بعد سقوط الأندلس بأربعة قرون كما قلنا.. أي أنه نظرةٌ إلى التاريخ الماضي بنظارات القومية الحالية.. وهذا أمر معروف ومذكور حتى في المصادر الأجنبية.

فصلًا عن أنه لا يمكن لحملة عسكرية أن تستمر لثمانية قرون، لا يحدث شيء كهذا في التاريخ ولا يمكن فهم تلك الحروب بهذه الطريقة أو اعتبارها ظاهرة واحدة وتلخيصها بمصطلح واحد.
المعروف تاريخيًا أن ما كان يدور ببال الممالك الكاثوليكية آنذاك والمدعومة من بابا روما هو إعادة إيبيريا كاثوليكية بالقوة كما كانت وإلغاء أية مكونات دينية أخرى وهو ما فعلوه فعلًا، لا علاقة لذلك بالإسبان أو بالقومية.
وفكرة إعادة الأرض كاثوليكية أيضًا لا تبدو وجيهة أبدًا، فالكاثوليكية وبنفس المنطق أتت على يد القوط من خارج إيبيريا كما أتى الإسلام من خارجها على يد العرب والأمازيغ. مع فارق كبير أن الكاثوليكية فُرضت من القوط (ولاحقًا من القشتاليين) على الناس فرضًا، بعكس الإسلام الذي دخله الناس رغبة… المعيار الأهم في الأحقية هو معاملة السكان بالعدل والرحمة.. لو كان القشتاليون أعدل وأرحم من المسلمين لما حزنّا على دخولهم والله.. لكنهم لم يكتفوا بإعادة الحكم كاثوليكيًا، بل نقضوا المعاهدات وارتكبوا المجازر وأحرقوا الناس أحياء وأبادوا العناصر غير الكاثوليكية وكل هذا لم يحدث في عهد المسلمين إطلاقًا.. كل هذا يؤدي إلى أن قتال القشتاليين لم يكن للحق ولا للإنسان. 

متحف مدينة مالقة الإسبانية – لوحة تعليمية تحكي باختصار قصة الهوية الإسبانية

8-الحملات الصليبية الغازية للمشرق العربي حدثت في نفس الفترة وبدعم البابا كذلك، وكانت تهدف أيضا إلى إعادة المشرق كاثوليكيا كما كان في عهد البيزنطيين، أي مثل الهدف في الأندلس.. لذا تسمى حروب الاسترداد أيضًا بالحروب الصليبية الإيبيرية.. الفرق فقط أنهم نجحوا في الأندلس وفشلوا في المشرق.
الشام مثل الأندلس، وإذا اعتبرنا دخول الصليبيين للشام عدوانًا فدخولهم الأندلس عدوان كذلك.

9-اليوم يتعرض مصطلح الاسترداد للانتقاد من العديد من المؤرخين والعديد من الإسبان أنفسهم بوصفه خاطئًا كليًا ومجرد شعار قومجي معاصر… إلا أنه صار من أركان الهوية القومية الإسبانية حاليًا ويصعب التعرض له.

10-الآن نعود للسؤال الذي في عنوان المقال: يقول البعض إن المسلمين احتلوا إسبانيا ثم طُردوا لاحقًا.. وهذا قول عجيب.. أين ذهب أهل إيبيريا عندما دخل المسلمون؟ هل يظن من يقول هذا أنهم اختفوا مثلًا أو رموا أنفسهم في البحر أو تبخروا؟ هل تم ذبحهم جميعًا مثلًا دون أن يذكر التاريخ؟ أهل إيبيريا اعتنق معظمهم الإسلام كأهل الشام، والعراق، ومصر، والمغرب، وأتى إليهم عرب، وأمازيغ، وأوروبيون إضافة للقوط الذين كانوا فيها واختلطوا ببعضهم في الأنساب لمدة ثمانية قرون.. كما عاش فيها الكثير من المسيحيين واليهود الذين لم يعانوا ويضطهدوا في دينهم.. والمعروف تاريخيًا أن اليهود عاشوا في الأندلس المسلمة عصرهم الذهبي في شبه الجزيرة الإيبيرية (golden age of Jews in Iberia)، بينما اضطهدوا قبله وبعده من قبل الكاثوليك.. كانت الأندلس مكانًا منسجمًا متنوعًا ذا ثقافة قائمة بذاتها.

بنو الأحمر هم آخر ملوك غرناطة الذين سقطت على أيديهم آخر ممالك الأندلس… ما بين آخر ملوك بني الأحمر وطارق بن زياد أطول مما بيننا الآن وبين سقوط الأندلس… بل أطول بـ300 سنة… أعد قراءة العبارة السابقة
هل تتخيل الآن طول مدة الأندلس؟ والثقافة الكاملة التي تكوّنت في هذه المدة والتي لم يبق لها أثر اليوم؟
القول إن المسلمين احتلوا البلد ثم تم طردهم لاحقًا هكذا ببساطة، هو قول شديد الجهل، عدا عن أنه جلد ذات يخفي شعورا بالدونية الجماعية أمام المنتصر الأوروبي.

11-بالمناسبة، محاكم التفتيش الإسبانية الدموية لم تقم ضد المسلمين فقط بل ضد كل شيء غير كاثوليكي، سواء كان مسلما أو يهوديا أو مسيحيا من طائفة أخرى. بالمناسبة أيضًا، إسبانيا تعترف اليوم بأن ما فعلته لليهود كان ظلما وتمنح اليهود الذين يثبتون أن نسبهم يعود إلى الأندلس حق طلب الجنسية الإسبانية مع أن اليهود والمسلمين كان لهم نفس الوضع وطردوا بنفس الطريقة.. لماذا يعترفون لليهود فقط؟ لأنهم يخضعون للقوة لا للحق.

12-فتح الأندلس لا يختلف شيئًا عن فتح العراق، والشام، ومصر، وشمال أفريقيا، لماذا لا نسمع هذا السؤال والجدال إلا عن الأندلس؟ لأن الأندلس تقع جغرافيًا وسياسيًا في أوروبا اليوم.. والبعض يخاف من أن يغضب أوروبا اليوم، ولكن لا يخاف أن يغضب العراق، أو الشام، أو مصر، أو شمال أفريقيا. فسبحان الله.

13-نقطة أخرى أضيفها: الجهاد الحربي في الإسلام له سببان مشروعان وما سواهما غير مشروع، وهما الدفاع عن النفس عند وجود حالة حرب أصلًا مع دولة ما، والدفاع عن الآخرين الذين يعانون ظلم حاكمهم. والأخير فيما أعلم يميز الإسلام دون بقية المنظومات الفكرية.. والعديد من الفتوحات الأولى حدثت لهذا السبب. طبعًا هناك من لا يصدق ذلك ولا يصدق أن أحدًا يمكن أن يقاتل لرد الظلم عن شعب آخر.

(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) سورة النساء 75.

بالتأكيد حدثت لاحقا الكثير من المعارك غير المشروعة دينيًا من قبل الأمويين والعباسيين الذين ابتعدوا كثيرًا عن منهج الدين في العدالة ولست مهتمًا بالدفاع عنهم.. ولكن فكرة الاستيلاء على أرض لإنقاذ شعبها من حكم ظالم إلى حكم عادل يعاملهم بعدل ويوفر لهم العيش الكريم وييسر لهم الخروج من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد هي فكرة مشروعة، بل هي أرقى مما يحدث اليوم في العالم المتحضر الذي يترك الطغاة الجبابرة يستعبدون شعوبهم، وإن قررت دولة التدخل فهو لصالح شعبها وعلى حساب الشعب المضطهد.
الدين يُحكِّم الأخلاق والقيم في الحروب. والفتوحات الإسلامية الأولى التي قام بها الصحابة والتابعون إضافة إلى عمر بن عبد العزيز كانت خليطا من السببين معًا، وكان العديد منها يحدث بتعاون من الشعوب المضيفة التي كانت ترزح تحت ظلم الفرس أو الروم وتتوق للخلاص منهم وتسمع بعدل الدولة الجديدة.. بل كان سكانها يدخلون الإسلام بعد فترة وجيزة ويقاتلون في صفوف الدولة الجديدة.

14-ما يزال تأثير الأندلس حاضرًا في كلمات اللغة الإسبانية، وفي النمط المعماري والزخرفي في إسبانيا، وفي عاصمة إسبانيا التي أسسها المسلمون أصلًا، وأهمّ من ذلك كله في التأسيس لنهضة أوروبا ونقل علوم المسلمين وعلوم الإغريق إليها عبر قرطبة التي كانت عاصمة العلم في العالم بالإضافة إلى بغداد.. قرون متراكمة من مختلف العلوم وبحوث الفلسفة نقلت إلى أوروبا لم تكن لتنهض بدونها أي بدون الأندلس.. ولم تتعرف أوروبا والبشرية جمعاء إلى التراث الإغريقي أصلًا إلا عبر كتابات الفلاسفة والعلماء المسلمين الذين حافظوا عليه وطوروه ونقدوه وقد كان قبلهم مهجورًا ضائعًا.. حريُّ بك أن تدعو بالرحمة للفاتحين المسلمين الأوائل أيها الحريص على العلم والحضارة.

بناء عادي في مدينة إشبيلية عاصمة مقاطعة أندلوسيا جنوب إسبانيا. تظهر فيه عناصر العمارة والزخرفة الأندلسية. وهذا واحد من أمثلة لا تعدّ، وما زال الطابع الزخرفي الأندلسي واضحًا جدًا في مختلف المدن.

15-كل ما سبق لا يجيز الاستنتاج أن الإسبان اليوم حاقدون كارهون، بل هم في العموم لطيفون حيويون مرحّبون.. لا يحمل الناس ذنوب أجدادهم التي لم يرتكبوها.

في حين تعاملت الدولة الإسبانية لفترة طويلة بعداء مع الإرث الإسلامي والآثار الإسلامية التي بقيت مهجورة مدة طويلة.. فإن العديد من المتاحف والأماكن الأثرية اليوم في إسبانيا تحكي بفخر وثناء وتعظيم عن فترة قوة الخلافة الأموية (ولا سيما فترة الناصر والمستنصر).. متحف مدينة الزهراء عاصمة الناصر والمستنصر كمثال، يصور الهيبة التي تجلت في بناء المدينة ويتحدث عن قوة الخليفتين وسعي بقية الملوك لنيل رضاهما… بل مجرد اهتمام الإسبان بإعادة إحياء مدينة الزهراء التي لم يبق منها سوى الأطلال، وبإعادة إحياء قصر الحمراء، هو دلالة على بدء التصالح مع الماضي المسلم للبلاد.. كلا المكانين بدأ الاهتمام بهما في وقت حديث نسبيا (منذ بضعة عقود فقط).. عدد المساجد أيضًا آخذ بالازدياد ببطء في العقدين الأخيرين.
والصورة التي أشرنا إليها من متحف مدينة مالقة (وهناك أمثلة مشابهة من أماكن أخرى) تتحدث عن أن بروز الهوية القومية الجديدة هو ما دفع الإسبان أصلًا إلى تبني مصطلح «الاسترداد» ولو لم يكن صحيحًا.. وهذا اعتراف خطير وفي غاية الأهمية ويخالف الموقف الذي شاع لمدة طويلة.

أقواس جامع قرطبة الكبير ذات الخطوط الحمراء المميزة، يتم الاعتناء بها وبالجامع كمكان أثري ذي مكانة عالية. يسمى المكان اليوم بالجامع الكاتدرائية، وكثيرًا ما يشار إليه بالجامع فقط.

مدينة الزهراء – بيت الحاجب المصحفي.

16-الإسبان ككل الشعوب متنوعون، فيهم من يعارض احتفالات سقوط غرناطة ويرى المسلمين الذين طٌردوا جزءا من البلد ويرى طردهم ظلمًا كبيرًا، وفيهم المتعصب الذي يدعو حتى لطرد المسلمين الحاليين.

واجب الإسبان اليوم ليس تغيير الماضي الوحشي الذي لم يرتكبوه هم، بل التصالح مع الماضي الإسلامي، والاعتراف بأخطاء أجدادهم، وإيقاف الاحتفالات بإسقاط غرناطة، ومنح من يثبت نسبه إلى الأندلس الجنسية الإسبانية كأقل تعويض ممكن.

17-في كتابه «فلسفة التاريخ» يذكر الدكتور جاسم سلطان أن رواية التاريخ تتم بطريقتين: التاريخ الصغير والتاريخ الكبير.

التاريخ الصغير هو ما ينحصر بنقل أحداث البلاط وصراعات الحكم وبطش الملوك وترف ومجون الأمراء .. فيروي كل الأحداث التاريخية من هذا المنظور.. وهذا المنظور لو طبّقته على أي أمة لوجدت تاريخها حقيرًا دمويًا مليئًا بالظلم والصراع على الحكم. عندما تروي التاريخ من هذا المنظور فأنت تستهدف أو تقوم بتصغير التاريخ في عيون أبناء هذه الأمة.
أما التاريخ الكبير فهو يروي حركية المجتمعات والجو الفكري والعلمي والديني والحضاري فيها والتغيرات التي تحدث فيها.. وهذا المنظور هو ما يلتقط سمات النهضة والإسهامات الحضارية والعلمية في تاريخ الأمة وهو ما ينمي شعور الفخر بالتاريخ لدى أبنائها.
فلننتبه إلى التاريخ كيف يٌروى وكيف نقرؤه.

18- يذكر د. جاسم أيضًا في كتابه «الذاكرة التاريخية» فكرة البندول الحضاري: حيث بدأت الحضارات الكبرى في الشرق، في مصر وبلاد ما بين النهرين وبلاد فارس وذلك لآلاف السنين، ثم انتقل البندول إلى الغرب في اليونان وروما لعدة قرون، ثم عاد إلى الشرق لقرون طويلة في الحضارة الإسلامية، وهو اليوم في الغرب مجددا منذ قرون، وسيعود إلى الشرق مستقبلًا لا محالة وهي سنّة التاريخ، مهما توهم الإنسان اليوم – كما كان الحال في كل فترة من الفترات السابقة التي امتدت كلّ منها لقرونٍ طويلة – أن حركة البندول قد انتهت وأنه قد توقف مكانه إلى الأبد. وقد كانت علوم الحضارات الفارسية والفرعونية وما بين النهرين هي ما مهد لقيام الحضارة اليونانية، وعلوم الحضارة اليونانية مهدت لقيام الحضارة الإسلامية، ومهدت علوم الحضارة الإسلامية لقيام حضارة أوروبا.. وكذلك ستمهد علوم حضارة أوروبا لقيام الحضارة التالية ولا شك.

استحضار الأندلس والعصر الذهبي للحضارة الإسلامية عمومًا من أكثر ما يحيي هذا المفهوم في العقل.

19-الذاكرة التاريخية لأي أمةٍ تشكّل تصور الأمة عن نفسها وعما يمكنها فعله وعن قدرتها على المساهمة الحضارية.. الذاكرة التاريخية هي جزء من الهوية الجماعية. ومن هنا تتبين الأهمية الكبيرة لمعرفة تاريخ أمتنا وكيف كانت وماذا قدمت في الماضي، لتتشكل الهوية الجماعية عزيزة ممتلئةً واثقة بما لديها من منظومة فكرية وما يمكنها تقديمه، لا متهالكة مخزية منسحقة أمام الآخر بسبب فراغٍ كبير في ذاكرتها التاريخية أو تشوهٍ في صورتها عن نفسها، مما يدفعها إلى تقليد المنتصر والانحياز إلى أفكاره ومعاييره بوعي أو بدون وعي أو تلقّي أفكاره بدون تمحيص.

أقتبس هنا فكرة في غاية الأهمية من كتاب الذاكرة التاريخية: «إن فهم هذه النقطة المحورية يعيننا على إدراك أهمية إحياء الذاكرة التاريخية للأمة. فالهجوم على التاريخ الإسلامي وإعادة تشكيله وانتقاصه وتعظيم تاريخ القوى الغازية لبلاد الإسلام يؤثر تأثيرا كبيرا حتى على صفوف من يُظن أنهم يقعون في طليعة المتحركين لعملية النهضة.» ويكفي هذا لأولي الألباب ليدركوا خطورة الحرب النفسية التي تملأ الأجواء في كل مكان وتشن من قبل مستشرقين أو إعلام أو حتى بعض المسلمين على التاريخ الإسلامي بكلّيّته وعلى أكثر فتراته نصوعًا وسموًا.

من الغني عن الذكر هنا ضرورة وحتمية التعلم من أخطاء تاريخنا حتى نتجنّبها ونصنع ما هو أفضل، لا أن نقع فيها مرارًا وتتكرر المآسي لأننا نرفض رؤية الأخطاء. والحقّ أحقّ أن يتّبع ونحن مسؤولون عن ذلك أمام الله.

20-الكثير من الغربيين وبعض العرب يروون التاريخ من عقلية مادية بحتة: فكل من يقاتل يقاتل من أجل المال والسيطرة فقط، ليس هناك من يقاتل من أجل الإنسان، أو من أجل قيم أو رفع ظلم، لا فرق عندهم بين جهاد في سبيل الله وجهاد في سبيل الدنيا، ليس عندهم جيش رحيم يتجنب قتل النساء والأطفال وجيش مجرم سفاح، ليس هناك حق وباطل، ولا إخلاص وأنانية.. بل كلهم يقاتلون بعضهم ويحاولون السيطرة على أراضي بعض بهدف جمع الغنائم وكلهم متساوون، فموسى بن نصير القائد العادل الذي دخل البلاد ليعمرها مثل نابليون القائد المجرم الذي دخل البلاد ليهدمها، وفتح الأندلس الذي دخل فيه الناس في الإسلام لما رأوا من عدله وأخلاق أتباعه، ولم يتم فيه سلب كنيسة واحدة من المسيحيين بالقوة، يساوي دخول قشتالة وأراغون الذين ارتكبوا المجازر ولم يُبقوا مسجدا ولا مسلمًا.

هذه نظرة تسطيحية يملؤها البُعد الدنيوي وتفتقر للبعد الأخروي. البعد الأخروي كان موجودًا بشدة عند الفاتحين المسلمين الأوائل، لذا ببساطة لا يمكن لمن لا يملك هذا البعد الآن أن يفهمهم، وسيقوم بتسطيح الأحداث بقصد أو بدون قصد.
(والفاتحون الأوائل هم الذين حدثت على أيديهم الفتوحات الرئيسية كلها، قبل أن يأتي من الخلفاء الأمويين والعباسيين من حاد عن منهج الدين).

وعطفًا على ما سبق، وختامًا لهذا المقال، نذكر أنه ليس كل من انتصر كان أفضل أو أحق أو أكثر تحضرًا. فقد انحسرت دولة الإسكندر المقدوني الكبيرة ولم تترك أثرًا يذكر في تشكيل عقليات سكان البلاد التي احتلتها، في حين نجد الحضارة الإسلامية تستوعب الناس في ظلها فيصيرون جزءًا من كيان الدولة ويزدهرون تحتها حتى لو لم يدخلوا الإسلام، وأغلبهم دخل الإسلام وسارع للدفاع عن حمى الدولة ضد أعدائها. ولنذكر مثالًا آخر، فقد كان المغول أقل تحضرًا من الخلافة العباسية ومع ذلك انتصروا بالقوة العسكرية وأسقطوها ولم يقيموا حضارة، بل ارتكبوا المذابح. وهنا يبرز معيار الفاعلية الحضارية إلى الواجهة للمقارنة بين الدول بدلًا عن القوة العسكرية المحضة. وهو يتقاطع مع ما ذكرناه في الأعلى في النقطة رقم 3.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد