إلى كلّ الذين يظنون انّهم مُلاقوا الوطن وأنّهم اليهِ راجعون .. هل حملتُم بندقية؟!

إنّه المسجد الأقصى، حيثُ خذلناهُ لمّا كان قضيتنا الوحيدة، فليس من العجبِ أن نتركهُ وحيدًا لمّا ضاعت كل هذه الأوطان .. إنّه أقصانا، ولكنّ الـ(نا) انزلقت من بين شِفاهنا تُنكرنا، فالمُلكية لا تأتي حين تُرفع الشعارات، تأتي حين تُرفع الأسلحة.

هُناك حيثُ الرِباط مُقدس و لا خِلاف على شهيد، لأنّه لا خِلاف على العدو أساسًا، هُناك حيثُ بُحّت الحناجر تُنادي الأقصى فيفتح ذاك الحبيب ذِراعيه أن أَقبلوا ، ويتحول المكان إلى جنّة بلونِ الدماء وصيحات التكبير.

إلى المُرابطات إلى ضحكاتهن إلى قلوبهن الصادقة. حيثُ أشرف حرفي بذكرهن، وإن كانت الحروف مهما حكت قاصرة ..
على بوابات الأقصى حيثُ تختلطُ اصواتُ الدعاء بأصوات الرصاص .. لا أحد يرجع، لا أحد يخاف، أو يحمي صدرهُ، من العجيب أنّهم يعودون أكثر تتعالى صيحاتُ الله أكبر، ويزداد النصر في عيونهم بريقًا، قالوا: لن نمر من البوابات الإلكترونية، وهذا  يعني لن يمر منها أحد.

تروي هنادي حلواني ما تقشعرُّ له الأبدان فتقول: من رحم المحن تولد المنح، ولله كراماتٌ تسرّي على قلوبنا المكلومةِ فتزهر.
مما حصل اليوم وأثلج الصدور. صحافيةٌ أجنبية تنقل الأحداث بالبث المباشر، مع مجموعات الصحافيين المتواجدين بمنطقة باب الأسباط حين بدأ الاحتلال يرمي وابلًا من قنابل الصوت، تفرّقت الجماعات، واختلط الحابل بالنابل، والكلّ صار يركض باحثًا عن مأمنه.

وأنا أركض مع الراكضين سمعت صراخًا مرعوبًا، التفتُّ لأجدها تلك الصحافية الأجنبية، اقتربتُ منها لأطمئنها وأهدّئ من روعها.

نظرَتْ إلى الجموع الراكضة برعب، سمعتْ حناجرهم تتعالى بين تالٍ للقرآن وداعٍ لله، أمسكت يدي بقوّةٍ وكأنها تطلب الأمان، وكأن قلبها يعرف بفطرته أين الأمان، هتفت أمام كاميرات البث المباشر أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله”

توقف الزمن لحظة، سرت قشعريرة بكل جسدي وأنا أشدّ على يدها مطمئنة لها، وكل خلية من خلاياي تهتف: الله أكبر!

يا هنادي يا ليتني كنتُ معكم، وإنّا لمّا تقطعت بنا السُبل نتمنى أن نقف موقفكم، وصلنا باب السماء، نقصدهُ بأيدينا الخجلى؛ لعلّ دعاءً أزاح  رصاصًا عنكم أو ربّما كان أقلّ صدقًا من أن يُجاري صدقكم، فحمى أقدامكم من أن تتعثر في الطريق.
توقف الزمنُ عندنا دهرًا ودمعت الأعين في موقفٍ تقفُ عنده حدود خيالنا الواسع، ويضيق ذلك الواسع بالسطور، كيف كانت القلوب! ما عدد خفقاتها! كيف بالله مرّت الكلمات! أظنّ أنها لم ولن تمُرّ أبدًا.

إلى الاسماء التي حفظناها عن ظهر قلب دون أن نكون مُكرهين، دون أن تُدشن في كُتب التاريخ في حين صنعت تاريخًا عظيمًا يشرّفنا، ولأنّه كذلك لم ولن يُذكر ليكون سؤالًا في امتحان توضع عليه علامات، ويُنسى بعدها كأنّ شيئًا لم يكُن.

إلى خديجة خويص تعرفها القدس، وساحات الأقصى، إلى كل المُرابطات تعرفهنّ ضحكاتُ المئذنة التي غابت كثيرًا، ولكن لتعود بضحكةٍ أعلى، إلى عيونهن فيها قُبة الصخرة، بالله عليكم لا تتركوه وحيدًا، هذا نداؤكم وهذا صدانا، أنتم تنصروه بالفعل، ونحن العاجزين عن الوصول إليه نُثبّت  الأقدام بالدعاء.

اجلعوني في كفّكم حجرًا، أو امسحوا بي طُهر جبينكم، أسقطوا نجوم السماء وأنتم تعلون، لا شيء يعلوكم.
قف هُنا حيِّ النساء، وقد أدركوا أنّ النصر لا يعني أن تُنجب جيلًا يحمي الحِمى وحسب، بل يعني بالضرورة أن تكون من يحمي الحِمى قَبلهم، سلامٌ عليهن وقد جاهدوا في نفس المكان مرتين.

يحضرُني الآن قول تميم البرغوثي:
في المسجِدِ الأَقْصَى اْذْكُرِ المُصَلِّيَةْ
يَرْمُونَ في وَجْهِ الجُنُودِ الأَحْذِيَةْ
نِعَالُهُم عَلى العِدَى مُسْتَعلِيَة
قِسِ المسافاتِ وقُلْ لي كَمْ هِيَهْ
وَكَم عَلَتْ عَلَى الخَبِيثِ نَعلِيَهْ
يُعْجِبُنِي إِذْ يَرْفَعُ الدِّرْعَ لِيَهْ
وَيَنْحَنِي بِرَأْسِهِ كي يَحمِيَهْ
ذِي وَحْدَهَا قَصِيدَةٌ مُسْتَوْفِيَةْ
أُنْظُرْ إِلَيَّ وَاْنْظُرَنْ عَدُوِّيَهْ
مَن بَينَنَا هَامَتُهُ مُنْحَنِيَةْ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد