إن المسجد الأقصى حري باهتمام المسلمين جميعًا، لأسباب كثيرة: لقدسيته أولًا؛ فهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، وهو المكان الوحيد الذي شهد قمة الأنبياء جميعهم – عليهم السلام – حيث صلى بهم نبيُّ الله محمد ﷺ في رحلة الإسراء، ولورود ذكره في القرآن الكريم وأحاديث النبي واختصاصه بالبركة، قال تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ…} [الإسراء]؛ فأول ما نلاحظه في هذه الآية الكريمة؛ أنها خصّت المسجد الأقصى بالبركة في حين اكتفت بذكر المسجد الحرام دون تخصيصه بوصف، على علو منزلته وسموّ مكانته، وإن كان ذلك يدل على شيء، فإنما يدل على أهمية المسجد الأقصى، ليس فقط في عصر صدر الإسلام، بل إلى أن تقوم الساعة؛ ذلك أن القرآن الكريم معجزة الله الخالدة في الأرض، ومن أسباب الاهتمام به أيضا لفضل الصلاة فيه؛ ما أخرجه الامام أحمد أَنَّ مَيْمُونَةَ مَوْلَاةَ النَّبِيِّ قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ: (أَرْضُ الْمَنْشَرِ وَالْمَحْشَرِ ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ قَالَتْ أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يُطِقْ أَنْ يَتَحَمَّلَ إِلَيْهِ أَوْ يَأْتِيَهُ قَالَ فَلْيُهْدِ إِلَيْهِ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ فَإِنَّ مَنْ أَهْدَى لَهُ كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ). وما سيكون من شأنه في آخر الزمان؛ إذ سيحشر الناس إليه.

فرغم مكانته العظيمة وفضائله الجليلة، فها هو اليوم يقتحمه الأنجاس بنعالهم، ويجول ويصول في باحاته جنود الطاغوت بأسلحتهم ورشَّاشاتهم، يصوِّبون فوهاتِها لصدور وقلوب المؤمنين من أبناء الشعب الفلسطيني، ويضيفون إلى أعمالهم الشنيعة هذه أعمالا أخرى تشهد على جبروتهم وطغيانهم؛ من خلال منع رفع الأذان فيه والوصول بغيّهم هذا إلى درجة منع الصلاة فيه.

ووحدهم في المعركة كان هؤلاء المُرابطون والمرابطات من أبناء بيت المقدس، الذين لم يخشوا الموت أو يهابوا نيران العدوّ، فوقفوا برغم ضعف قوتهم وقلة حيلتهم حائطَ صدٍّ يمنع الأعداء من تحقيق أضغاث أحلامهم في المسجد الأقصى ولو قدموا في سبيل ذلك أرواحهم ونفوسهم. فالعزُّ والفخار لهم، فهم الذين يُشكّلون رأس الحربة، وينوبون عن الأمة بأكملها في الدفاع عنه، وكبح جماح المحتل، ولَجْم عدوانه، ولمن يساندهم ويناصرهم من أبناء هذه الأمة البررة، والخزي والعار لمن خذلهم وتآمر عليهم.

فنصرة المسجد الأقصى على الحقيقة لا تتحقق إلا بتحريره من أيدي الصهاينة الغاصبين، ولكن الواجبات المناطة بالأمة حتى تحقق هذه الغاية العظمى كثيرة جدا، فمنها ما يقع على الفرد، ومنها ما يقع على الأسرة، ومنها ما يقع على الجمعيات، والنقابات والجماعات، ومنها ما يقع على الأنظمة والحكومات، والأئمة والخطباء والدعاة والإعلاميين والصحفيين، والمثقفين والعاملين في قطاعات التعليم والأندية الرياضية والإلكترونية. فعلى سبيل الاختصار سأركز في هذا المقال على ثلاثة محاور رئيسية، إن أخذت بها الأمة قادتها – بإذن الله تعالى – إلى العزّة والكرامة والنصر والتمكين، وتحرير الأقصى الأسير.

1- المحور الإيماني

من خلال الرجوع إلى الله تعالى، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الأمور (41) } [الحج]، وتحقيق الأخوة الإيمانية وتوحيد الجهود؛ قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران]؛ فاليهود إلى اليوم لا يزالون يزرعون الخلافات في الأمة ويسعون في مزيد من التقسيم، وإثارة النزاعات الطائفية والفئوية والعنصرية في كل بلاد العرب والمسلمين لإنهاك قوى الأمة وإهدار مقدراتها. قال تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}؛ لذلك ينبغي على الأمة في مشارق الأرض ومغاربها أن تترك القضايا الصغرى، والخلافات الجانبية، وتهتم بقضايا الإسلام الكبرى وعلى رأسها (قضية بيت المقدس)، وأن يكون شعارها المرفوع أن أولى أولوياتها بعد تجريد التوحيد لله هو تحقيق الأخوة الحقيقية في الله، والمحبة الصادقة في الله، وأن يتعاملوا مع المخالف وفق قوله تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيئَة اِدْفَعْ بِالتِّي هِيَ أَحْسَنْ ، فَإِذَا الذِّي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَة كَأَنّهُ وَليٌّ حَمِيمْ}.

كما لا ننسى الدعاء؛ فعن ثوبان -رضي الله عنه- عن رسول الله قال: ( لا يرد القدر إلا الدعاء). يقول الإمام الشافعي:

أتهزأ بالدعاء وتزدريه *** وما تدري بما صنع الدعاءُ

سهام الليل لا تخطي ولكن *** له أمدٌ وللأمد انقضاء

فالدعاء طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، ومفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين.

2- المحور المعرفي

وذلك من خلال الإعداد المعرفي؛ كونه أساس المنطلق لأي حركة تغيير تاريخية، من خلال دراسة تاريخنا العربي والإسلامي وفهمه، للتوصل إلى نماذج ونظريات تخدم واقعنا المعاصر من خلال الإحساس بضرورة دراسة تاريخنا بشكل عام وبيت المقدس بشكل خاص، وبعبارة أخرى نعني به فهم الحاضر واستشراف المستقبل.

3- محور الجهاد في سبيل الله

فلا عزّة لهذه الأمة إلا بالجهاد، ففيه إعلاء كلمة الله عزّ وجل، و حماية حوزة المسلمين والذّود عن ديارهم وبلادهم وثغورهم، وما أصاب الذل هذه الأمة وخضعت لأعدائها، وأهينت مقدساتها إلا بعد أن تخلت عن الجهاد، وأصبح عندها حمل السلاح من أكبر الجرائم، والنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول في حديث ابن عمر: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ). والجهاد المطلوب ليس فقط جهاد السيف، ولكن كل أنواع الجهاد الأخرى، ومنها:

أ- مجاهدة النفس وحملها على الاستقامة؛ فمعادلة النصر في القرآن هي: {إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم}؛ ففي هذه الآية معركتان: المعركة الثانية: {ينصركم و يثبت أقدامكم}؛ وهي معركة يدبّرها الله ويديرها ويخرج نتائجها، ونتيجتها النصر والتمكين. أما المعركة الأولى: {إن تنصروا الله}؛ فميدانها النفس البشرية والذي يدير هذه المعركة هو الفرد نفسه و يخرج نتائجها بنفسه، والنتيجة هي الاستقامة. فلا نصر و لا تمكين إلا بعد الاستقامة فعلينا أن نجاهد أنفسنا ونحملها على الاستقامة ونبعدها عن مواطن المعصية التي تؤخر نصر الله.

ب- جهاد الكلمة: وذلك باللسان والقلم والإعلام والإنترنت، الجهاد بالرسائل والصور، والفلاشات والحقائق والآيات، وهذا باب عظيم من أبواب الجهاد.

ج- الجهاد بالمال: فالدعم المادي هو من الجهاد، ففي الحديث الشريف، قال رسول الله : (من جهّز غازيًا فقد غزا ، ومن خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا)، و(المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).

ومن وسائل النصرة أيضًا: مقاطعة العدو وأعوانه اقتصاديًا؛ فإن ذلك من أقوى وسائل الضغط في هذا العصر؛ تصديرًا واستيرادًا؛ كما فعل ثمامة بن آثال مع قريش حيث آلى ألا يصل إليهم شيء من بُرِّ اليمامة حتى يأذن الرسول ﷺ.

وبالاضافة إلى ما سبق ذكره، فإنه ومن أضعف الإيمان أن يجعل المسلم في قلبه همَّ تحرير المسجد الأقصى، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ففي عصر صلاح الذين الأيوبي أُرسلت رسالة إليه تقول: (يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكس، جاءت إليك ظلامة تسعى من البيت المُقَدَّس، كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أُدنس!). فبكى صلاح الدين وجيش الجيوش ولم يبت ليلة هانئة حتى طهر بيت المقدس من دنس الصليبيين، فكانت هذه الرسالة بداية فتح بيت المقدس.

هذا ونسأل الله أن يجعل النصر والتحرير، والعزّ والتمكين قريب، إنه على كل شيء قدير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد