في ظل مساعي دولة الاحتلال الصهيوني لتنفيذ بند صفقة القرن، ورفض المملكة الأردنية الهاشمية بنود الصفقة المشؤومة على لسان وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، في فبراير (شباط) الماضي بأنه لا حل لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وأن الأردن يرفض الاستيطان، وبأن القدس خط أحمر، وأن الأردن مستمر قولًا وفعلًا بحماية المقدسات، وفي المقابل رأينا موقف السعودية المتخاذل في نصرة فلسطن بإعلان دعمها وتقديرها لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام «رؤية السلام والازدهار ومستقبل أكثر إشراقًًا»، هكذا وصفه بيان وزارة الخارجية السعودية.

كما أعلنت دول الحلف السعودي دعمها للصفقة المشؤومة وعلى رأسهم كل من (الإمارات، مصر، البحرين)، فيما رفضها الأردن الذي يشرف على مقدسات القدس والمسجد الأقصى منذ عام 1924م.

مفاوضات سعودية صهيونية لنقل الوصاية على المسجد الأقصى

أعلنت صحيفة «إسرائيل اليوم» أن السعودية تجري مباحثات مع الكيان الصهيوني للحصول على دور في إدارة دائرة الأوقاف بالمسجد الأقصى. وتسعى لفرض الوصاية على المسجد الأقصى، وقالت الصحيفة إن المباحثات السعودية الصهيونية تتم منذ شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2019 وتداولت المباحثات إمكانية ضم مندوبين سعوديين لمجلس الأوقاف الإسلامية في الأقصى، وأن المفاوضات أشرف عليها فريق من الدبلوماسيين والمسؤولين الأمنيين في السعودية، والولايات المتحدة، ودولة الاحتلال الصهيوني، في إطار السعي السعودي للهيمنة والوصاية على «المسجد الأقصى».

وذكرت الصحيفة أن هذه المفاوضات جاءت في إطار تطبيق خطة السلام الأمريكية، ونقلت «إسرائيل اليوم» عن مصدر سعودي قوله إن موقف الأردن الذي يتولى إدارة شؤون الأوقاف الإسلامية في القدس بوصفه الراعي الوحيد على المسجد الأقصى قد تغير بسبب ما اعتبرته الصحيفة ازدياد النفوذ التركي في المسجد الأقصى. وقالت الصحيفة إن الأردن اشترط ألا يؤثر ضم مبعوثين سعوديين لمجلس الأوقاف على الوصاية الأردنية في المسجد الأقصى، واشترط أيضًا أن تتبرع السعودية لجمعيات إسلامية تعمل في الأقصى والقدس.

الضغط السعودي على الأردن للقبول بالصفقة المشؤومة

منذ إعلان الرئيس الأمريكي،  دونالد ترامب، عن صفقة القرن ورفض المملكة الأردنية الهاشمية لبنودها وتمارس السعودية بقيادة الملك سلمان العديد من الضغوط على الأردن للقبول بالصفقة فمنذ عام 2015م توقفت المساعدات الخليجية والتي تمنحها كل من «السعودية والامارات» للمملكة الأردنية الهاشمية. لكن مع بداية عام 2018م وبدأت العديد من التسريبات عن صفقة القرن وعن بنودها بدأت السعودية تضغط من جديد على الأردن لكن بوسيلة أخرى، وهي تقديم المساعدات لكن بشروط.

فبتاريخ يونيو (حزيران) 2018 قد دعا العاهل السعودي، الملك سلمان، لعقد قمة في مكة المكرمة بحضور العاهلين السعودي والأردني، والشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت، والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي.

وأفضت القمة إلى تقديم دعم للأردن قيمته ملياران ونصف المليار دولار، على شكل ودائع وضمانات للبنك الدولي، المنحة الخليجية قليلة جدًّا ومحدودة عن المنح الخليجية السابقة، لكن محدوديتها كان لها مغزى آخر، وهو وضع الأردن على الحافة، عدم الانهيار، وأن تبقى الإدارة الأردنية مقيدة بالقرارات الخليجية، وخاصة السعودية؛ لمحاولة الضغط مستقبلًا على الأردن لتغيير مواقفه الثابتة إزاء قضية القدس وتمرير ما اصطلح عليه بـ«صفقة القرن».

ففي الوقت الذي عانت منه الأردن في السنوات الخمس الماضية من العديد من الضغوطات المالية الاقتصادية الكبيرة، لكنها كانت صامدة في موقفها تجاه قضية القدس والمسجد الأقصى، لكنها منذ إعلان صفقة القرن واتضح لماذا مورست ضد الأردن مثل هذه الضغوطات، سواء كانت في السر أو العلن، واتضحت الخفايا المشبوهة لدول الخليج لوقف الدعم المالي عن الأردن.

الدور الأردني للوصاية على المقدسات بالقدس الشرقية

عام 1924 بايع مسؤولون فلسطينيون وعرب الشريف الحسين بن علي الهاشمي بالوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس، ثم انتقلت الوصاية في سنوات لاحقة لقيادات فلسطينية.

لكن بعد نكسة 1948 أصبحت الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تابعة للحكم الأردني وفي عام 1950، جرى توحيد الضفتين الغربية والشرقية لنهر الأردن رسميًّا تحت السيادة الأردنية وظل ذلك ساريًّا حتى 1967، عندما احتل الكيان الصهيوني القدس «الشرقية» لكن هذا الاحتلال لم يمنح الكيان الصهيوني حقوق الملكية؛ لأن مجلس الأمن الدولي في القرار رقم 242 أقر بعدم منح حقوق الملكية لأنه لا يجوز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وطالب الاحتلال الصهيوني بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في يونيو 1967.

وبعد مرور مدة قصيرة من سيطرة الكيان الصهيوني على المسجد الأقصى نُقلت الوصاية من جديد للملكة الأردنية، وفي عام 1988 اتخذ الملك حسين بن طلال قرارًا بفك الارتباط مع الضفة الغربية لنهر الأردن إداريًّا وقانونيًّا بناء على طلب منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الراحل «ياسر عرفات» وفي وقتها كانت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني؛ أي إن قرار فك الارتباط كان قرار الشعب الفلسطيني حينها.

كما أعطى «ياسر عرفات» للملك «حسين» حق الوصاية على المقدسات، وظل الأردن متمسكًا بدوره التاريخي في الحفاظ والوصاية على المقدسات والمسجد الأقصى، ولم يسلم باحتلال مدينة القدس، أكد دوره في رعاية هذه المقدسات في معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية التي وقعت في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1994.

وفي مارس (آذار) عام 2013 وقع رئيس السلطة الفلسطينية «محمود عباس» مع العاهل الأردني الحالي الملك «عبد الله الثاني» اتفاقية مكتوبة بتفويض الأردن بالوصاية رعاية المسجد الأقصى والمقدسات بمدينة القدس.

وبهذه الاتفاقية أصبحت المملكة الأردنية الهاشمية وصية على كل كبيرة وصغيرة ضمن 144 دونمًا تضم الجامع القبلي ومسجد قبة الصخرة، وجميع مساجده ومبانيه وجدرانه وساحاته وتوابعه فوق الأرض وتحتها والأوقاف الموقوفة عليه.

الضغوط الأمريكية لنقل الوصاية على المقدسات من الأردن إلى السعودية

في السنوات الخمسة الماضية مارست السعودية العديد من الضغوط على الأردن لنقل الوصاية على المقدسات الفلسطينية للوصاية السعودية، وتمت هذه الضغوط وفقًا للسيناريو الأمريكي الذي تخطط له إدارة ترامب لتفيذ بنود صفقة القرن، والتي يرفضها الأردن منذ إعلانها، ففي 14 مايو (أيار) 2015 فكانت البداية بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب لمدينة القدس، ولقي هذا الحدث إدانة المملكة الأردنية الهاشمية، واعتبرته باطلًا وغير قانوني وفقًا للشرعية الدولية للأمم المتحدة، وكانت نقطة الخلاف الثانية رفض الأردن لبنود صفقة القرن التي أعلنها الرئيس الأمريكي بتاريخ 28 يناير (كانون الثاني) 2020.

فكانت بداية الضغوط الأمريكية على الأردن لكي تثنيه عن موقفه المشرف تجاه المقدسات الإسلامية في فلسطين، فبدأ الكيان الصهيوني بتوجيه أمريكي بإثارة قضية ضم غور الأردن للكيان الصهيوني، بالإضافة للضغط السعودي الإماراتي على الأردن اقتصاديًّا، فكان موقف الأردن تجاه القدس مشرفًا للحظاته الأخيرة حتى طرحت السعودية نفسها بديلًا للأردن لتنفيذ بنود صفقة القرن من خلال تبديل الأدوار من الوصاية على المسجد الأقصى والمقدسات بمدينة القدس، وسحبها من الأردن؛ لتكون تحت وصاية المملكة العربية السعودية وبهذا أصبحت المقدسات الإسلامية في فلسطين هدية تقدمها الولايات المتحدة للسعودية؛ نظرًا إلى دورها في إتمام صفقة القرن المشؤومة.

مدى شرعية وصاية السعودية على المقدسات بمدينة القدس

فبعد ما كشفت صحيفة «إسرائيل اليوم» عن المباحثات التي جمعت مسؤولين من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والكيان الصهيوني، للضغط على الأردن للموافقة على تمرير ضم هيئة أوقاف القدس أعضاء سعوديين تمهيدًا لنقل الوصاية على المقدسات بمدينة القدس للمملكة العربية السعودية، ففي حالة وتنازلت الأردن عن وصايتها على المسجد الأقصى ومقدسات مدينة القدس، فإن هذا سيرجعنا لوعد من لا يملك لمن لا يستحق، كما فعل الانتداب البريطاني مع الكيان الصهيوني فيما وصف بوعد «بلفور».

فمنذ عام 1924 لم تحصل المملكة الأردنية الهاشمية على شرف الوصاية على المقدسات في فلسطين إلا بعد موافقة ومبايعة مسؤولين فلسطينيين وعرب على هذه الوصاية، أما ما يروج الآن وحديث الصحف الصهيونية عن نقل الوصاية على المقدسات الفلسطينية للسعودية يفتقد لكل التشريعات والأعراف الدولية، حتى لو وافقت الأردن على قرار نقل الوصاية للمملكة العربية السعودية وأظنها لن تفعل، فلن يقبل بها فلسطيني الداخل والخارج بعد التطبيع السعودي الفج مع الاحتلال الصهيوني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد