منذ عدة أيام والألم يعتصر قلبي على ما يجري في مدينة القدس، تهجير لسكان حي الشيخ جراح، واعتداءات على الفلسطينيين المرابطين في المسجد الأقصى، ثم الاعتداء على غزة أرض الصمود، صور وفيديوهات هنا وهناك، تزيد شعوري بالعجز، فما حيلتي سوى الدعاء، وبضع كلمات وإعادة تغريد بعض التغريدات؟

نشأت منذ صغري على حب المسجد الأقصى، في البيت، وفي مدرستي الابتدائية الإسلامية الطابع، كان والداي متابعين شهريًا للعديد من المجلات الإسلامية، فهذه الوعي الإسلامي وملحقها للأطفال براعم الإيمان وتلك المنار الإسلامي ومجلة الأزهر الشريف، وهناك مجلات أخرى كمجلة هاجر وملحقها للأطفال مجلة زمزم، كنت أحب قراءة ما بها من أشعار وما يعجبني أتدرب على إلقائها مع أبي تمهيدًا لأدائها في الإذاعة المدرسية، كما أنها كانت غنية بقصص عن أطفال الحجارة، ومواضيع أخرى تمس العالم الإسلامي في تلك الفترة.

كان للأناشيد نصيب كبير في يومنا، فكنا نسمع أناشيد أبي مازن بصوته النقي، وكانت كلماته مختارة بعناية، وأناشيد أبو راتب المميزة، والكثير من الأناشيد الفلسطينية أشهرها نشيد ثوار، والعديد والعديد من الأناشيد المصرية الحماسية التي ترافقت مع الانتفاضة وما بعدها.

ولا ننسى الأفلام والمسلسلات فكان مسلسل عز الدين القسام من المسلسلات الجميلة التي تابعتها في صغري، وكذلك فيلم «المتبقي» الفلسطيني الذي لم تزل بعض مشاهده منطبعة في ثنايا روحي.

في سني المراهقة كنت أتابع الاخبار باستمرار، وكنت أدعو الله أن أكون يومًا شهيدة في فلسطين، أو أن يحرر الله الأقصى، وأنال شرف الصلاة فيه، كانت هذه الأحلام تملؤني بشكل كبير للغاية، وكنت أقرأ دواوين محمود درويش، واختلس من مكتبة أبي كتب ومذكرات عن حرب 48 وموضوعات أخرى حول فلسطين.

ثم صار شأني كشأن كل الفتيات في سني خُطبت وتزوجت وخبا الأمل في صدري، قلت لعلي أغرس هذا الحب في أبنائي وأؤدي واجبي نحو الأقصى بذلك، وفجأة وكأن الحياة دفعتني نحو مثلث برمودا، درت وغصت سنواتٍ وسنواتٍ، ولولا لطف الله ما نجوت، أصبحت حياتي حكرًا على بيتي واولادي، وكلما فكرت في ذاك الحلم أدرك أكثر فأكثر أنه المستحيل.

لماذا هو مستحيل؟ هناك وعي متدني لدى كثير من الشعوب العربية عن قضية فلسطين وعمقها التاريخي، أكذوبة «الشعب الفلسطيني باع أرضه» من أكثر الأكاذيب المنتشرة التي تدل على زيف الحقيقة في عقول كثير من الشعوب العربية، والشيء الذي يثير دهشتي؛ لو أن تلك الأكذوبة قد غرست بفعل الإعلام الحكومي منذ زمن بعيد حيث كانت القنوات الرسمية واحدة أو اثنتان، ولم يكن هناك مصادر أخرى للمعلومات أو للأخبار؛ فما عذر الناس الآن وكل شيء موجود؟ كل الأخبار منتشرة وموثقة والحقيقة موجودة فلما لا تعمل الشعوب العربية عقلها؟ لم لا تقارن بين الحق والباطل وترجح الحق؟

هل هناك في هذا العالم دولة واحدة ضمن منطقة ما متحدة مع جيرانها في الدين واللغة والتاريخ، وهذه الدولة ترزح تحت الاحتلال منذ عشرات السنين ومن حولها متخاذلين عن نصرتها؟

لقد نجحت سايكس بيكو في شرذمتنا حتى إننا عاجزون إلا عن الكلام، عاجزون عن مد يد العون ولو عُزَّل، خائفون من جيوشنا وأسلحتهم المدججة.

كنا قبل تقسيم الدول العربية – بهذه الخطوط التي رسمها مندوبي بريطانيا وفرنسا – على مدار قرون وقرون أمة واحدة يأتي أحدهم من المغرب، فيعبر الصحاري والبلاد بلا حدود ولا جواز سفر حتى يحج في مكة، ويسافر التاجر السوري حتى مصر بسلاسة، ويأتي طالب العلم من الجزائر إلى المدينة المنورة، كنا أمة واحدة يسيح فيها المسلمون أينما أرادوا دون أن يفخروا بجنسيتهم وقوميتهم.

وما أرادوا لنا هذا إلا لاضعافنا فلم غاب هذا عن وعينا؟ كيف يتناسى الناس أن المسجد الأقصى هو ثالث الحرمين الشريفين، وأن الصلاة فيه ب500 صلاة.

لقد نجح الصهاينة وأذنابهم في كل مكان في تزييف الحقيقة وفي تشويه صورة المقاومة، ربما لها سقطات سياسية مؤخرًا، إلا أنها تظل لها تاريخها ودورها لعقود، ولا يمكن إلصاق تهم أمريكية الاختراع كالإرهاب بها، ولا اتهامها بالعبث.

لكن هناك ما يبشر بالخير الكثير، انتفاضة فلسطينيي 48 والضفة كان مفزعًا للصهاينة، تآزر كثير من المغردين العرب والمسلمين على مواقع التواصل وتفعيل الهاشتاجات، والغضب لما يحدث في فلسطين هو عودة للوعي، ليعقب ذلك خروج كثير من الأردنيين الى الحدود آملين عبورها لنصرة اخوانهم في فلسطين، إطلاق بعض الصواريخ من لبنان وسوريا.. هل سيتحقق الأمل؟ الأمل بنصر فلسطين ودحر المحتل الغاصب؟ هل ستأخذ الشعوب خطوة جدية نحو تغيير التاريخ؟ هل سيتحقق ذلك الحلم البعيد.. ونذهب للقدس أفواجًا مصليين في باحات الأقصى؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد