عند تصفحنا لكتب التاريخ التي تتناول القضية الفلسطينية نجد أن هناك خذلان على مر السنوات من الحكومات والساسة العرب، فبعد سقوط الخلافة العثمانية بنهاية الحرب العالمية الأولى خضعت فلسطين لسيطرة الانتداب البريطاني من عام 1920 وحتى 1948 وفق معاهدة سيفر، قبل ذلك أُصدر وعد بلفور في 1917 والقاضي بحق إنشاء وطن لليهود في فلسطين حيث لاقى غضبا جماهريا واسعا آنذاك، طوال فترة الانتداب البيرطاني كانت القدس عاصمة للانتداب، وكانت حكومة بريطانيا تمهّد لإنشاء وطن لليهود في فلسطين، إلى أن جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، والقاضي بتقسيم فلسطين وإنهاء الانتداب البريطاني عام 1947، حيث نص على تأسيس دولتين عربية ويهودية على أرض فلسطين، وأن تقع مدينتا القدس وبيت لحم تحت الوصاية الدولية.

لم يستمر ذلك كثيرا حتى تم إعلان ما يسمى بـ(دولة إسرائيل) في مايو من عام 1948 بمساحة تقدر بـ 77٪ من مساحة فلسطين.

خلال تلك الفترات قامت الكثير من الثورات الفلسطينية ابتداء من ثورة البراق حتى ثورة الحجارة التي استمرت لسنوات حتى انتهت باتفاقية أوسلو عام 1993 وانتفاضة هبة النفق، بعدها بثلاث سنوات بسبب حفر الكيان الصهيوني نفقا أسفل المسجد الأقصى لتندلع انتفاضة أخرى بعدها بأربع سنوات إثر تدنيس رئيس الكيان الصهيوني أرئيل شارون للمسجد الأقصى، إضافة للكثير من المجازر الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني ابتداءً من مذبحة بلدة الشيخ 1947، مرورا بمذبحة قليلقة وخان يونس، وآخرها العدوان على قطاع غزة عام 2012، أغلب تلك الانتفاضات والثورات أجبرت الكيان الصهيوني على الانصياع، على الرغم من أنه راح ضحيتها الآلاف من الفلسطينيين بعكس الحروب العربية الإسرائيلية، والتي عادة ما يهزم فيها العرب نتيجة خذلان قادتهم ابتداء من حرب 1948، 1956، 1967 وانتهاء بحرب 1973، والتي انتهت بمعاهدة فك الاشتباك.

بعد حدوث ثورات الربيع العربي والتي جعلت من الشعوب العربية في دوامة داخلية ونسيان القضية الفلسطينية، فعلى الرغم من الحرية التي نالتها بعض الشعوب نراها اليوم بعد إعلان رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب بأن القدس ستكون عاصمة (لإسرائيل)، وأنه سينقل السفارة الأمريكية إلى القدس، لم نشاهد ردًا حكوميًا، بل حتى بعض المشايخ الذين صدعوا رؤسنا بالجهاد نراهم الآن يختبئون وراء سلاطينهم الذين لم يعبروا عن قلقهم كما هو معروف في أغلب الحالات، وكأن قرار ترامب جاء بعد اتفاق بينه وبين بعض الزعماء العرب الذين أعادوا خيانة أسلافهم لفلسطين، فأبسط ما يستطيع الزعماء العرب أن يفعلوه هو إبادة شعوبهم، لم نر التحالف الإسلامي الذي تم إنشاؤه، والذي يضم عددا من الدول العربية والإسلامية، حاضرا اليوم في المشهد، فأبعد ما يستطيع أن يذهب هذا الجيش إلى جارته اليمن، والتي لم يستطع تحريرها إلى الآن، فنراه يهدد أشقاءه في قطر، ولا يهدد الكيان الصهيوني الذي سيجعل من القدس عاصمة له، ولم نر قرارا من الجامعة العربية وأمينها العام، أو حتى دعوة لاجتماع عاجل لزعماء العرب، وكأن الأمر لا يخصهم.

أين أولئك الذين يدعون بأنهم يقاتلون في بلاد المسلمين وعيونهم على القدس؟ ألم تصدعوا رؤوسنا بجهادكم الكاذب أم أن جهادكم على المسلمين فقط!

أين ما يسمى بالمقاومات الإسلامية؟ أليست القدس قضيتكم؟

أين أصحاب العمائم البيض والسود الذين دفعوا الشباب للقتال في سوريا والعراق واليمن؟ ألم تكن المسافة هي ذاتها لو توجهتم إلى فلسطين!

خلال السبعين عاما لم تعلن أية قوى من التي كانت تدعم الصهيونية هكذا إعلان، لتأتي الولايات المتحدة اليوم بهذا الوقت بعد أن أجهضت على أكبر جيوش المنطقة وهي الجيش العراقي والسوري والمصري، لأن هذه الجيوش هي التي هزمت إسرائيل في السابق، فبعد حل الجيش العراقي في 2003 وتلاه تجزئة وتدمير الجيش السوري في 2011، وكذلك الانقلاب العسكري في مصر وجعل جيشها بيد أحد عملائها، بهذه الأمور طمأنت الولايات المتحدة مدللتها إسرائيل، وأزالت جزءً كبيرا من الخطر عنها.

بعدها قامت بتشويه صورة الجهاد الحقيقي وحرفه عن مساره، وذلك بدعم بعض المجموعات الإرهابية باسم الدين؛ مما ترك عند الشارع العربي صورة سلبية عن الجهاد وغض الطرف عن فلسطين، وهذا ما نشاهده الآن على منصات التواصل الاجتماعي، فبعد خروج العديد من العواصم العربية والإسلامية نصرة للقدس نرى من بعض الشباب أنه لم يكتف بعد من التفاعل مع القضية، بل يتفاعل تفاعلا سلبيا، وذلك بانتقاده لمن خرج أو نشر نصرة للأقصى، وذلك بقوله: ماذا عساكم تفعلون؟ فأقول: لا تكن جزء من خيانة الحكومات، وإن عدم خروجك وانتقادك هذا، يعني أن يربى أولادك من غير عقيدة الأقصى ثالث الحرمين.

أختم مقالتي هذه بأبيات للشهيد عبد العزيز الرنتيسي يهجوا فيها حكام العرب.

يا قادة السوء كم لطختموا صحفا

يا راحة الغدر كم أطفأتموا مقـلا

أمسى الخؤون على الأوطان مؤتمنا

يومـا يدك به الأقصى وينهــدم

ما عاد ينفع إذعــان ولا نــدم

فيها الخلود لمن خانوا ومن ظلمـوا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد