متى تتحرر فلسطين؟

مسألة طالما ترددت بحماسة فى نفوس الكبار والصغار، لكنها مشوبة بيأس كبير، ربما سبب اليأس هو تفسيرات للنصوص ربما لا تكون دقيقة نوعًا ما، إن شئت قل بأن المسلمين يعتقدون أنه ليس لهم إلا نهضة واحدة تكون قبيل قيام الساعة على يد المهدي المنتظر الذي يُنصر بالكرامات والعجائب، لا بالقوة والعصبية، فيركنون إلى الدعة، منتظرين المهدي المنتظر وعيسي بن مريم!

وأحد أسباب ذلك أن كثيرًا من العلماء في عصرنا قد فسروا خروج اليهود بأنه لن يكون إلا بحرب اليهود مع عيسي بن مريم! وذلك فى آخر الزمان!

كما فسروا أن الله وعد بجمع اليهود فى مكان واحد فى قوله تعالى (جئنا بكم لفيفًا)، كما فسروا أول آيات الإسراء المتعلقة باليهود، وأنزلوها على واقعنا المرير المعاصر، محاولة منهم أن يجعلوا القرآن مواكب للزمان والمكان، فضاع الحق على هذا النحو ودب اليأس فى الأمة بعدما كانت الحياة، وهذا يحدث مع القرآن في تغيير معانيه في آيات كثيرة ليطابق القرآن الواقع، كذا زعموا! والقرآن لا يحتاج لذلك فهو كتاب الله حقًا وصدقًا، وهو كتاب منهجي يوضح المنهج الحق، وليس كتاب سردي تاريخي يبين وقائع وإن كانت فيه بعض هذه الأخيرة، ولي عنق النص إنما يجعل القرآن كتاب أوهام لا كتاب حقائق.

إن الناظر في الآيات والأحاديث لا يجد ذلك، بل أظن أن اليهود أحبوا هذه التفسيرات، التي تثبت لهم أحقية في فلسطين من خلال آية (جئنا بكم لفيفًا) التي تم تفسيرها مع أول آيات الإسراء على نحو غير متفق عليه، بل وغير صحيح عند السادة المفسرين.

ولنناقش سويًا الآيات والأحاديث لتعرف صدق ما أقول من باطله، حتى إذا قتلنا كل هذه الشبهات أقول لك متى تتحرر فلسطين.

 

أولا : لم ينقل القرآن الكريم آية واحدة تدل على أن اليهود سيجتمعون في أرض فلسطين

وأما آية (جئنا بكم لفيفًا) أي مختلطين يوم القيامة، فالآية لا تتعلق باجتماعهم ؛ لأنه وقتما قال الله (اسكنوا الأرض) كانوا وقتها مجتمعين! فكيف يجتمعون وهم مجتمعون أصلًا، أضف إلى ذلك أنه لم يذكر مفسر من المفسرين ما يتداوله الناس الآن من أن الآية  تدل على عودة اليهود أصلًا، ذلك لأن الله لم يعطهم الحق في هذه الأرض لكي يعودوا إليها، وهي ليست لهم أصلًا، فكيف نطوع الآيات عندنا حتى نعطيهم حقًا لم يعطه الله لهم!

وإليك التفسير لترى صدق ذلك

قال تعالى : (وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا)

تفسير البغوي: فإذا جاءت الساعة، وهي وعد الآخرة، جئنا بكم لفيفا: يقول: حشرناكم من قبوركم إلى موقف القيامة لفيفا: أي مختلطين قد التفّ بعضكم على بعض، ثم هذا قول القرطبي: وقال ابن عباس وقتادة: جئنا بكم جميعًا من جهات شتى. والمعنى واحد).

قال الجوهري : واللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى، يقال: جاء القوم بلفهم ولفيفهم، أي وأخلاطهم.

والمعنى : أنهم يخرجون وقت الحشر من القبور كالجراد المنتشر، مختلطين لا يتعارفون. انتهى.

ولم أر دليلًا علي أنه سيكون هناك أرض لليهود، إلا في التلمود وهذا نصه.

(الواحد القدوس تبارك اسمه قاس جميع البلدان بمقياسه ولم يستطع العثور على أية بلاد جديرة بأن تمنح لجماعة يسرائيل سوى أرض يسرائيل). وهي كذلك «الأرض البهية» (دانيال 11/16)

بل هناك دليل تاريخي قاطع على أن نص التلمود باطل لا شك فى ذلك، وأنهم لا حق لهم في شيء، وذلك أنهم منذ القرن الرابع الهجري، وهم يعيشون تحت ظل الخلافة – ردها الله إلى المسلمين – العثمانية، بل لما لما اضطهدهم نصارى الأندلس – إسبانيا حاليًا – وغالبيتهم كانوا يسكنون في الأناضول، وقد كانوا يعيشون حياة رغد وهناء، وارتفع منهم أناس في الجيش العثماني، ثم طردوا لخيانتهم، وطوال أكثر من ست قرون لم يحاول اليهود أن يستوطنوا القدس! وكأن التلمود لم يكتب إلا فى القرن التاسع عشر الميلادي!  فهل تفاجئوا بهذا النص في تلمودهم أم حرفوه؟

ثانيا : آيات سورة الإسراء الأولي عن إفسادهم فى الأرض وإرسال عباد ليهينوهم مرة أخري لا علاقة له بالواقع لأن ذلك  قد حدث قديمًا.

وذلك في قول الحق سبحانه (فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا)

فهذه الآية والآيات التي قبلها تتحدث عن إفساد اليهود بقتلهم بعض وتنافسهم على الملك، ثم قتل يحيى وزكريا عليهما السلام، فكان الإفسادان موجبين لدخول جالوت، فلما تابوا قتل داود جالوت، فلما أفسدوا مرة أخرى أرسل الله عليهم بختنصر فأفسد كل شيء وقد حدث كل هذا ولا علاقة ذلك بواقعنا، وأما كلمة(وعد الآخرة) أي المرة الثانية الأخيرة ذكر ذلك الألوسي وغيره.

وأزيدك دليلًا آخر أن هذه الآية لا علاقة لها بالمسلمين لقول الحق سبحانه (وليتبروا ما علو تتبيرا) أي يهلكوا كل ما تملكونه وعلوا عليه وصاروا عليه ملوكًا، فهل يفعل ذلك المسلمون بأرض أحبوها كأبنائهم أو أشد؟

إذا فلا علاقة لنا نحن المسلمون بهذه الآيات ولا تنطبق على واقعنا أبدًا، ووضعها على واقعنا المعاصر غير صحيح، بل يثبت شيئًا لم يثبته الله، بل سيزيد الأمة قهرًا، سيقول أحدهم طالما أن الله قد وعد لهم بأرض، فكيف نجاهد من وعدهم الله، فلنقعد فليست لنا حيلة! وهذا قد أبطلناه من خلال كتب التفاسير وكلام أئمة التفسير ولم يخالف فيهم أحد في هذه الكلمات أن هذه الآيات لا علاقة لها بواقعنا المعاصر.

ثالثًا: لن يظل اليهود فى أرض فلسطين إلى وقت عيسى بن مريم بل سيخرجون منها

ربما ستقول هل تريد ضجة تزيد بها عدد القراء؟ أم تريد أن تقتل اليأس في قلوبنا ولو بالباطل؟ أم أنك لا تصدق كلام رسول الله؟

وحتى أخرج من هذه التهم التي ربما سيصمني البعض بها، سأنقل لك النصوص التي تدل دلالة واضحة على صدق ما قلت لك، لتعلم أني بكلام رسول الله مصدق لا شك عندي – لكن العلة فى أفهام الناس – لتعرف أن اليهود غير باقين فعلًا على هذه الأرض المباركة التي هي أرض الحق والصدق أرض الإسلام.

ففي الحديث:(يخرج الدجال من يهودية أصبهان يتبعه سبعون ألفا من اليهود عليهم التيجان). رواه أحمد وصححه ابن حجر، وفي الحديث دلالة واضحة على أنهم سيتفرقون، وذلك فى قوله: سبعون ألفا من أصفهان، دل ذلك على أنهم سيسكنون أصفهان بقرية كانت لهم قديما هناك تسمى اليهودية، ولو أنهم كانوا سيظلون فى بيت المقدس حتى قيام الساعة لقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون معه ثمانية ملايين يخرجون من بيت المقدس أو بالتعبير القديم ثمانية ألف ألف، ولما لم يذكر الثمانية ملايين الموجودين الآن، وذكر العدد الأقل وهو السبعون ألف فدل على أنهم سيتفرقون ويكون أكبر أعدادهم في أصفهان، ويسير الدجال ليجمع بقية اليهود وبقية أهل الكفر.

بل ستكون الحرب الأخيرة بين اليهود والمسلمين خارج فلسطين وسيقتل المسيح عليه السلام الدجال على أعتاب بيت المقدس

عن أبي أمامة الباهلي, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يدرك عيسى ابن مريم عليه السلام الدجال بعد ما يهرب منه فإذا بلغه نزوله, فيدركه عند باب لد الشرقي، فيقتله).

فمعني إدراكه وهو يريد الدخول إلى بيت المقدس عن طريق باب لد، أن الحرب لن تكون فى بيت المقدس.

رابعًا: الأقصي لن يهدم لأنه بيت الله الحق ولا وجود للهيكل تاريخيًا ولا في كتاب الله

وهذا ثابت فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطأه – أي الدجال – وظهر عليه إلا [ أربع مساجد : مسجد ] مكة و[مسجد] المدينة [والطور ومسجد الأقصى].

فدل على أن اسم المسجد سيبقى ولو كان سينهدم لقال رسول الله والمسجد الأقصي الذي سيكون فيه الهيكل مثلًا، وقد بين رسول الله أحداث أقل شأنًا من أن ينهدم الأقصي في أحداث الساعة، كالذين يلبسون عصائب بشكل معين، ولما ذكر اسم المسجد فسيظل المسجد الأقصى منارة حق وصدق أن المسلمين هم أصحاب الحق الأول والأخير في هذه الأرض.

خامسًا: اليهود لا يزرعون شجر الغرقد

فهم لا يؤمنوا بكلام النبي محمد صلي الله عليه وسلم أصلًا، ولقد حاولت أن أحصل على إحصائية عن زراعة شجر الغرقد في فلسطين فلم أجد شيئًا من هذا، وحتى في سؤال أهلينا فى فلسطين لا يذكرون مثل هذا، لا أقول إنهم لا يزرعونه بالكلية، بل يزرعونه كما نزرعه نحن لما فيه من فوائد  طبية معينة معروفة لدى المتخصصين.

يا صديقي إنهم لا يزرعون الغرقد إنهم يزرعون، إنهم يزرعون معهد وايزمان للدراسات ومعهد والتخنيون الذي كان ألبرت أينشتين أول رئيس لمجلس أمنائه، وقال وقتها: (إن إسرائيل تستطيع أن تكسب معركة البقاء فقط إن نجحت فى تكوين معارف عميقة فى التقنية).

وأما حديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ» (رواه مسلم).

فيبينه حديث آخر أن هذه الحرب  في مكان اسمه مرقناه، وأن المعركة هي خارج فلسطين واسمع إذًا هذا الحديث

«عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل الدجال في هذه السبخة بمرقناة، فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه، وإلى أمه، وابنته، وأخته، وعمته، فيوثقها رباطًا مخافة أن تخرج إليه، ثم يُسلِّط الله المسلمين عليه، فيقتلونه ويقتلون شيعته، حتى إن اليهودي ليختبئ خلف الشجرة أو الحجر، فيقول الحجر أو الشجر للمسلم: هذا يهودي يختبئ، فاقتله)».

وبعد أن أثبت لك بما لا يدع للشك أن هؤلاء سيخرجون منها ولن يعودوا أ ريما يعودوا إذا وجد المرض فرصة أخرى لدخول الجسم

ويبقي السؤال متي تتحرر فلسطين

تتحرر فلسطين يوم أن تتحرر العقول أن نصرة الأمة لا تأتي مع المهدي المنتظر وإنما تأتي بالعمل، والمحاولة بكل جهد ولو فردي في أن تقف في وجه صهيوني غاشم ولو أن تصنع سكينا لفلسطيني ليقاوم بها الاحتلال، ستتحرر ساعة أن نريد ذلك والإرادة تولد العمل وأما غير ذلك فهي الأماني التي لا تقيم أمة ولا تعيد حق.

يوم أن نعتقد أننا أمة واحدة قضايانا، قضايانا واحدة، ضحكتنا واحدة وألمنا واحد، فلن يصهل مصري على فلسطيني، بل يقومان ضد عدو واحد، مختلف الاعتقاد منحرف الفكر.

يوم أن نعتقد أن القرآن كتاب منهج يضبط الحياة العامة والسياسية والاقتصادية والدينية لا كما نعتقد أنه كتاب تاريخ وعلوم يحكي قصصا وتطورات علمية، وإن كان فيه ذلك فلا يعني أنه كذلك.

يوم أن نهتم بالتعليم والاقتصاد، يوم أن نبني معهد كاويزمان والتنخنيون.

يوم أن نربط بين الدين والدنيا، ساعتها وساعتها فقط سيكون لنا اليد العليا، لن نعيد القدس فقط، بل خلافة ماتت وأندلس سلبت، وأمم تئن من علمانية قتلتها وتريد رحمة الإسلام التي افتقدتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأقصي, فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد