في القرون الوسطى، تبوأت الكنيسة الكاثوليكية مقعد الرب في السماء، ولبست رداء الحَكَم في التوبة والتكفير، حتى إن رجال الكنيسة في هذه الأزمنة الغابرة، كانت تعتبر لديهم الأوبئة مثل الطاعون والكوليرا والجدري، إرادة إلهية لا يمكن مواجهتها، ولذلك لما اكتشف دواء التطعيم ضد هذه الأمراض لقي معارضة شديدة من قبل الكنيسة، وكان أن ألقت جماعة نصرانية قنبلة في منزل الطبيب «بولستون» الذي كان مركزه يقوم بتطعيم مرضى الجدري. وظلت الكنيسة تعارض أي بحث علمي لا يتماشى مع المبادئ المسيحية، ومنها التشريح الذي اعتبرته تشويهًا لجثث ستبعث بعد البعث في صور مشوهة.

وكذلك كان لرجال الدين الذين دخلوا على خط الإقطاع وتملكوا الإقطاعيات الكبيرة دور كبير وخطير في تخدير مشاعر الفلاحين المستعبدين والمظلومين والمقهورين عند الإقطاعيين، وامتصاص نقمتهم وإجهاض رغبتهم في الثورة والتمرد على ذلك الظلم، بكذبة: أن لهم – الفقراء- الجنة وملكوت السماء.

ناهيك عن موجات التكفير لكل المخالفين للعقيدة الكاثوليكية من أرثوذوكس وغيرهم من العقائد الأخرى كاليهودية والإسلام، حتى وصل الأمر لتكفير الأدباء والمثقفين والعلماء مثل وكليف وكوبرنيق وجيرانو برونو، وبالطبع أشهرهم جاليليو الذي اخترع تلسكوبًا عملاقًا وهو في سن السبعين اكتشف بعده أن الأرض تدور، فاتهمته الكنيسة بالهرطقة وأجبرته على الاعتراف علنًا أمام الناس بأنه مخطئ في تفسيراته بسبب كبر سنه؛ لأن الكنيسة كانت تعتقد أنه بيدها مفاتيح التوبة والتكفير.

اليوم، نجد البعض يطالب الأزهر بالعودة إلى القرون الوسطى وتقمص دور الكنيسة الكاثوليكية في امتلاك صكوك الغفران والتكفير، ونسوا أن القلوب جميعًا بيد الخالق عز وجل يقلبها كيفما يشاء، فنجد الكافر قد آمن، ونجد المؤمن وقد كفر، وكل هذا بعلم الله وقدرته ولا يد لبشر في تقليب قلوب بشر آخرين؛ فالكفر حكم شرعي، وكما أنه يوجد إيمانٌ كذلك يوجد كفر، والكافر من كفره الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم- فليس الكفر حقًا لأحد من الناس، بل هو حق الله تعالى، والذي يحكم ويتولى الحكم بالكفر ولوازمه على الأعيان من الأفراد والفرق والهيئات والدول هم العلماء الراسخون الذين بيدهم القضاء؛ لأن الكفر حكم قضائي لما يترتب عليه من أحكام وحدود.

وما أسهل وأبسط من أن تضع رجلاً على رجل وتصدر صكوك «التكفير» بحق هذا أو ذاك أو هؤلاء أو أولئك، فالأمر لا يتطلب أكثر من أن تنطق بكلمة الكفر والباقي اتركه على الجهلاء!

وأنا بطبيعتي لا أؤمن بنظرية المؤامرة، ولكن هذه الطبيعة تغيرت وبدأت أُؤمن بأشياء لم أكن أعيرها اهتمامًا وأعتبر التفكير فيها هراء وتضييعًا للوقت، فقد اكتشفت أن المؤامرات جزء لا يتجزأ من الحياة السياسية في كل البلدان، وأن هناك متخصصين كل همهم إضعاف الآخر وتهميش المخالف وفتح الثغرات في جبهات الأعداء سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وهي حقيقة دائمة ومستمرة ولن تنتهي، واليوم أصدق وبشدة المؤامرة المنصوبة على الأزهر الشريف لإضعافه لصالح قوى الشر التي تقتل باسم الدين، والعبرة دائمًا بالمصالح التي سيحقق منها هؤلاء فائدة عظيمة إذا سقطت قلعة الوسطية والاعتدال.

وإذا كان التعليم في الأزهر الشريف يقوم على التعددية والحوار على عكس البلاد الأخرى التي لا تعرف إلا المذهب الواحد والرأي الواحد، فالأزهر يعتمد في منهجه على تعليم المذاهب الأربعة، بل تعليم المذهب الخامس ألا وهو المذهب الجعفري الاثنا عشري، وليس مذهبًا واحدًا كما هو الحال في كثير من الأقطار العربية والإسلامية.

ولم نسمع يومًا أن الأزهر تعصب لمذهب دون مذهب أو إلى إمام دون آخر، ومن هنا جاءت وسطية الأزهر التي اعتمدت عليها كل أقطار الدنيا في إرسال أبنائهم لكي يتعلموا المذهب الوسطي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد