لا شك في أن أعداد المسلمين والمهتمين بالإسلام والدراسات الإسلامية خارج الدول الإسلامية في تزايد مستمر، وهو مظهر جلي في أوروبا وأمريكا الشمالية بصفة خاصة. ومع هذه الزيادة المعتبرة في عدد المسلمين والمهتمين بالإسلام ديانًة وحضارًة تتضاعف أعداد المساجد والمدارس الإسلامية، وتتضاعف كذلك أعداد البرامج الدراسية الإسلامية في كثير من الجامعات الأوروبية والأمريكية على وجه التحديد.
فإذا كان الأزهر واحدًا من أعرق جوامع وجامعات العالم، فلماذا لم يُنشأ للأزهر الشريف فرع واحد خارج مصر، وهل لهذا تداعيات سيئة؟
لا شك كذلك في أن جامعة الأزهر تخرّج فيها عدد كبير من الطلاب المسلمين غير المصريين (خاصة من شرق وجنوب شرق آسيا)، وأن الجامعة العريقة كانت ولا زالت منارة للإسلام الوسطي وحصنًا منيعًا للزود عن المقدسات الإسلامية، لكني كمصري ومسلم فخور بالجامعة وتاريخها وتراثها وأئمتها وخريجيها عزَّ على وأنا طالب دكتوراه ببريطانيا (بين 2012 و2017) أن أجد عددًا كبيرًا من البرامج الدراسية الإسلامية في الجامعات البريطانية، يكون بينها برنامج واحد لجامعة الأزهر، ناهيك عن وجود جامعة كاملة تحمل نفس اسم الجامعة العريقة. وفي الحقيقة، لم أتخيل أنه لا يوجد فرع واحد لجامعة الأزهر في أوروبا على الأقل فرحت أبحث عن أي فرع أو برنامج دراسي أزهري في أية دولة في العالم ولكن دون جدوى.
ومنذ عامين (أي في 2017)، ادعت إحدى الجامعات الهندية بأنها فرع من فروع جامعة الأزهر في الهند واستبشر مسلمون كثر (وأنا منهم) بهذا الأمر، بل وربما ظن بعضهم (وبعض الظن ليس إثمًا) أن الأزهر قرر أخيرًا أن يضطلع بدوره في نشر رسالة الإسلام السمحة الوسطية خارج محضنه بمصر كما فعل بالمحروسة على مدار مئات الأعوام، لكن جامعة الأزهر سارعت بنفي الخبر وأوضحت أنه لا توجد فروع لجامعة الأزهر خارج مصر على الإطلاق، وأنها ستسعى لمقاضاة الجامعة الهندية المدعية. لكن هل دفع هذا الحدث جامعة الأزهر العريقة للتفكير في إنشاء أي فرع لها خارج مصر، خاصة في أوروبا؟ حتى الآن، لا توجد أية أخبار في هذا الصدد، ولا أظن أنه ستوجد في المستقبل القريب.
ولكن، إن أردنا حلًا سريعًا وناجعًا فعلى جامعة الأزهر أن تسارع بإنشاء مجموعة من الفروع لها في بعض العواصم الأوروبية، ويكفي أن تقتصر هذه الفروع على الدراسات الإسلامية باللغات العربية والأوروبية، ولدى جامعة الأزهر كثير من المتخصصين في الدراسات الإسلامية ممن يجيدون لغات أجنية متعددة ويمكن الاعتماد عليهم في هذا الصدد. وإن تعذر إنشاء فروع كاملة المرافق لجامعة الأزهر لأسباب مادية، فتكفي البداية بإنشاء برامج دراسية إسلامية أزهرية مرفقة بالجامعات الأوروبية إن تيسر الاتفاق بينها وبين جامعة الأزهر. وإن تعذر الحل الأخير كذلك، فسفارات مصر منتشرة في كل عواصم العالم ومساحات بعضها، خاصة في الدول الأوروبية، شاسعة وإمكاناتها المادية هائلة إن أُحسن استخدامها وتنظيمها، وتصلح – بالطبع – لأن تكون مقرات لجامعة الأزهر. يعني هذا أن الحلول متوفرة ولا تبقى غير الإرادة واتخاذ القرار، فهل نحن فاعلون؟
وإذا كانت جامعة الأزهر غائبة على مستوى الدراسات الإسلامية الأكاديمية خارج مصر، فماذا عن ممارسة الشعائر الإسلامية في الدول غير المسلمة؟ هل يغيب دور الأزهر كذلك في هذا الصدد؟

إننا نشكو ليلًا ونهارًا من سيطرة مسلمين متشددين على الشعائر الإسلامية في الدول الأوروبية على وجه الخصوص، فماذا فعل الأزهر – الجامع لا الجامعة هذه المرة؟ لقد رأيت بعيني في عدة مدن إنجليزية طوائف إسلامية لا تتبنى الوسطية منهاجًا وقد فرضت سيطرتها على كل الشعائر ببعض المساجد التي تدفع لبنائها وإداراتها الغالي والنفيس، وقد اعتمدت على العزلة عن المجتمع فراحت تكفر الطوائف الإسلامية الأخرى قبل أن تكفر غير المسلمين وتحرم التعامل معهم فباتت في عزلة جزئية وأشاعت صورة نمطية سيئة لكل ما هو إسلامي.

وشخصيًا كنت أبذل مجهودًا كبيرًا لتصحيح هذه الصورة المغلوطة عن الإسلام والمسلمين – دون إندماج كامل مع الثقافة الإنجليزية، خاصة فيما يحرمه الإسلام – بإظهار التعاطف مع كبار السن على وجه الخصوص ومراعاة الجيران بشكل مبالغ فيه.

إن وجه الإسلام في أوروبا عمومًا ليس الوجه الأمثل الذي نتمنى أن يسود، فهل يمكن أن يساهم الأزهر في تحسين هذه الصورة؟ ربما يقول بعض الناس إن الأزهر يفعل ذلك بالفعل من خلال الجهود الرسمية التي يبذلها الأزهر في إرساء الحوار بين الديانات، والزيارات الرسمية لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر لبعض الدول الأوروبية والآسيوية، وإرسال قوافل إسلامية متتابعة لعدد كبير من الدول خاصة في شهر رمضان، وهذا يكفي.
ولكن للأسف الشديد، كل هذه الجهود المشكورة لا تعادل إنشاء مدارس أو مراكز أزهرية دائمة تقدم برامج دراسية كاملة أو دورات عامة عن وسطية الإسلام وفقه العبادات والمعاملات أو تأهيل فقهاء وأئمة مساجد بتربيتهم وتعليمهم المناهج الوسطية الأزهرية. أعلم أن الأزهر يفعل هذا أو جزءًا كبيرًا منه في بعض الدول الأفريقية، وأتساءل: لماذا لا يعمم الأزهر التجربة لتشمل الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية؟ وربما يسأل سائل: كيف يجد الأزهر التمويل اللازم؟ والإجابة يعرفها كل من عاش وقتًا ولو قصيرًا في أوروبا وأمريكا الشمالية حيث تكون تبرعات المسلمين المنظمة هي عماد البناء والتوسع.
وأزعم أنه لو بدأت بعض المساجد والمدارس في أوروبا وأمريكا الشمالية بتمويل من الأزهر الشريف في مصر، خاصة في المدن التي تكثر فيها أعداد المسلمين، لتسارع المسلمون في هذه الدول بتبرعاتهم لبناء وتأسيس المزيد من هذه المساجد والمدارس ثقًة منهم في الأزهر الشريف وتاريخه العريق. فهل نبدأ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأزهر
عرض التعليقات
تحميل المزيد