مقال في تاريخ الصراع المذهبي والطائفي، وجهود التقريب

جذور الخلاف السني الشيعي:

الخلاف السنّي الشيعي ممتدّ ليضرب في جذور الأمة ونشأتها الأولى، والمتتبع لتاريخ ابن كثير أو غيره ممن كتب في تاريخ الأمة وأحداثها الجسام، عرف أن الخلاف السني الشيعي ليس وليد اللحظة الراهنة بفعل سياسي أو اجتماعي، بل هو ضارب في جذور الأمة منذ القرن الأول وحتى الآن.

لكن هذا الخلاف يشتد حينا ويخفت أحيانا بالفعل السياسي، ومدى استغلال السلطات لهذا الخلاف لتأجيجه أو كبته. تماما بتمام مثل استغلال السلطة للخلاف السني المعتزلي، أو السني السني (الفقهاء والصوفية)، أو السني الإباضي.. وهكذا! لأن البحث عن ثغرات الخلاف وتكبيرها، وتضخيم آثارها من عمل السلطة الحاكمة إذا أرادت أن تلفت الجماهير عن توجهاتها. والمتتبع للتاريخ يجد نماذج كثيرة للفتنة (كما يعبّر عنها المؤرخون) بين السنّة والشيعة.

فمجلد واحد من تاريخ ابن كثير وهو المجلد السادس تجد فيه الآتي، مثل:

  •  أحداث سنة 351: وقعت فتنة عظيمة بين السنة والشيعة ببغداد – عاصمة الخلافة – وكتبت العامة من الروافض على أبواب المساجد ببغداد لعن معاوية بن أبي سفيان، ولعن من غصب فاطمة حقها – يقصدون أبا بكر الصديق -، ومن أخرج العباس من الشورى – يقصدون عمر بن الخطاب -، ومن نفى أبا ذر – يقصدون عثمان بن عفان!
  • وفيها – أي في نفس السنة الفائتة -: وقعت فتنة عظيمة بين أهل البصرة بسبب السبّ أيضًا –أي: سبّ الصحابة -، وقُتل فيها خلق كثير، وجمع غفير.
  •  وفي سنة 346: وقعت فتنة عظيمة بين السنة والشيعة في الكرخ بسبب السبّ أيضًا. وقُتل من الفريقين خلقٌ كثير.
  •  وفي سنة 345 وقعت فتنة عظيمة بين أهل أصبهان وأهل قم – إيران الآن – بسبب سبّ الصحابة من قِبل أهل قم. فثار عليهم أهل أصبهان وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا ونهبوا أموال التجار، فغضب ركن الدولة لأهل قم، لأنه كان شيعيًّا مثلهم، فصادر أهل أصبهان بأموال كثيرة.
  •  وفي سنة 340: وقعت فتنة عظيمة بسبب المذهب. أي بسبب التسنن والتشيع. (وكان معزّ الدولة بن بويه سلطان ذلك الوقت يحبّ الشيعة ويُقربهم منه، ويدنيهم من بلاطه).
    وهكذا بالتتبع نجد تكرار هذه الحوادث سنة بعد سنة، مثل: سنة 338، 321، وسنة 408 (التي مات فيها من الطرفين خلق كثير ببغداد عاصمة الخلافة). وسنة 420، 428.
  • وفي سنة 443 نشبت الحرب – بتعبير ابن كثير – بين السنة والشيعة، فقُتل من الفريقين خلقٌ كثير، لأن الشيعة نصبوا أبراجًا وكتبوا عليها بالذهب: “محمد وعليّ خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبى فقد كفر”. فأنكر أهل السنة اقتران عليّ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقامت حرب ضروس بين الفريقين من شهر صفر وحتى ربيع أول. وقام أهل السنة بحرق ضريح موسى ومحمد الجواد، وقبور كثيرة جدا، وانتشرت الفتنة وتجاوزت الحدود، وقام الشيعة بحرق المحال وبعثرة القبور. وتجددت الحرب بين الفريقين سنة 444، وانقطعت الحرب بينهما ثم تجددت سنة 445.
  • وفي سنة 482. وقعت حرب كبيرة بين الفريقين وقُتل فيها قريب من مئتي رجل في الكرخ. وقامت فتنة أخرى سنة 487 في بغداد ومات فيها ناس كثير.

    هذه الأحداث كلها وقعت متفرقة في البلاد الإسلامية وفي مدد متقاربة جدًّا. وهذه الوقائع قليل من كثير، فهي استقراء ناقص لمجلد واحد فقط من تاريخ ابن كثير.

    ولو تُتبّع هذا الخلاف السني الشيعي منذ صدر الإسلام وحتى الآن، لاكتشفنا أنّه أنهك الأمة العربية والإسلامية، وتسبب في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، وعطّل مسيرة الحضارة والرقيّ والتقدم، وفتّت أي بادرة للوحدة والاعتصام. وكُلّما هدأت عاصفة الخلاف بين الفريقين، أُثيرت بحميّة أكبر من المرة الأولى، مما يطرح تساؤلات حول استفادة قوى داخلية أو إقليمية قديمًا وحديثًا من هذا الخلاف، واستثماره في أوقات عصيبة.

هل من حلول؟!

القضية السنية الشيعية هي أعقد المشكلات التي تواجه الأمة المسلمة منذ قدوم الإسلام وحتى الآن. لأنها حربٌ باردة، واستنزاف مستمرّ بين أكبر فصيلين في الأمّة، وبين مئات الألوف من البشر. ولم يستطع أيّ طرف من الفريقين حسم النزاع لصالحه، قديمًا وحديثًا؛ فعندما حكَم الأمويون والعباسيون أذاقوا الشيعة والعلويين سوء العذاب، فاضطهدوهم وعذبوهم واعتقلوهم، ووصل الأمر في كثير من الأحايين إلى سبّ سيدنا عليّ كرم الله وجهه على منابر بني أميّة. مما وَلّد ردّة فعل عنيفة، وشعورًا بالمظلومية لدى قطاع عريض من الشيعة، بل وامتدّ الأمر ليشمل تعاطف كثير من الناس معهم، بل ومن كبار الفقهاء، كما حصل من الإمام أبي حنيفة نفسه، الذي تعاطف مع ثورة النفس الزكية ضد العباسيين وأيدها بماله وفقهه. وكذلك الإمام مالك، الذي أفتى بأنه ليس لمستكره بيعة، أي بطلان أي بيعة عُقدت بالزور أو بالإجبار. وكلاهما – أبو حنيفة ومالك – من رؤوس مذاهب أهل السنّة.

وكذلك عندما حكم الشيعة في فترات معينة من التاريخ، كالدولة الفاطمية التي حكمت مصر والمغرب العربي وامتدت إلى بلاد الحرمين في يوم من الأيام؛ لم تستطع أن تحسم الأيديولوجيا وأن تحمل الناس على منهجها العقدي والفقهي، بل استمر الناس على المذهب السني في ظلّ الحكم الفاطمي، وكذلك دولة القرامطة، وهكذا!

إذن مجرد التفكير في حسم النزاع أو القضاء على الخلاف هو أمر نظريّ بحت، لا صلة له بالواقع، سيما إذا تقرر أنّه استحال في فترات الظلام والحكم الفردي المحض، وعدم وجود مؤسسات، فكان أولى بالاستحالة في ظلّ الدول الحديثة، وسهولة التواصل، والمعرفة، والاعتناق والتمذهب.

إذن ما الذي حدث؟ الذي حدث ولا يزال يحدث هو كبت الرأي والمذهب الآخر ودفنه حيًّا للعمل تحت الأرض، لا أكثر ولا أقل، لكن يظلّ المذهب يتحين الفرصة للخروج من تحت الأرض والسيطرة على الحكم، ليفعل نفس الأفعال التي فُعلت به، وهكذا في حلقة مفرغة ميئوس منها، منذ الأمويين والعباسيين والفاطميين والقرامطة، وحتى الآن.

فالحلّ الذي لا حلّ غيره: هو وجوب التعايش السلمي بين الفريقين، السني والشيعي؛ والتعلم من الدولة الحديثة وإدارتها لشئون الأقليات العرقية والدينية في هذا الصدد، وتجريم أي إساءة إلى معتقدات الآخرين. وسنّ قوانين للمواطنة، والتعددية المذهبية والفكرية والثقافية، وصبّ الأُسس السلمية الحوارية في قوانين عامة، يخضع لها الجميع. وذلك عن طريق عقد اجتماعي يلمّ الشمل، ويفتح أبواب الحوار البناء، ويرعى ثقافة الاختلاف والتعايش مع الآخر.

دور الأزهر في التقارب السنّي الشيعي:

كان للأزهر الشريف دورٌ كبير في التقارب المذهبي بين السنّة والشيعة، وتولى علماء الأزهر كِبَر هذه المهمة الشاقة، التي تُذيب ثلوج مئات السنين من التناحر وعدم الثقة بين الطرفين.

فقد بدأ علماء الأزهر بالدعوة إلى التقريب، وهم أوّل من دعوا إليه، وكان منهم: شيخ الأزهر الشيخ عبد المجيد سليم، وشيخ الأزهر محمود شلتوت، والشيخ محمد المدني، والشيخ عبد الجليل عيسى، والشيخ محمد الغزالي. وأنشؤوا دارًا للتقريب في القاهرة في حيّ الزمالك. وفي الستينيات من القرن العشرين أصدر العلامة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر: فتوى بجواز التعبد بالمذهب الجعفري.

على أساس أنه قريب في الجانب الفقهي من مذاهب أهل السنة، إلا في أشياء قليلة، لا تُخرجه عن جواز التعبد به في الجملة، في الصيام والزكاة والحجّ والمعاملات. والشيخ شلتوت كان رأس الأزهر في ذلك الوقت، وتجاوبت معه المؤسسات الدينية الرسمية في مصر والعالم الإسلامي.

وانتشرت ثقافة التقريب، بين العلماء الأزهريين وغير الأزهريين. فالشيخ محمد الغزالي ركّز على هذا الملف حتى صار من كبار جماعة التقريب، ومن مقولاته: “والخلاف بين السنة والشيعة نرجو أن يتقلص سواده، وتنقطع أبعاده، والذي يعمل رجال التقريب بين المذاهب الإسلامية لتخليص المسلمين من عوائقه وعقابيله”. و”لقد أحسست وخزًا في فؤادي وأنا أقرأ كلمة الإسلام الشيعي، والإسلام السني، التي ترددت على لسان المستشرق المجري مرارًا، هل هناك إسلامان؟ إنه إسلام واحد، عارٍ عن هذه الأوصاف الزائدة”.

وقد تكلم الشيخ علي جمعة المفتي السابق، كلامًا محترمًا عن الشيعة، ووجوب التقريب بين الفريقين، وأنّ الخلافات القائمة بين الفريقين هي فرعية وليست في أصول الدين وثوابته، ولا تؤثر في العقائد شيئًا.

وقد تكلم الشيخ أسامة الأزهري عن جواز التعبد بالمذهب الإمامي الجعفري في كتابه: “مشكاة الأصوليين والفقهاء”، وحرر المسألة ونقل أقوالا مهمة عن علماء الأمة السابقين.

وقد صدر منذ سنوات كتاب: “إجماع المسلمين على احترام مذاهب الدين”، وفحواه جمع كلمة المسلمين، على مذاهبهم الفقهية الثمانية، ومنها المذهب الإمامي الشيعي. وقام عشرات من علماء الأزهر بتوقيع الكتاب والموافقة على مادته، علاوة على مئات علماء السنة من مصر وخارج مصر، وقعوا الكتاب وأقروا ما فيه.

وصنيع علماء الأزهر موافق لتراث السنّة المعتدل، فالبخاري ومسلم أكبر رواة الأحاديث عند أهل السنة قد رووا بعض الأحاديث عن رواةٍ شيعة، وبعض فقهاء السنة أفتوا ببعض ما أفتى به الشيعة، مثل فتوى الشيخ أحمد شاكر في الطلاق الموافقة لمذهب الشيعة، وحصلت بينه وبين آية الله كاشف الغطاء مراسلات بسبب تلك الفتوى. ولم يقل أحدٌ من علماء السنة بتكفير الشيعة أبدًا، حتى حصل المدّ السلفي الوهابيّ الذي وسّع العداوات، وكَبّر الفجوات.

فهذا هو منهج الأزهر الوسطي متمثلا في رجاله الكبار، ومشايخه العظام. وإن تأثر في بعض الأوقات بالفعل السياسي، وليس الديني.
وهذا المنهجُ هو المنهج العام للأمة كلّها، فقد وضَع بادرة التقريب وبذوره الإمام أبو حامد الغزالي الذي رفض تكفير الطوائف المسلمة لبعضها البعض، ورفض تكفير الشيعة، ودعا إلى الوحدة والاعتصام، والتمسك بالمتفق عليه، والعذر في المختلف فيه.

ولم يبدأ الأزهر في دوره التقريبي بقدوم جماعة التقريب ونشأتها فحسب، بل قبل ذلك بعشرات السنين، ردّ المفتي الشيخ بخيت المطيعي على المستشرق الفرنسي رينان في زعمه بأنّ الشيعة متأثرون بالفارسية والمجوسية وليسوا مسلمين خُلّصًا، قال المفتي: (أمّا الفرس – الإيرانيون – فمنهم سنيون وشيعيون، ولكنهم مسلمون قبل كلّ شيء. ومنهم كثير من أفاضل العلماء المجتهدين..).

وهذا الخطّ التقريبي الأزهري الوسطي هو الذي سارت عليه جماعة التقريب فيما بعد.

دول النجف وقم في التقارب والحوار:

هناك بطبيعة الحال جناح متشدد في النجف وقم ضد السنة، وضد الحوار، يقابل الجناح السلفيّ عند السنة. ولا يمكن السيطرة عليه هناك، لأنّ النجف ليست مؤسسة واحدة تبسط سلطانها على علمائها، بل مجموعة حوزات ومجموعة مدارس مستقلة ماليًا وعلميًا.

لكن بعد الثورة الإيرانية بدأ بروز طائفة من العلماء بدعم إعلامي ومالي وعلمي إيراني، تدعو للحوار، والتقارب. وبدأت بعض الفتاوى التي تبرز في هذا الصدد مثل: فتوى الإمام الخميني سنة 1979م بجواز الصلاة خلف السني. والوقوف في عرفة والمزدلفة وفق ما يفعله أهل السنة، منعا لتشتت المسلمين. وهذه فتوى جريئة ومؤثرة لأن الفقه التقليدي الشيعي يُبطل الصلاة خلف السنّي.

وكذلك فإن الكتب الدراسية للطلبة في المدارس تضمنت قسطًا كبيرًا من التقارب والحوار، حيث وصفت تلك الكتب الخلفاء الراشدين بالعبارات الحسنة، وترحمت عليهم، وأبرزت جهودهم في خدمة الإسلام. في حين أن تلك الكتب والمقررات قبل الثورة الإيرانية كانت تتعمد إثارة الخلافات والعصبية بين الجانبين السني والشيعي.

وقد أعاد الخميني صلاة الجمعة إلى المساجد بعد توقف كبير، لأن الفقه التقليدي الشيعي يعطل صلاة الجمعة حتى ظهور الإمام الغائب، وقد رفض الإمام الخوئي – النجف – هذه الفتوى، واستمر على الفقه التقليدي، إلاّ أنه وبعد مرور الزمن، وتشرب الصدمة الأولى للفتوى، قام بعض فقهاء النجف والعراق بإعادة صلاة الجمعة متأثرين بالتجديد الذي قام به الخميني والذي يعدّ تقاربًا كبيرًا مع الفقه السني! ووصل الأمر الآن في النجف إلى النضج التام، في تلك المسألة وغيرها، خاصة بعد دراسة عدد كبير من النجفيين والعراقيين عموما في إيران، وتأثرهم بمدارس التقريب هناك. فصارت النجف قلعة من قلاع التسامح الديني، والتعددية الدينية والمذهبية.

ولا يُنسى في هذا المقام المراسلات والمناقشات العلمية المنهجية بين الشيخ أحمد شاكر المصري المعروف، وبين آية الله كاشف الغطاء، والتي نشرت في مجلة الرسالة، وعبرت عن أدب واحترام ومنهجية في تناول القضايا العلمية، وأبرزت روح الأخوة بين العلماء.

المُعوّقات، والمقترحات:

إذا كان علماء الشيعة وعلماء السنة على هذه الدرجة من الاستعداد التام للتقارب والحوار! فما هي المعوّقات إذن؟!
المعوق الرئيسي للحوار، والذي يهدم كلّ جهد في هذا الصدد؛ هو العامل السياسي ليس غير. فيتمّ خلط الديني بالسياسي في كثير من الأحايين حتى في العلاقة بين الدول، وهذا يؤجج الصراعات الطائفية، والتي رأى الجميع مآلاتها.

ويجب على العلماء والمؤسسات الدينية الاستمرار في الحوار والتقريب، والمؤتمرات العلمية، والندوات التثقيفية التي تقرب وجهات النظر، على أن تكون الخلافات فقط في الأروقة العلمية لا في الإعلام والصحف. لأنّ أصل الخلاف هو علميّ محض. وكذلك أن تكون هذه أجواء تلك الحوارات بعيدة عن الجوّ السياسي المشحون.

إنّ خلاف ألف سنة مرّت ليس بالسهل اليسير أن يتم تجاوزه في شهور أو سنين معدودة، ولكنه ليس مستحيلًا، وفي التجارب الإنسانية الحديثة خير شاهد على بناء الأمم بعيدًا عن التعصبات والقوميات والأيديولوجيات الضيقة.

وينبغي أخيرًا: أن يعرف الجميع أن التقريب ليس المراد به أن يتنازل أيّ طرف عن عقيدته حتى ولو كانت خاطئة من وجهة نظر الفريق الآخر. بل المراد به أن يتم التعاون في المشتركات فقط، ومحاولة تجنب المسائل الحساسة، وعدم طرحها إعلاميًا وشعبويًا بصورة مستفزة، تنال من مشاعر الجماهير لهذا الفريق أو ذاك. وما جعل عليكم في الدين من حرج، ولا إكراه في الدين، وكذلك جعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، والله المستعان.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد