من الأشياء التي تبعث على الخزي أن ترى مستوى الوعّاظ وأئمة المساجد دون المستوى المطلوب، فمن بين مائة خطيب لن تجد إلا واحدا أو اثنين على قدر مسؤولية الدعوة، لكن هذا يعني وبكل أسف أن الدين يصل إلى الناس بطريقة لن تثمر وعيًا ولا فهمًا وحتى لن تزكي خلقًا، وإذا كابرنا واعتبرنا أن معظم الأئمة ينجحون في توصيل الرسالة واضحة دون غبش، فإن الواقع يصفعنا على وجوهنا بألم الحقيقة التي نجهلها أو نتجاهلها. وهنا لنأخذ جانبًا واحدا مما يتناوله هؤلاء الوعّاظ وأئمة المساجد لنثبت من خلاله أنهم دون المستوى المطلوب، هذا الجانب هو قصة ميلاد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وما شاع حولها من خرافات تسمى (بالإرهاصات).

ما إن تحل علينا ذكرى المولد الشريف إلا ونسمع فوق المنابر أو في الحفلات التي تقام احتفالا بتلك الذكرى الخالدة، نسمع أن إيوان كسرى قد ارتجس وسقطت من شرفاته أربعة عشر شرفة وأن ماء بحيرة ساوة قد غاب أو قل منسوبه بعد أن غاضت وامتلأت، وأن نار المجوس التي يعبدونها من دون الله قد خمدت ولم تخمد قبل ذلك، وأنه صلى الله عليه وسلم نزل من بطن آمنة مختونا، راكعا، ساجدا، ينظر إلى السماء! أجل راكعا وساجدا وينظر إلى السماء معًا، كيف هذا! و كيف يعقل! لا أدري، ومع ذلك فإن المنابر تهتز بذكر تلك الخوارق، ويشتد الصراخ بها، وتتهافت الأسماع للتلذذ بسماعها.

فإذا ما خاطبت أحدهم بأن شيئا من تلك الإرهاصات لم يثبت، طعن في إيمانك وعقيدتك، مع أن كل ما روي في ذلك الشأن إما موضوع أو ضعيف لا يصح الاستشهاد به، يقول د. أحمد خيري العمري، في كتابه (السيرة مستمرة، تحت عنوان لم يحدث ذات مولد)، بعد أن فنّد تلك الحوادث تفنيدًا عقليًا «ولو تركنا العقل جانبا، وتحدثنا عن هذه الوقائع كلها من ناحية الأسانيد، فستكون إما موضوعة (مثل انشقاق إيوان كسرى وخمود نار المجوس وبحيرة ساوة، وهواتف الجان وارتكاس الأصنام…) أو تكون ضعيفة (مثل ولادته مختونًا أو ختنهِ من قبل جبريل، أو أنه ناغى القمر وهو في المهد، أو ولادته ساجدًا)».

كما أن تلك الأحداث فوق عدم ثبوتها من ناحية السند فهي أيضًا مناقضة لمنطق القرآن الكريم.

وهنا تأتي سورة الإسراء وتحدثنا عن شيء يعين على فهم الصورة بشكل أدق، وبصورة أعمق، تحدد لنا منهج القرآن في التعامل مع مطالب مشركي مكة، والذين طلبوا من رسول الله عدة خوارق كي يؤمنوا به ويصدقوه، فلننظر كيف أجابهم القرآن حول تلك المطالب.

قال الله تعالى: «وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا* أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً* أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرأه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً* وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً* قُل لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولاً* قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} (90ـ96).

تفجير ينابيع، وجنات من نخيل وأعناب، وإسقاط العذاب من السماء عليهم، والإتيان بالله وملائكته الكرام في جمعٍ واحد، والعروج إلى السماء والإتيان بكتاب منها. الملاحظ هنا أن كل مطالبهم -حتى يؤمنوا- كانت خوارق عادات ومعجزات وصلت إلى حد الإتيان بالله وملائكته أمام أعينهم، لكن هل أجابهم الله تعالى إلى تلك الخوارق؟ كلا لم يجبهم في مطلب واحد من تلك الخوارق، لا كِسَفَ ولا عروج إلى السماء، ولا شيء من ذلك أو غيره مطلقا، والأمر لم يكن مختزلا في تلك المطالب فقط، بل كانت لهم مطالب أخرى ذُكر بعضها في سورة الفرقان، وفي سور أخرى، إلا أن إجابة تلك المطالب لم يتحقق منها شيء هي الأخرى.

كلها قوبلت بالرفض، وكلها قوبلت بالمناقشة والمحاورة لكن شيئًا من تلك الخوارق لم يتحقق، لأن مطلبًا واحدًا من تلك المطالب لو تحقق ووقع ثم رفضه أهل مكة بعد وقوعه لحق عليهم عذاب الله فور رفضهم، ولجرت عليهم سنة التكذيب بالآيات والخوارق وهي الهلاك، وهنا توضح لنا سورة الإسراء سبب عدم إجابتهم في تحقيق الخوارق ووقوعها، قال الله تعالى «وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا».

وفي تفسير قوله «وما نرسل بالآيات إلا تخويفا» من تلك الآية يقول الطاهر بن عاشور «وتلك مكرمة للنبي فلو أرسل الله لهم الآيات كما سألوا مع أن جبلتهم العناد لأصروا على الكفر فحقت عليهم سنة الله التي قد خلت في عباده وهي الاستئصال عقب تنزيل الآيات، لأن إظهار الآيات تخويف من العذاب والله أراد الإبقاء على هذه الأمة، قال تعالى (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) فعوضنا تخويفهم بدلا عن إرسال الآيات التي اقترحوه» (التحرير والتنوير).

فإذا ثبتت تلك القضية وثبت أن الله منع تحقق تلك الخوارق خشية الاستئصال ونزول العذاب، وكان ذلك في معرض تبليغه صلى الله عليه وسلم للدعوة واشتباكه مع مشركي مكة، ولا شك أنه في تلك الحال كان أحوج ما يكون لإثبات صدقه لتلك الخوارق، فإذا لم يحدث هذا وثبت عدم حدوثه، فما الداعي لأن تقع خوارق وإرهاصات تمهد لنبوة سيدنا محمد يوم ولادته وهو لم يبعث يومئذ؟!

هل ارتجاس إيوان كسرى، وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته، وخمود نار المجوس، ونزوله من بطن أمه ساجدًا ومختونًا، هل كل تلك الخوارق كانت لتحمل أهل مكة على الإيمان والتصديق مع أنه لم يبعث وقتئذ؟ وهل من الأليق أن تحدث تلك الخوارق يوم مولده، أم الأليق أن تحدث حين البعثة؟ إن الأليق في ذلك أن تحدث حين البعثة لا حين الميلاد، لأن ذلك أدعى لإثبات نبوته ، أما عند الميلاد فلا حاجة لوقوع تلك الخوارق إذ كيف يثبت الله نبوة سيدنا محمد وهو لم يبعث حينئذ؟!

وإذا ثبت أن وقت حدوث تلك الخوارق كان أليق حين البعثة دون الميلاد، لم كانت الاستماتة في ذكرها كلما وافتنا ذكر المولد الشريف؟! الأمر في ذلك واضح وهو أن العاطفة أكثر تأثيرًا على النفوس من العقول، فكيف للعواطف الجامحة أن ترى يوم المولد يوما عاديًا، أليس هذا نبينا وحبيبنا محمد الذي جاء بزوال عروش الظالمين، والذي جاء ليُعبِّدَ الناس لله تعالى، كيف أن يكون يوم قدومه إلى الدنيا يومًا هادئًا، لا بد أن يزعج كسرى في إيوان قصره، ولا بد أن تخمد نيران الوثنية فلا تعبد بعد اليوم!

يقول محمد الغزالي في كتابه (فقه السيرة) بعد أن ذكر بعض تلك الخوارق «وهذا الكلام تعبير غلط عن فكرة صحيحة، فإن ميلاد محمد كان حقًا إيذانًا بزوال الظلم واندثار عهده واندكاك معالمه..» ويضيف الغزالي «فلما أحبَّ الناس تصوير هذه الحقيقة تخيلوا لها هذه الإرهاصات، وأحدثوا لها الروايات الواهية، ومحمد غني عن هذا كله فإن نصيبه الضخم من الواقع المشرِّف يزهدنا في هذه الروايات وأشباهها».

هذه المبررات العاطفية الساذجة هي التي يتعلق بها هؤلاء الوعّاظ، والتي ضررها أكثر من نفعها -بل ليس لها أية منافع- لأنه إذا كان مجرد ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم يوم هلاك الظالمين وإسقاط الوثنية من هذا العالم، فماذا بقي له من أعمال الرسالة حين يبعث؟! إن خطر العواطف على الدين هو ما جعل الناس يؤمنون بالخرافة ويعتبرونها دينًا، وللأسف الشديد فإن أكبر معين على انتشار الخرافة كان ولا يزال منبعه علماء وأئمة مساجد جهدهم العلمي نادر ونصيبهم من الفقه والفهم أندر.

ومن المفروض أن تكون العقول حاضرة في اختيار مادة الحديث عن تلك الذكرى -بل لا بد أن تكون حاضرة على الدوام في كل حديث يمس الدين- ومن المفروض أن الدقة والتمحيص في اختيار ما صح من روايات يستشهد بها الخطيب حاضرة في تجميع مادته، ولكن عكس هذا ما يحدث، فلا عقول حاضرة، ولا دقة في الاستشهاد ولا تمحيص للروايات، إذ الأمر أعظم مما نتصور، فإن الأسلوب العلمي لجمع المعلومات لا وجود له، الأسلوب العلمي الذي هو ركن أصيل للباحث في أمور الدين -وفي غيرها- غائب عند هؤلاء، فالمعلومات الجاهزة هي ملاذهم، ومعلومات الشيخ (جوجل) -إن جاز لنا التعبير- هي سبيلهم، وهي المصدر الأول والأخير للخطب والكلام في دين الله فوق المنابر وفي أروقة الأمسيات والحفلات الدين.

ولكن على من يقع اللوم والعتاب في هذا الضعف العلمي عند الوعّاظ؟ إن المؤسسة الوحيدة التي تخرّج لنا هذا الكم الهائل من الوّعاظ كل عام هي الأزهر الشريف، والأزهر له تاريخ عريق في الإصلاح والدفاع عن الإسلام، ومع هذا فإن الأزهر يتحمل النصيب الأكبر من هذا القصور العلمي عند أبنائه، فإنّ التدريب على مهارات وأساليب البحث العلمي تكاد تكون قاصرة على أصحاب الدراسات العليا، ولذلك فإن خريجي الكليات والجامعات الذين يعينون في وزارة الأوقاف من الوعّاظ دون المستوى المطلوب، لأنهم لم يتدربوا على شيء من أساليب البحث العلمي، هذا وإن بدا أنهم معذرون إلا أن عليهم أن يدركوا جلالة مهمة الدعوة إلى الله، فإن عليهم من اللوم ما يماثل المؤسسة التي تعلموا فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد