يتوافق عنوان هذا المقال مع اسم عمل أدبي للكاتب إبراهيم نصر الله، هزائم المنتصرين.

ربّما يكون المحتوى بعيد بعض الشيء عمّا نحن بصدد الحديث عنه، فهو رؤية ناقدة لبعض الأعمال السينمائية، إلا أنه يشترك معنا في نقطة ما، وهي الكشف عن خبايا بعض الشخصيات المنهزمة، التي تبحث في نهاية الأمر عن نصرٍ خاص، أو الشخصيات المنتصرة، التي تحمل في قرارة نفسها هزائم عدّة!

في تعاملنا مع أنفسنا، نتجنب دائمًا مواطن الضعف، نتجنب كل ما يجبرنا على المواجهة الحقيقة،على رؤية أنفسنا بعينٍ بصيرة كما لم نرها من قبل، ويكأننا لم نكن أنفسنا يومًا، وعينا ذلك أم تغافلنا عنه، لكننا عقب كل انتصار، نقف لحظة لنردد: أهذا بحق ما نريده؟ ولأجل هذا قطعنا كل هذه الطرقات؟

وفي حقيقة الأمر، تمر هذه اللحظة بسرعة غير عادية، حتى أنّه لا يستطيع المرء في أحيان عديدة أن يدركها، أو دعنا نقل: لا يستطيع أن يغتنمها، فينشغل بظاهر الأمر عن باطنه، وعن المعارك الكبرى بأخرى سطحية، لا تسمن ولا تغني من جوع.

إن الانتصارات الحقيقية تبدأ في لحظة تبدو كما لو أنها الأسوأ على الإطلاق، تستطيع فيها أن تجبر نفسك على الانقياد لك، رغم الألم والخوف، والشتات، وكل معنى سيء قد تحمله في قلبك، تُرى كيف كان يشعر عبد الرحمن بن معاوية، حال خروجه من وطنه، وحيدًا، مهزومًا في نفسه قبل أي شيء، يُنشد:

أيها الراكب الميم أرضي  .. أقر من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرضٍ .. وفؤادي ومالكيه بأرض
قدر البين بيننا فافترقنا .. فطوى البين عن جفوني غمضي
قد قضى الله بالفراق علينا .. فعسى باجتماعنا سوف يقضي

كيف تمكّن أن يحوّل تلك الهزيمة ( النفسية على الأقل ) إلى نصر، بإعادة تأسيس الدولة الأموية بالأندلس؟

بالطبع لا نريد تناول حياة عبد الرحمن الداخل تاريخيًا، ولكن يمكننا النظر إليه من ناحية نفسية فقط، تحوّله من قمة الهزيمة إلى النصر، يخبرنا بأنه ثمة أمل يلوح في الأفق، وأن الأشياء ليست كما تبدو.

بأننا نستطيع فعلها، فقط بقليلٍ من إيمان، وصدق مع النفس، وإجابة واضحة على سؤال: من أنا، وما هي الغاية؟
ومن ثم السير برويّة نحو هذه الغاية، بثقةٍ وعزم لا يخور، بفهم حقيقي للذات، وإيمان بنفسك نابع من إيمانك ومعرفتك بالله.. لا تلتفت.

ولا قابلية لديك للانهزام.

«خطوات صغيرة، لكنها أكيدة المفعول» المبدأ الذي يتبعه الغرب دائمًا في غزوه، لم لا نتعبه في سيرنا؟

وبنفس منهجية نظريّة الفوضى، لا تتعجل الثمار، ولا تأخذ الأمور بسطحية، وما دمت تعطي لكل خطوة، لكل مواجهة حقها، فأنت على الطريق لا محالة.

تمكّن من دواخلك أولًا، ورسخ المعاني في نفسك، ومن ثم انطلق، بلا استعداد أو أي قابلية للهزيمة.

ربما تتعب، لا بأس في ذلك، العظماء جميعًا يتعبون، لكن الفارق ها هُنا أنهم وإن تعبوا ما وهنوا، فأصحبوا بذلك عظماء، يقول غسّان كنفاني في رسائله إلى غادة السمّان: «يبدو أن هناك رجالًا، لا يمكن قتلهم، إلا من الداخل».

وإذا أردنا إسقاط الأمر على حديثنا، فيكون مآله:  لا يمكن هزيمتهم داخليًّا، لا يمكن التمكن من نفوسهم، أو إقصاؤهم عن معاركهم الحقيقية، ومواجهتها، آخذين الحياة بقوّة، لا يثني عزيمتهم شيء.

ولأنه طريقٌ شاق، والحرب تتطلب جيشًا، بالطبع ستحتاج إلى رفقة تعينك، وإلى صُحبة تشد على يدك في المعركة التي أزمعت على خوضها، لكنّك لا بد أن تخرج إلى الجبهة أولًا، جبهتك أنت، البداية ستكون في قلبك، والصُحبة ستأتي في الطريق

نزل عبد الرحمن بن معاوية على ساحل الأندلس بمفرده، واستقبله هناك مولاه بدر، ثم انطلق معه إلى قرطبة،وفيها بدأ في التأسيس لدولته، والمراسلات لتوطيد دعائم ملكه، وإعداد جيش قوي يحمل المملكة، ولكن، كيف كان للأمر أن يحدث دون أن يقرّر عبد الرحمن أن يخرج، وحده، يبحث عن نصره الخاص، تحرّكه الفكرة، ويدفعه الإيمان؟

فالله الله في قلوب الفرسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عن عبد الرحمن الداخل
عرض التعليقات
تحميل المزيد