«مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا»، إنه من هؤلاء المؤمنين الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، إنه من ذكره رسول الله فى دعائه وهو يقول: «اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين»،فأعزه الله بالإسلام، وأعز الله الإسلام به، إنه الفاروق الذي سعى دومًا لنشر العدل والحق، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه».

إسلامه رضي الله عنه

ولما كان لنا في أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، أسوةً وقدوةً حسنة، كان لزامًا علينا أن ندرك سيرة عمر ونفهمها، ليكون قدوتنا في عدله ورحمته.
هو عمر الذي هداه الله للإسلام وأعزه به، فذات يومٍ سن سيفه وخرج من داره قاصدًا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليقتله، قابله نعيم بن عبدالله، وسأله أين تريد يا عمر؟ فرد عليه أريد محمدًا هذا الصابي الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم والله لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدًا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ فإن ابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة قد أسلما، فانطلق مسرعًا إليهما، فوجد خباب بن الأرت يجلس معهما يعلمهما القرآن، فضرب سعيدًا، ثم ضرب فاطمة ضربةً قويةً شقت وجهها، فسقطت منها صحيفة كانت تحملها، وحين أراد عمر قراءة ما فيها أبت أخته أن يحملها إلا أن يتوضأ، فتوضأ عمر وقرأ الصحيفة وإذا فيها «طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)»، فاهتز عمر وقال «ما هذا بكلام بشر»، ثم خرج متوجهًا إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، حيث كان يجتمع النبي وأصحابه فأسلم هناك.

عدله ورحمته رضي الله عنه

كان لا يخاف في الحق لومة لائم، فكان لا ينطق إلا بالحق، وقلبه معلق بالعدل، وله العديد من المواقف التي تبين مدى عدله ورحمته وسعيه للحق، ومن أبرزها:
1- ذات يومٍ وبينما هو يمشي ليلًا مع غلامه يتفقد أمور الرعية، وينظر ويلبي حاجات الضعفاء والمساكين، رأى امرأةً وقد أشعلت نارًا في خارج المدينة ومعها قدر فيه ماء، وأبناؤها يبكون، فذهب إليها وسألها، ماذا تصنعين؟ فقالت إني امرأةٌ انقطع بي السبيل، وأطفالي جياع وليس عندي ما يطعمهم، فقال لها ليس عندك بيتٌ ولا طعام؟ فقالت ليس عندي فأنا امرأة عابرة سبيل، ثم قالت والله لإن بعثني الله يوم القيامة لأخاصمن عمر بن الخطاب، فقال لها عمر يا أمة الله وما أدرى أمير المؤمنين عنكِ؟ قالت يتولى أمر المؤمنين ولا يدرى عني، والله لأخاصمنه عند الله، فإذا بعمر يأخذ خادمه، ويذهبان لبيت مال المسلمين، ويطلب عمر من خادمه أن يحمل عليه كيس الطحين، فيرد الخادم ويقول أحمله أنا عنك يا أمير المؤمنين، فيقول لا، فيقول الخادم أحمله عنك، فيجيبه عمر قائلًا «أتحمل عنى وزري يوم القيامة؟»، فسكت ثم ذهبا معًا إلى المرأة، وعجن معها سيدنا عمر العجين، ثم ذهب بعيدًا يشاهدها وهي تطعم صغارها، ثم سأله خادمه أنذهب يا أمير المؤمنين؟ فرد قائلًا لا، ثم بكى وهو يقول والله لا أذهب لبيتي حتى أراهم يشبعون كما رأيتهم جائعين.

إنه من يدرك معنى الحق والعدل ومعنى الإمارة، ويعي أن مسؤولية تولي شئون المسلمين وتدبير أمورهم أمرٌ عظيم وكبير عند الله، وأن التفريط في حق من حقوق المحكومين أمر لو يعلم الحاكمون عظيم.

 ولم يقتصر تطبيقه للعدل بين المسلمين فحسب، بل شمل ذلك كل من عاش في ظل الدولة الإسلامية، فذات يوم أتاه رجل قبطي من مصر، يشكو إليه ضرب أحد أبناء عمرو بن العاص لابنه عندما كان يستبقا على ظهر الخيل، ولما تبين لعمر صحة كلامه، كتب لعمرو بن العاص أن يحضر للمدينة برفقة ابنه، فلما حضر، ناول عمر الغلام القبطي سوطًا وأمره أن يقتص لنفسه من ابن عمرو بن العاص، ففعل الصبى واقتص لنفسه.
وذات يوم اختصم إليه مسلم ويهودي، فرأى عمر أن اليهودي على حق، فقضى له، فقال له اليهودي والله لقد قضيت بالحق.

تأييد الله له

وكان رضي الله عنه مؤيدًا بالحق من رب الحق، فكان ينفر من الباطل، وكان يعيش مع القرآن بقلبه، وكان جريئًا، وكان ملهمًا محدثًا فيه فراسة، فلما كان يزور بيت رسول الله الرجال للتشاور والتساؤل، قال لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذات يوم، يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، وهذا لبعد نظره وغيرته على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله آيات بينات تأمر أمهات المؤمنين، والمؤمنات بالحجاب، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ» [الأحزاب: 59].

وكثيرًا ما دعا الفاروق ربه قائلًا «اللهم أرنا في الخمر بيانًا شافيًا»، وهذا لما كان يراه من تغيب للعقل وضياع للفرد عن شربه للخمر، وشرب الخمر كان أمرًا عاديًّا بالنسبة للعرب قديمًا، فأنزل الله تعالى قوله: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ»، فظل يردد اللهم أرنا في الخمر بيانًا شافيًا، فأنزل الله تعالى قوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ»،ثم ظل يدعو اللهم أرنا في الخمر بيانًا شافيًا، فأنزل الله تعالى قوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ».

وهنا يتجلى التشريع الإلهي لحماية الفرد لعقله الذي ميز به وفضل به، ويحفظ للمرء صحته وعافية بدنه، وهذا التشريع الإلهى تدرج لكي لا يشق على النفوس مرةً واحدة، وبهذا الموقف تجلى تأييد الله لعمر بقوله للحق. 

 كان عمر نعم العبد، ونعم القائد والحاكم، فضلًا عن كونه نعم الصاحب لرسول الله ولأبي بكر، ضرب أروع الأمثلة في العدل وقوله للحق، وكان أيضًا رضي الله عنه مثلًا لتواضع الحاكم، فكان يرتدى ثيابًا باليةً مرقعة، وكانت لا تعنيه المظاهر، بل كانت تعنيه تطبيق العدالة والتسامح والرحمة والمساواة بين الناس، وتدبير احتياجاتهم وتلبية ما يريدون، أدرك وضرب لنا أمثلةً بأن كلًّا منا موكل بمهمةٍ ما، وكلًّا منا راعٍ، وكلنا مسؤول عن رعيته ومحاسب على ذلك، أيقن أن الله مطلع ويرانا، فلا بد من مراقبته في شتى الأمور، حتى تتزن النفوس، وتنصلح القلوب، ويعم العدل والسلام الكون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفاروق

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد