إن الفكر الإسلامي الذي لا زال يتعرض إلى هجمات متتابعة تزداد ضراوة وقسوة مع تقدم الزمن، والتي تتخذ من الحداثة والرؤى المادية منطلقا لها، أنتج في دفاعه عن ثوابت الإسلام ورؤيته العقدية تيارات متفاوتة في مشاربها وتماسكها وواقعيتها، ويمكن تشبيهها بالسفن التي تمخر البحار، والبِحار التي تحيط بالفكر الإسلامي في أيامنا عجاج متلاطمة الأمواج عميقة الغور. أما السُفن التي تجري على ظهورها، فبعضها تعبث به الأمواج وتهزها بعنف إلى أن تنقصف أضلاعها، ثم تبتلعها وتلقي بها في أعماقها. وبعضها الآخر – وهي نادرة – تمخر عباب البحر بثبات، وهي في رسوخها كالأعلام رغم هيبة الموقف وأثاره المرعبة في النفوس. ومن خلف هذه السفن العظيمة الكثير من المراكب الصغيرة التي يفترض بها في هذه الأحوال أن تبحث عن السفن الأعلام التي صُنعت بأيدي ماهرة، وتمرّست في خوض المحيطات، وشق الأمواج، ومصارعة الرياح، لتحتمي بها، وتتمسك بحبال النجاة التي تمدها إليها. ولكن عدم وضوح الرؤية وسط البحار الهائجة تدفع بعض تلك المراكب الصغيرة إلى الظن بأنها شارفت على هزيمة الأمواج العاتية والمصطخبة، وأنها حسمت المعركة، وحققت الانتصار، وقد تعتقد أنها تولّت قيادة المراكب الأخرى، وشارفت على الوصول إلى بر الأمان. وما كل ذلك إلا وهم ناشئ عن قلة الخبرة، وضعف البصيرة، ونقصان الرويّة. والحقيقة المرة أنها ما زالت في وسط المحيط تدور حول نفسها، ولم تكد تفارق مكانها.

وفي هذه المقالة – وفي مقالات قادمة – سنقف على ظهر إحدى السفن البارزة في الفكر الإسلامي، وهي سفينة الشيخ محمد الغزالي، لنلقي من على ظهرها وبمنظور قبطانها نظرة فاحصة على المراكب الأخرى السائرة في أسطول الفكر الإسلامي المعاصر.

الغزالي مفكر إسلامي

وأول ما أحب إيضاحه هو أن الغزالي مفكر إسلامي أعطى قضايا الفكر الإسلامي الأولوية الكبرى في إنتاجه العلمي، ولذا لا أتردد في عدّه من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، إذ إنه لم يدع قضية من قضاياه الكبرى التي كانت تشغل المثقفين والمفكرين في عصره إلا وطرقها، ولا ثغر يُراد إتيان الإسلام منه إلا وحاول سدّه، وأشار إلى خطورة إغفال أمره، فكتب في نقد المناهج والأفكار الوضعية التي تريد أن تحل محل الإسلام كمنهج للحياة وتشكل خطرا خارجيا مثل: الاشتراكية، والعلمانية، والليبرالية، بالإضافة إلى التنصير والتغريب وغيرها من تحديات الحضارة الغربية؛ وكتب عن قضايا وتحديات داخلية كإعادة تشكيل الذات الإسلامية، وإحياء عقيدة المسلم وخلقه وتجديد حياته، وفصّل في منهج التعامل مع القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وقضايا المرأة، والتدين المغشوش، والفهم النصوصي السطحي للإسلام، وعن الدور السلبي للمواريث والعادات التي صارت تُتخذ بديلًا عن تعاليم الدين وأحكامه، وتكلم كثيرا عن سبل النهضة وطرق الإصلاح، وعن فقدان الفاعلية والدور الريادي للأمة، وبحث في أسباب تخلف المسلمين، واهتم بقضية التعامل مع التراث، والتعليم المعاصر، والاقتصاد، والسياسة، واستبداد الحكام، والحرية، والاستعمار، والعدالة الاجتماعية، وغير ذلك. وفي نظري كل من يشتغل بالبحث في قضايا الفكر الإسلامي ويعنى بدراستها لا بد أن يقف وقفات متأنية مع أطروحات الغزالي، ويدرس بعناية الأفكار ومقترحات الحلول التي قدّمها.

خصائص فكر الغزالي

وسأذكر في هذه المقالة بعض الخصائص التي تميّز فكر هذا الرجل، والتي اخترتها بناء على تعلقها بإشكاليات الواقع الفكري المعاصر للمسلمين، وكذلك لغيابها بطريقة ملفتة للنظر عند بعض المعاصرين من المشتغلين بالفكر الإسلامي، مما يستوجب إلقاء الضوء عليها، والتأمّل في آثار فقدناها. وليس الهدف هنا هو الإحاطة بفكر الغزالي، وأي مقالة تحيط بفكر رجل أنتج نحو 60 كتابًا، وبث أفكارًا كثيرة في عشرات المحاضرات، والخطب، والدروس، والندوات، والمؤتمرات. وعليه فقد اخترت خمسًا من تلك الخصائص، ونقف في هذه المقالة مع الخاصية الأولى، وهي:

أولًا: ابتناء فكره على الكليات الشرعية

يطعن البعض في الشيخ الغزالي في سياق الكلام عن بعض القضايا الشرعية بقولهم إن الغزالي لم يكن من العلماء الذين يؤخذ عنهم في العلوم الشرعية بمعناها التقليدي، وتأتي كثير من تلك الادعاءات في إطار نقد بعض آراء الغزالي التي تخالف المألوف. والحقيقة أن الغزالي لم يكن مهتمًا بخوض المعارك الصغرى، ولم ينشغل كثيرًا بتحرير المسائل الفقهية والعقائدية التفصيلية، وله مواقف عدة وطريقة فريدة في السخرية من بعض الأسئلة التي كانت تصله من بعض العامة، حيث كان يرى أنها أهون من أن يحتدم الصراع حولها، كتلك التي تصدر عن فهم معوج للدين في نظره، مثل بعض مسائل القضاء والقدر والتخيير، وكذلك بعض القضايا الناتجة عن الاعتقاد بمذهب الجبر الذي انتشرت أفكاره بين المسلمين في عصور التخلف، فكان يشنّ على تلك الفهوم حملة شعواء موضحا مآلاتها ومكامن الخطأ فيها، وأحيانا يعرض عنها بسخرية أو طرفة قد تكون أبلغ في البيان من المناقشة والتفصيل. لكن القول بأن الشيخ لم يكن مهتما بالمعارك الصغيرة لا يعني أنه لم يكن ضليعًا في علوم الشريعة، بل الذي يطالع كتبه يدرك أن الغزالي كان له فهم عميق للإسلام وفلسفته ومقاصده، واطلاع ملفت على تاريخ الأمة وأدبها، وتاريخ التشريع الإسلامي، والخلافات بين المدارس الفقهية، والمناهج الإسلامية بمختلف توجهاتها، وله قراءاته في استكشاف الخلل الذي وقع لها، ورؤية أصيلة في كيفية إصلاحه، وله منهجه في التعامل مع القرآن والسنة، وموقف من الناسخ والمنسوخ، والقراءة والقراء، وله أحوال خاصة في التدبر، ونظرات ثاقبة في التفسير والسيرة، ورؤى متفردة في آي القرآن.ومع هذا فقد كان الغزالي ناقدًا لتضخم التراث الفقهي على حساب غيره من المجالات المهمة مثل: استكشاف سنن القرآن في الأمم والدول، والسنن الاجتماعية، وسنن النفس الإنسانية، وسنن السير في الأرض وقيام الحضارات وسقوطها، وكيفية تحقيق التفاعل مع الكون، ومن ثم تحقيق الفاعلية في الحياة ونحو ذلك.. لكن على الرغم من ذلك نجد أن الغزالي كان في كل آرائه وأفكاره مستحضرًا للكليات الأساسية للتشريع الإسلامي بشكل عجيب، وهي المبادئ الكبرى والمقاصد العالية التي تتشكل من مجموع الأحكام التفصيلية الجزئية وتنبني عليها، وهي التي استفادها جهابذة العلماء باستقراء الأحكام الشرعية في سائر الأبواب التشريعية والعقدية والأخلاقية. لذا فإن الادعاء بوجود التعارض بين هذه الكليات والأحكام التفصيلية محض وهم ناشئ عن خلل في ذهن المتكلم وتصوراته أو خطأ في منهج تقرير كلية من الكليات الشرعية. ولقد رأينا في أيامنا بعض الباحثين المرموقين ممن صاروا يضيقون بمنهج الحكم على الجزئيات بكلياتها، وهو منهج الإخلال به يأتي بالعجائب والتناقضات كما هو مشاهد في هذا الزمان، فأخذوا يطوفون حولها، ويتشهّون تعطيل العمل بها. وكذا فعلوا مع المقاصد، لكنهم لم يجرأوا على القول بإلغائها. وفي المقابل نرى أن الفكر المبني على التوفيق بين الكليات الجزئيات يكتسب رونقًا ونورًا، ويتسم بالانسجام والوضوخ، وما ذاك سوى انعكاس لجمال التناسق بين الكل والجزء، والصغير والكبير، والأصول والفروع، ووضع كل شيء في مكانه الطبيعي دون إفراط أو تفريط.
وهكذا فإن الغزالي في إعراضه عن الخوض في المسائل التفصيلية الدقيقة لم يكن باعثه في ذلك التعالي عليها أو احتقارها، لكن كانت غايته توظيف جهود الأمة وطاقاتها في إعادة إحياء الإسلام في القلوب كرسالة حية وفاعلة، وترجمة ذلك إلى حالة حضارية مشرّفة في أرض الواقع، كما سعى في منهجه هذا إلى تقليل الخلافات بين أبناء الأمة، وتحقيق وحدتها، بعدما وجد أن المعارك القائمة حول قضايا فرعية لا علاقة بالواقع العملي للمسلمين، والغرق في النظر الجزئي أنهك الأمة وفرّقها، وعطل مسيرتها، وصرفها عن غاياتها الكبرى.

أ) منهج التعامل مع القرآن الكريم في فكر الغزالي

ويمكن التمثيل لهذه المنهجية في فكر الغزالي بقضية طريقة تعاملنا مع كتاب الله تعالى، فالقرآن العظيم كتاب نور وهداية، وهذه حقيقة كلية، والسؤال المهم هو: كيف نستثمر هديهِ في سبيل إصلاح أنفسنا والنهوض بواقعنا ثم الارتقاء إلى ممارسة دورنا في هداية البشرية إلى طريق الإيمان؟ والسؤال الآخر: هل طريقة تعامل المسلمين اليوم مع القرآن الكريم تخدم هذه الغايات العظيمة؟ فهو سؤال عن انتظام الجزئيات في سياق الكليات الحاكمة في هذه القضية.لذلك نجد الغزالي ينتقد الاهتمام الكبير بالقراءة والقراء والأصوات والألحان من أجل إشباع الشغف الموسيقي، ونراه يتبرم بقراءة القرآن وكتب السنة للتبرك دون تحكيم القرآن في حياة الأفراد والمجتمعات في سبيل الإصلاح والنهوض. يقول الشيخ: «فنحن يجب ألا يغيب عن بصائرنا أبدًا: الهدف الأساسي الذي لا بد عنه وهو كتابنا.. كتابنا يكاد يضيع منا. ونقرأه موسيقى من كبار القارئين، ونسمعه بتبلد؛ لأننا نريد أن نتلاقى على تأوهات، وإعجاب بالأصوات، وانتهى الأمر.. أما أن ينطلق القرآن كتابًا محركًا للحضارات، فقد غاب عنا هذا كله، لأننا اشتغلنا بغيره وهذا ما نرفضه». [1]

ومن هنا يمكن التماس البواعث التي كانت تدفع الغزالي إلى التركيز على ربط الفقه بالواقع، والتشديد على ضرورة إعادة ترتيب سُلم الأولويات في الفكر والتنظير والعمل لدى العلماء والعاملين للإسلام، فكل ذلك كان منطلقه الحقيقة الكلية التي مفادها: أن الإسلام دين هداية للعالمين، ولا يمكن أن ينجح النجاح المنشود حتى يتم إعادة تفعيله في الحياة، وبناء النموذج العملي، واستئناف الدورة الحضارية القادرة على تجسيد قيمه والدفاع عن كيانه.

ب) منهج التعامل مع السُنة النبوية بين الاعتبارت الحديثية والمقاصد القرآنية

ومن أبرز القضايا التي يتجلى فيها منهج الغزالي في السعي للتوفيق بين الجزئيات والكليات: منهجه في التعامل مع السنة النبوية الذي عرضه في كتابه «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث». وعلى الرغم من الإعصار العنيف الذي أثاره الكتاب، والهجمات الضارية التي تعرض لها الشيخ بسببه، والاتهامات لبتي وُجهت له بالإساءة إلى السُنة بإنكاره بعض الأحاديث الصِحاح لمجرد عدم توافقها مع معاييره العقلية حسب رأيهم، إلا أن الإنصاف يفرض علينا الإقرار بأن الشيخ في منهجه المتمثل في عرض أحاديث الآحاد على مقاصد القرآن الكريم وكلياته، لم يكن مبتدعا في منهجه هذا، بل هذا ما اعتمده بعض الصحابة والسلف، ومنهم أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها في عدة أحاديث، منها حديث (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) فأنكرته لأنه يتعارض مع الآية (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، كما ردّ بعض أئمة المذاهب مثل أبو حنيفة ومالك أحاديثا صحاحا في المعاملات والعبادات إما لأنها لم تثبت عندهم، أو لأنهم رأوا فيها مخالفة لأصول لم يجوّزوا المساس بها. وقد ناقش العلماء ما ذهب إليه من سبق ذكره، ومنهم من رفضه، ومنهم من وجد تأويلات معتبرة للنصوص المُعترض عليها، لكن لم نسمع أنهم جعلوهم موضع شبهة، أو رموهم بالاتهام بمحاربة السنة والتقليل من شأنها، ونحو ذلك. كما ذكر بعض أهل العلم احتمال أن الغزالي قد يكون أسرف في رد بعض الأحاديث التي قد نجد فيها متسعًا للتأويل، وإمكانية للجمع بينها وبين نصوص أخرى قد يظهر أنها مناقضة لها. وعليه فهو خلاف في التطبيق والإجراءات الفنية وليس في المنهج، ومن الظلم اتهام الغزالي بمعاداة السنة بناء على ذلك [2]. وإن سعي الفقيه للجمع بين الفروع والأصول وإزالة شبهات التناقض بين النصوص الشرعية هو مسلك أصيل لدى علماء الإسلام الراسخين، ولا يجوز أن يكون محل نقاش.

ج) ضرورة التكامل بين دقة المعالجات الجزئية وغائية النظرة الكلية

وعلى كل فإن الانتقال من معالجة جزئيات العلوم وقضاياها التفصيلية إلى رحاب القضايا العامة التي تتعلق بمسيرة الأمة ونهضتها، وتشخيص أدوائها وأسقامها، ثم البحث عن الأدوية المناسبة لها هو شأن المفكرين. وهذا الكلام لا يعني التحقير من شأن الاشتغال بالمسائل التفصيلية والبحث فيها في العلوم المختلفة، فذلك أمر لا بد عنه في مسيرة تكوّن تلك العلوم، ولا غنى لأية أمة عن هذا المسلك، فعلى ذلك تقوم الاكتشافات والاختراعات والرؤى الكلية، ولا بد عن اتخاذ تلك المباحث التفصيلية سلمًا للوصول إلى قمة الجبل المشكّل لها لتكون الرؤيا واضحة، ثم تتحدد بعد ذلك الوجهة التي يجب أن يسير إليها ذلك العلم والغايات التي يجب أن يحققها لتصب في صالح الإنسان في نهاية الأمر. فالبحث في الكليات إذًا هو نظرة على الشيء من بعيد، وتأمل في طبيعته، ومساره، وهيئته الخارجية، وتوافقه مع محيطه، والمآلات التي يفضي إليها؛ بينما الاشتغال بالجزئيات هي نظرة قريبة جدًا في باطن الشيء، كالنظرة المجهرية في تكوينته الطبيعية، والعناصر المشكلة له، أو الاطلاع على تركيبته الذرية، وحركة الجسيمات فيه، وما أشبه ذلك. ولكن على الرغم من دقة هذه النظرة وعمقها فإنها لا توفر الخبرة الكافية لمعرفة الغاية من وجود الشيء، ووظيفته، ووسائل استعماله، وبالتالي الحكم على أهميته، والحاجة إليه والمآل الذي يؤول إليه. وهذا هو المقصود من حاكمية الكل على الجزء.
ولنا أن ندرك بعد هذا المأزق الذي وقع فيه الفكر الإسلامي بإرادته الفصل في المسائل المصيرية للأمة استنادًا على أفهام مجتزأة مبنية على نصوص وحوادث منتقاة من هنا هناك دون عرضها على المنظومة الكلية المحكمة للأحكام الشرعية، ومبادئها العامة، ومقاصدها الكبرى.

وأخيرًا فإن ربط الجزئيات بالكليات الحاكمة لها ليست ترفًا فكريًا، ولا فضيلة عِلمية تجمّل الأطروحات الفكرية، بل هي ضرورة معرفية لا يمكن الاستغناء عنها. وفي نظرة على سفينة الغزالي ندرك ثمرة هذه المنهجية في التناسق في البناء، والإتقان في الأداء، والحكمة في اختيار المعارك وتعيين الأولويات، والانسجام في عمل عناصر السفينة الداخلية والخارجية، وعدم التناقض والاضطراب، أو التخبط ومقارعة الأمواج الصغيرة. وهكذا فإن منظر تلك الحاويات على ظهر السفينة التي تحمل أفكار الغزالي وهي تشق طريقها إلى ميناء النهضة برسوخ وثبات تعود على الناظر إليها بالأمل، والعزة، وعلو الهمة، وامتلاء العين والعقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد