الحامي بين الماضي والحاضر

تقع الحامي على ساحل البحر العربي إلى الشرق من مدينة الشحر بحضرموت وتبعد عنها بـ(30 كلم) ويسكنها حوالي عشرين ألف نسمة. واختلف الباحثون عن سبب تسميتها بالحامي فهنالك من يرى تسميتها نسبة إلى (حام بن نوح) عليه السلام. الذي يعتقد أنه مر وسكن بالمكان وهنالك رأي آخر يرجع التسمية إلى كثرة الينابيع الحامية وهو الرأي الأبرز،  يمتد العمران بها قبالة الساحل من الغرب إلى الشرق حيث تتوزع مبانيه على عدة أحياء تحميها سلسلة من الهضاب من الشمال بني عليها عدة أكوات ـ نوب ـ للحراسة كان اثنان منها عند مدخل المدينة من الشرق والغرب يتوسط المدينة مركز السلطة المحلية ـ الحصن والفرضة القديمة والسوق ـ ويحيط بها من الشمال مجموعة من بساتين النخيل وحقول الحبوب والخضار التي ترويها قنوات محفورة في الأرض تستمد ماؤها من عشرين عينًا، أغلبها ذات مياه معدنية ساخنة.

يعمل سكانها في صيد الأسماك والزارعة والخدمات العامة (موظفين) والقليل في التجارة،  هذا إلى جانب الاغتراب إلى دول الجزيرة العربية (الكويت –السعودية –الإمارات) وشرق أفريقيا وكانت المهنة الرئيسية إلى قبل نصف قرن هي العمل بحارة على السفن الشراعية التجارية منذ أمد طويل يمتد لمئات السنين لم تستطع أي مدينة يمنية وحضرمية أن تضاهيها في تاريخ سكانها، وكيف استطاع هذا البحر القابع في المحيط الهندي أن يكون همزة وصل لربط أبناء هذا الجزء من المعمورة بعضها ببعض؟ وكيف استطاع أبناء الحامي لعب هذا الدور بربط سواحل أفريقيا والساحل الهندي وسواحل جاوة وساحل الخليج العربي بالساحل اليمني؟ هذا البحر الذي لم يتحدث كثيرًا عن رجال أشاوس ربطوا هذه المعمورة وتحدوا المخاطر، وعرفوا كيف يقهرون المخاطر، حتى وصلوا إلى أبعد نقطة في هذا المحيط، والحامي مدينة تتحدث عن نفسها دون الحاجة للحديث، وأما اختيار الحامي مركزًا للتراث البحري في اليمن لم يأت من فراغ، بل لمعرفة المعنيين لدورها التاريخ العريق الذي يشهد له الجميع بالريادة البحرية والمهارة العالية التي تمتع بها أبناء الحامي.

بحارة الحامي همزة وصل المحيط الهندي

لا غرابة لو قلنا ان أهالي منطقة الحامي كانوا ربابنة المحيط الهندي الذي ربطوا مدن ومناطق وسواحل المحيط ببعضها ربابنة وملاحين على درجة عالية من المهارة والقدرات الملاحية اكتسبت بالفطرة والموهبة استدلوا على معظم مدن ومناطق ساحل المحيط من شرق أفريقيا (مومباسا – نيروبي – دار السلام – زنجبار- الملاغاش – جزر القمر) حيث تمكنوا في مراحل عديدة من الوصول لأبعد نقطة معمورة في ساحل المحيط وما بعد المحيط من جاوة بإندونيسيا إلى الملايو في ماليزيا إلى مدن فطاني في تايلاند وكانتون في الصين،  حيث تمكنوا في مراحل لاحقة من الوصول لساحل أسمرا في إرتيريا وبورسعيد في مصر حتى بلغوا أطراف أوروبا مدن جنوة وباليرمو في إيطاليا.

واذا كان المؤرخون استطاعوا معرفة بعض من أسرار المحيطات والبحار إلا أن المحيط الهندي يظل أكثر المحيطات لغزًا، والذي لم يبح بالكثير من أسراره ولم يستطع المؤرخون جمع الكثير من اخباره،  لتبقى الحامي أحد أهم وأبرز مناطق الساحلية التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالبحر العربي الذي أعطته وصف العربي.

تعتبر الحامي بموقعها الساحلي اليوم هي آخر مستوطن انتقل إليه السكان وذلك في بداية القرن الثامن عشر الميلادي بعد تأسيس المسجد الجامع في حدود عام 1706م ،  وكان هذا الموقع قبل ذلك مرسى لمراكب الصيادين وأحراشًا لتجفيف الأسماك كما عرف أيضًا باعتباره مزارًا تتزود فيه السفن الشراعية العابرة بمياه الشرب وعرف كذلك باسم الظهار.

وكان الموقع السابق له في الحامي ـ المحمية ـ على شمال شرق الظهار والحامي الحالية تقع على بـعـد (3 كم) وسميت بالمحتمية نظرًا لأنها لا تشاهد من عرض البحر لاختفاء موقعها بالتلال (المقد) الشمالي الغربي و(القارة) من الشمال الشرقي وتسمى اليوم بالبلاد ـ الفوقية ـ وهي المنطقة التي شهدت المناوشات البرتغالية في القرن السادس عشر الميلادي،  وتنتشر حولها المزارع وأحراش النخيل وما زالت إلى اليوم تسقى مزارعها من عين (الروضة) وعين (الحمرا) كما إن بعض مبانيها القائمة تستخدم أحراشًا والباقي أنقاض أثرية تنشر على سطحها كسر الفخار المحلـى والبـورسـلـيـن الصـيـنـي بأنـواعـه وكذلك كسر الزجاج والذي يـعـود ـ حسب المختصين ـ إلى القرون (13-16م) وهذه المنطقة مذكورة في كثير من السجلات الغربية البحرية والمخطوطات اليمنية التي تحدثت عن الغزو البرتغالي كما وصفها المـلاح باطايع (عام 1805) في إحدى منظومتيه الإرشادية بالحامي المحتمية.

الحامي في كتب المؤرخين

ويشير المرحوم (محمد عبد القادر با مطرف) المتوفى في سنة (1985م)، في كتابه الشهداء السبعة بأن أهل الحامي انتقلوا إلى الحامي القديمة ـ البلاد الفوقية ـ من موقع (عطار) وهو اليوم أنقاض تقع شمال غرب الحامي الحالية.

أما الموقع الاستيطاني الأول والأقدم لأجـداد أهـل الحامي فيقع شمال البلاد الفوقية ويبعد عنها (2 كم) تقريبًا في الموقع المسمى بـ(شعب الليه) وهضابها وكهوفها الجبلية حيث يعتبر هذا المأوى من مستوطنات العصر البرونزي في اليمن ويؤرخ تقريبًا بين الألف (الثالثة – الثانية قبل الميلاد)،  وكل المواقع الثلاثة الأخيرة ما زالت بحاجة إلى دراسة ومسح متعمق ليتسنى التعرف على تواريخها وحياة سكانها في التاريخ القديم.

تشتهر الحامي بفرضتها ـ الميناء ـ القديمة وبأبنائها الذين مارسوا النشاط البحري وكانت في القرون الثلاث الماضية تمتاز بإنجاب مشاهير الملاحين ـ الربانية ـ كما عرف سكانها عبر تاريخهم الطويل بروح المغامرة البحرية، وكانت هذه البلدة مثار اهتمام رجال البحر من العرب كما يذكر بامطرف – الشهداء السبعة ـ حيث كان سكانها يملكون أسطولًا بحريًا تجاريًا من السفن الشراعية يقدر في القرن الماضي بأكثر من خمسين سفينة عابرة للمحيطات. وتعد سفينة (الحمّار) لصاحبها عبيد سالمين واكد من أشهر السفن في تاريخ الحامي المعاصر (1894-1961) حيث خاضت أعالي البحار وصلت إلى الهند وإندونيسيا والساحل الأفريقي (ممباسا تنجانيقا –نيروبي) بالإضافة إلى ملكيته ساعيتين تجوب الساحل اليمني وتصل إلى عدن والمكلا وجيبوتي والصومال أحيانًا كما كانت هنالك سفن أخرى يملكها تجار من أبناء الحامي من أهمها (الفوز) لمالكها عوض باصالح –(الكوكب) لمالكها أحمد عيديد بينما كانت معظم السفن التي يعمل عليها ربابنة الحامي هي لتجار من المكلا.

حيث يعتبر بحارتها وملاحيها في طليعة الملاحين اليمنيين ممارسة وانضباطًا وتمتعًا باللياقة البحرية وقد برز منهم مشاهير البحارة الربانية أمثال الشيخ سعيد سالم باطايع (ولد عام 1766م- 1838م) أعجوبة الملاحين كونه فاقد البصر منذ طفولته إلا أنه تميز واصبح أبرز ربابنة الحامي وصاحب أشهر منظومة بحرية استدل بها البحَّارة في بعد،  والملاح عوض أحمد بن عروة (1846-1914م) والملاح عمر عبيد باصالح (1864-1942م) والملاح محمد عبد الله باعباد، توفي عام 1981م.

ويشير بامطرف أيضًا بان ربانية الحامي كانوا يسيرون الخط التجاري القديم بين الشحر والهند والخليج العربي وشرق وجنوب أفريقيا.

العمارة

لقد نشأت العمارة في مدينة الحامي بخصوصيتها ومحليتها، كأي عمارة في أي بقعة من العالم، مرتبطة بظروفها البيئية والاجتماعية والاقتصادية ومعبرة عن إيمان وفكر أهلها ومبدعيها ويتميز الفن المعماري بالبساطة والمباشرة حيث لا يشوبه أي تلفيق أو سطحية كامل في هندسته كما يجب أن تكون عليه الحياة، فليس فيه افتعال أو ادعاء، بدأت الحامي حضورها باعتبارها مدينة ساحلية على البحر العربي، يشد أهلها إلى الوادي نسب وإلى البحر سبب أن الطابع الأوضح للعمارة في الحامي منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتى مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، يتمثل أساسًا في بساطة تصاميمها، واتسم الطابع العمراني للحامي بالتلاصق الحميم في مبانيها الطينية ذات الطابق الواحد والطابقين عند الميسورين والطرقات الضيقة التي تهتم بالتوجيه السليم للمباني حتى تؤمن السير في الظل واتقاء الشمس الحامية مع احترام وصون حرمة البيت وعدم كشف عالمه وخباياه لأعين المارة.

لذا جاءت الحوائط الخارجية عالية وخالية من النوافذ باستثناء جدران صالة استقبال الرجال الأمامية حيث تطل نوافذها على الطريق رابطة مجتمع روادها الرجالي بالعالم الخارجي ولا تختلف عمارة البيت في الحامي التقليدية كثيرًا عن مثيلاتها في المدن المجاورة، حيث البيت في الغالب يأخذ شكل المربع أو المستطيل في حدوده الخارجية ويحتل الحوش المنطقة الوسطى منه بينما تتوزع حوله العناصر المكملة للسكن من غرف وتوابعها، وكان البيت تقليديًا كأي بيت عربي عامرًا بعدد كبير من الإفراد ويؤوي أكثر من جيل بين جنباته، وكانت أكثر البيوت تتكون من طابق واحد في حين إن الأسر المتمكنة والغنية كانت تبني بيوتها من طابقين

ومع النهضة الحديثة التي حدثت في الآونة الأخيرة واغتراب الكثير من أبناء الحامي في دول الخليج تطور البناء وتغير معالم البناء التقليدية الطينية إلى البناء الأسمنتي المسلح وتتوسع بشوارع الإسفلت ودون هوية معمارية متجانسة وواضحة وظهرت أساليب جديدة في البناء من فلل حديثة يغلب عليها الطابع الغربي.

جيولوجيا الحامي

ترتبط المنطقة من حيث التكوين الجيولوجي بتكوين المنطقة الشرقية من اليمن ضمن منطقه الرف العربي بتكويناته الرسوبية التي تغطي الأساس الصلب للمنطقة اليمنية حيث لا يظهر هذا الأساس إلا في أعماق بعيده بسبب الرواسب، أما السطح فتغطيه التربة الطينية والصخور الرملية ذات التكوين الرسوبي، وهكذا التكوين الخارجي أتاح فرصه وجود تربه طينية صالحه للزراعة، كما تتجلى أهمية التكوين الباطني من خلال خروج المياه المعدنية في شكل ينابيع وهي في الغالب مياه ساخنة حاويه على أملاح معدنية يدل تدفقها على ارتباطها بالفوالق الباطنية ذات التأثير بتكوينات الكتلة الالتوائيه لهضبة حضرموت، ولكنها تتحول إلى مياه شبه مالحة في كثير من الأحيان لتتحلل الصخور الرسوبية القريبة من السطح في خزانات المياه الباطنية. أما السطح الخارجي للمنطقة، فهو من حيث المظهر العام جزء من السهل الساحلي الجنوبي لليمن إذ لايزيد الارتفاع عن (100) متر فوق سطح البحر ويتدرج من منطقه مجاوره للساحل لايزيد ارتفاعها عن مترين فوق سطح البحر وينتهي شمالا بتلال جبلية منخفضة لا يتجاوز ارتفاعها المائة متر.

الحامي مركز للتراث البحري

منذ اختيار مدينة الحامي في محافظة حضرموت مركزًا للتراث البحري في الجمهورية، وهي تشهد نموًا غير عادي في شتى الميادين وكافة المجالات (التربية، الصحة، الاتصالات، الطرق) وهذا دليل اهتمام واضح من الدولة لأهمية الدور التاريخي الذي لعبته المدينة ممثلة بأبنائها صانعي المجد العريق وأصحاب الدور الكبير الذي قدموه في ربط اليمن ببقية البلدان المجاورة في الساحل الأفريقي إلى مناطق جاوة وما جاورها والهند والخليج العربي. فقد قدمت الحامي العشرات من البحارة الذين شهد لهما لتاريخ بالقدرة الفائقة في التعامل مع البحر،والمهارة العالية في قيادة السفن الشراعية التي لم يضاههم أحد فيها.

واختيار الحامي مركزًا للتراث البحري لم يأت من فراغ، فالمدينة اليوم تشهد اهتمامًا من نوع آخر. وهو استغلالها منتجعًا سياحيًا فريدًا باعتبارها أحد أهم المدن التي تنتشر فيها العيون الكبريتية، التي يزورها الكثير للعلاج على مستوى الجمهورية والجزيرة العربية، وهي بالفعل قد صارت من أهم المصايف في ساحل حضرموت، وقد تتحول في يوم ما إلى منتجع عالمي يفوق أشهر منتجعات الشرق الأوسط.

ويقال إنها سميت قديمًا (بمدينة عطار) وما زالت آثار عطار واضحة المعالم على تلة جبلية قليلة الارتفاع، وجاء اسم عطار لأنها كانت على طريق الرئيس لتجارة البخور واللبان من الشرق إلى بقية أرجاء اليمن، ولكن شهرتها جاءت من كثرة ما قدمت من بحارة على درجة عالية من المهارة والشجاعة كانوا الرابط بين سواحل ومدن المحيط والبحر العربي في أفريقيا والهند وجنوب آسيا، ولولاهم ما وصل اليمنيون ونشروا الإسلام في هذه الأراضي.

ستظل مدينة الحامي رمزًا تاريخيًا يمتد لمئات السنين لا يمكن لأي مدينة مضاهاتها في تاريخ سكانها العريق مع البحر العربي والمحيط الهندي الذي ما زال لغزًا لم تكشف حقائق التاريخ وتسرد لنا أخباره وكيف استطاع الإنسان التعامل معه،  هذا المحيط الذي لم يتحدث كثيرًا عن رجال أشاوس ربطوا المعمورة وتحدوا المخاطر وعرفوا كيف يقهرون المستحيل حتى وصلوا إلى أبعد نقطة في هذا المحيط وكيف قدم أهالي الحامي العشرات من أمهر البحَّارة الذين شهد لهم التاريخ بالقدرة الفائقة في التعامل مع البحر ومهارة عالية في قيادة السفن لم يضاههم فيها أحد، فكانوا خير همزة وصل ربطت سواحل ومدن المحيط الهندي، الذي كان سببًا في وصول الإسلام وانتشاره في بلاد جاوة والساحل الهندي والملايو وغيرها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد