بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله تعالى: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

عندما يمر عام هجري ويأتي عام هجري جديد، نستذكر بجلال وجمال ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، ذكرى أجلِ وأعظم حادثة بعد بعثة الحبيب الأعظم عليه الصلاة والسلام، حادثةٍ قسمت تاريخ النبوة إلى قسمين: ما قبل الهجرة وما بعدها، قسمت التنزيل الحكيم إلى قرآن مكي وآخر مدني، قسمت منهج الدعوة إلى مرحلتين: مرحلة الدعوة والصبر والتحمل، ومرحلة الدولة والنصر والسؤدد.
الهجرة التي اختارها سيدنا عمر بن الخطاب ومن معه من الأصحاب بداية للتأريخ الإسلامي، وليس عبثًا أن يختارها دون ولادة النبي ﷺ أو وفاته، وكأنهم أرادوا للأمة أن تعيش الهجرة حالاً دائما.

هاجر النبي ﷺ في شهر ربيع الأول، واختير شهر الله المحرم الذي تبدأ به السنة الهجرية كبداية للتأريخ الهجري.
إن الحديث عن الهجرة حديث ذو شجون، حديث تمسك أوله ولا تكاد تصل آخره، كيف لا والهجرة هي مبدأ تاريخ الإسلام، وفيها من الدروس والحكم والعبر ما تَقصُر عنه الساعات والأيام، وتعجز عنه الألسن والأقلام.
وقد اخترت لكم اليوم أن نتحدث عن دروس وعبر خمسة من دروس الهجرة النبوية المباركة.

أول هذه الدروس أن الهجرة هي سنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقد هاجر نوح وإبراهيم وموسى ومحمد ﷺ، هاجروا لا ليفروا من الموت أو التعذيب أو الاضطهاد، وليكن ليفتحوا آفاقا جديدة أمام دعوتهم، بقي رسول الله ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة، لم يترك وسيلة من وسائل الدعوة إلا سلكها، لكن قلوب قريش كانت كالحجارة أو أشد قسوة، هاجر ففتح الله به أعين عميًا وقلوبًا غُلفًا، واستطاع في عشر سنوات قضاها بالمدينة المنورة أن يبسط دعوة الرحمة والعدالة والمحبة والتآلف على الجزيرة العربية قاطبة، وارتقى إلى الرفيق الأعلى وقد جهز جيش فتح الشام. الهجرة سنة الأنبياء، فهل هاجرت؟ هل هجرت المعصية على الطاعة؟ هل هجرت الجهل إلى العلم؟ البخل إلى العطاء؟ الكراهية على الحب؟ إن لم تفعل فهاجر اليوم، فإن حبيبك المصطفى ﷺ قال: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية).

انتهت الهجرة التي هي السفر من مكة للمدينة بفتح مكة إذ صارت البلاد كلها إسلامية، ولا هجرة بعد هذا إلا من بلادٍ لا يقدر الإنسان فيها على حرية العبادة إلى حيث يأمن على دينه ونفسه وماله.
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
الدرس الأول: الهجرة سنة الأنبياء والمرسلين.

أما الدرس الثاني: الهجرة تضحية، لقد ضحى النبي ﷺ بوطنه وماله لأجل دينه ودعوته، خرج من مكة ونظر إليها حزينًا باكيًا وخاطبها قائلاً: (ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك).

ترك البيت والمال والعشيرة إلى حيث لا نسب إلا الدين ولا صلة إلا صلة الدعوة، ضحى هو وضحى أصحابه الكرام، منهم من ترك بأهله كأصحاب الصفة الذين كانوا يستوطنون المسجد، ومنهم من ضحى بداره ومنهم من ضحى بماله، كصهيبٍ الرومي الذي ضحى بماله كله ليفوز باللحاق برسول الله ﷺ، فحينما أراد صهيب الهجرة من مكة إلى المدينة تبعته قريش لتمنعه، فنزل عن راحلته ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وأيم الله لا تصلون إليّ حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فافعلوا ما شئتم، فإن شئتم دللتكم على مالي وخليتم سبيلي، فقالوا: نعم، ففعل.

ووصل صهيب إلى المدينة وكان خبره مع قريش قد وصل إلى المدينة قبل وصوله، فقد جاء أمين الوحي جبريل عليه السلام وأخبر النبي ﷺ بما فعل صهيب مع قريش وتخليه عن ثروته، ونزل فيه قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ).

ولما دخل صهيب على النبي ﷺ هشَّ له وبشَّ وقال: (رَبحَ البيعُ يا أبا يحيى… رَبحَ البيعُ)، وكررها ثلاثاً، فعلت الفرحة وجه صهيب. ضحى النبي ﷺ وضحى صهيب وضحى الصحابة رضوان الله عليهم، ضحوا فوصل إلينا الإسلام، فبماذا ضحينا نحن؟
هل ضحيت بنومك لتفوز بصلاة الفجر؟ هل ضحيت بالحرام لتفوز برضاء الله؟ هل ضحيت بشيء من وقتك لتفوز بمجلس علم؟ ضحَوا فوصل الدين إلينا، فإن لم نضح فكيف سيصل الدين إلى من بعدنا؟

الدرس الثاني: الهجرة تضحية، فلنضح.

الدرس الثالث: الهجرة تخطيط وتدبير.
كان بقدرة الله تعالى أن يأخذ نبيه على ظهر البراق من مكة للمدينة، لكنه أراد أن يعطينا درسًا من أعظم دروس الحياة (خطط).
خرج من باب داره الخلفي، ووضع عليًا في مكانه لغايتين: الأولى ليموه على من يترصده، والثانية ليرد أمانات قريش، فالنبي ﷺ كان الأمين الذي يأمنه أعداؤه على أموالهم.

هيأ للرحلة قريبًا من عشرة أشخاص، عبد الله بن أبي بكر لتقصي أخبار قريش، وأسماء للإمداد والتموين، وعبد الله بن أريقط دليلا في الصحراء – وقد كان كافرًا لكنه كان مأمون الجانب لأنه كان يعمل لدى أبي بكر – وعامر بن فهيرة لتمويه آثار الأقدام.
لماذا كل هذا يا رسول الله وقد عصمك الله من الناس وحماك ووقاك وكفاك؟ ليعلمنا أن الدين علم وأخذ بالأسباب، وتخطيط وتدبير.
فأين التخطيط في حياة المسلمين اليوم؟ أين التخطيط للدراسة أو العمل أو السفر؟ أين التخطيط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والعسكري؟

التخطيط من أسباب النجاح والعشوائية أقصر طريق للفشل والدمار.
إن أردت الإفادة من ذكرى الهجرة خطط واتخذ الأسباب.
الدرس الرابع من دروس الهجرة العظيمة: التوكل وحسن الظن بالله، وما أحوجنا اليوم إلى حقيقة التوكل، وإلى مزيد من حسن الظن بربنا جل وعلا.

إن قصة الهجرة، يتجلى فيها التوكل، كأحسن ما يتجلى في أي موقف، يدخل الغار – غار ثور -، ولا أحد يمنعه عليه الصلاة والسلام، أين موكبه، أين الجنود المسلحة التي تحميه، لا جنود، لا حراسة، لا سلاح.
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمصائب كلهن أمان.

يدركه المشركون، يريدونه حيًا أو ميتًا، فيقول أبو بكر، يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا، فيتبسم عليه الصلاة والسلام، والتبسم في وجه الموت أمر لا يجيده إلا العظماء.
يتبسم عليه الصلاة والسلام ويقول: (ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما)، هل يُغلَب هؤلاء الثلاثة، أم تكون الدائرة على أعدائهم، إذا كان الله ثالثهما، فمن المغلوب؟

(لا تحزن إن الله معنا)، إن الله معنا بعلمه بحفظه وتأييده وتسديده، فهل يستشعر المؤمنون هذه المعية؟
الخامس من دروس الهجرة: أن الله يحفظ أولياءه، نعم يُؤذَون، ويُضطهدون، يُقتلون ويُحبسون، ويُهجّرون، ولكن في النهاية ينتصرون، لأن العاقبة للمتقين: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) والنتيجة الحتمية، أنهم هم المنتصرون في آخر المطاف، وأن الباطل مهما علا، ومهما كبر، فإنه كما قال سبحانه: (فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).

الباطل له صولة، والحق له دولة، والعاقبة للمتقين.
خمسة دروس عظيمة من الهجرة: الهجرة سنة الأنبياء، الهجرة تضحية، الهجرة تخطيط وتدبير، الهجرة توكل وحسن ظن بالله، أخيرًا: إن الله تعالى يحفظ أولياءه وينصرهم.

أيها الأحبة:
عام مضى وانقضى، مضت أيامه وساعاته، وأفراحه وويلاته، وبقي ثوابه وعقابه، ثوابه لمن آمن وعمل صالحًا، وعقابه لمن اقترف السيئات ما لم يتب ويصلح (وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).

علينا أن نحاسب أنفسنا، وأن نعتبر بمرور السنين، وأن نتلافى تقصيرنا، وأن نحسن فيما بقي، وأن نحسن الظن بالله، ونثق بفرجه ونصره وفتحه، وأن نتوكل عليه حق التوكل.
اللهم اجعل قادم أيامنا خيرًا من سالفها، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك، نلقاك وأنت راض عنا يا أكرم الأكرمين. آمين يارب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد