ظهر علينا بعد ثورة 25 يناير 2011 عدة أشخاص وتيارات مختلفة، تصدروا المشهد السياسي في البلاد، فمنهم من كان على الساحة السياسية قبل 2011، والباقي ظهر بعد 2011، عن طريق تأسيس الأحزاب والحركات المختلفة، وساعدتهم الثورة وأحداثها المتلاحقة على الانتشار والشهرة الواسعة، فضلًا عن منصات التواصل الاجتماعي التي كانت إحدى وسائل قيام الثورة، وأصبحنا نراهم كل يوم على شاشات التليفزيون، ونقرأ أخبارهم في الصحف، فمنهم من يسمى ناشطًا، ومنهم من يسمى حقوقيًا، ومنهم من يسمى قياديًا في التيار الفلاني، ومنهم من كانت وظيفتة التي كان يخرج بها علينا ليحلل المشهد السياسي، هي أنه عضو ائتلاف الثورة، حتى بعد سنة 2013، وانتهاء كل شئ علي  أصبح يظهر بنفس الوظيفة مع إضافة كلمة سابقًا، فمازالت هذه هي المهنة التي يظهر بها على شاشات التلفاز، مستمرًا في عمله السابق تحت مسمى عضو ائتلاف الثورة سابقًا، أو منسق عام جبهة، أو قيادي في تيار منحل.

فهولاء جميعًا بلا استثناء بمختلف توجهاتهم كانوا السبب في تسليم السلطة للمؤسسة العسكرية بسبب اختلافاتهم وأيديولوجياتهم ومشاجراتهم المتكررة التي ليس للشعب دخل فيها، بالاضافة لمشاكلهم الشخصية مع بعضهم البعض، وتصفية الحسابات بينهم. فكان من السهل على المؤسسة العسكرية التلاعب بهم، وأن تقضي عليهم جميعًا حتى دون استخدام سيناريو جديد! فالمؤسسة العسكرية استخدمت معهم نفس سيناريو سنة 52، بعد عزل الملك وانفرادهم بالحكم.

فما كان من هولاء النخبة إلا أنهم ورطوا الشعب معهم في صراعات لا حصر لها، فمنهم من ضحى بقاعدته الجماهيرية كلها في اعتصام لا يغني ولا يثمن من جوع باعتراف قادته فيما بعد، وتسبب هذا الاعتصام في مقتلهم، بل ومن نجا منه تسببوا في اعتقاله ومطاردته خارج البلاد، وتدمير حياته، وبالرغم من هذا، فمازالوا يدعون الحكمة، ويخرجون علينا ليل نهار، وكأنهم لم يفعلوا شيئًا، بل يقفون في موقف القادة الملهمين.

والآخرون ورطوا أنفسهم ومن تبعهم، ويرى فيهم بادرة أمل تعوضه عن إحباطه وفقدان أمله في التيار السابق، في معارك لا تثمن ولا تغني من جوع أيضًا كمناوشات قانون التظاهر، أو أي شيء آخر، مثل معارك التنازل عن تيران وصنافير،   وغيرها من الأشياء التي يشعروا بها أنفسهم أنهم مازالوا على الساحة، أو مازال يوجد ما يجعلهم نخبًا يحصدون الفولورز، ويمشي وراءهم الملايين، وفي المقابل كانت النتيجة كغيرهم: اعتقال وقتل وتشريد وإعدامات، فهولاء الحمقى لا يدركون حقيقة أن كل شيء انتهى، والمعادلة أصبحت صفرية، عندما تم تسليم السلطة للجيش يوم الثالث من يوليو سنة 2013، وهذا ما سيذكرهم به التاريخ، لا شيء آخر.

يقول أروين شو  في مسرحيته ثورة الموتى: ينبغي على هؤلاء الرجال الذين ظلوا يموتون منذ آلاف السنين من أجل فرعون
وقيصر روما أن يتنبهوا في نهاية الأمر، وقبل أن يضيع كل أمل، إلى أن الإنسان قد يموت وهو سعيد، ويدفن وهو راض، حينما يموت في سبيل نفسه، أو في سبيل وطنه حقًا، أو لسبب يهمه هو، ولا يهم فرعون أو قيصر  روما.

ويقول أيضًا: لأن الوطنية يُدَلّل ويؤَكّد عليها دومًا ببذل الدم أكثر مما يؤكد عليها بالبناء والإخلاص والزراعة والرعاية والحب.. ولأن دعاة الحرب وصناع القرار لا يقفون في صفوف المعركة، ولن تمسّهم رصاصة، ولن يفقدوا قطرة دم.. لهذا يجب أن لا نستغرب عدم تعلم البشر من أخطائهم.

فالمشكلة تكمن في أنك عزيزي القارئ عندما تنظر  لهولاء وتحلل شخصياتهم؛ فستجد أنهم لا يفقهون شيئًا، وأنهم تصدروا المشهد على حساب أناس آخرين، كان من المفترض أن يكونوا في المقدمة. وكل هذا أدى إلى إخفاق الثورة في تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها، ومحاولة كل الأطراف التى شاركت بفاعلية في الحراك الثوري، أو لم تشارك من الأساس، القفز على الثورة وجني ثمارها، حتى قبل أن يكتمل مسارها الثوري وتحقق أهدافها، ولكنهم بالرغم من كل ما حدث ويحدث مازالوا يتصدروا المشهد، ويقفون في الصفوف الأمامية، ويملون علينا آراءهم، واقتراحاتهم، بل مازلنا بعد كل هذا نرى مشاكلهم وخلافتهم التي تزيد الطين بلة.

فهولاء الذين يدعون الحكمة والثقافة والمعرفة لم يحاولوا الرجوع إلى الوراء قليلًا، وقراءة التاريخ وأخذ العبر منه، بل الجدير بالذكر أن بعضًا ممن تصدروا المشهد عاشوا أحداث خمسنيات وستنيات القرن الماضي، من بداية انقلاب يوليو 52، مرورًا بترسيخ الحكم العسكري، والقضاء على الحياة السياسية، ولم ينفعهم هذا بشيء، فمارسوا نفس الحماقات التي مارسوها في السابق.

ولأننا الآن لا نملك شيئًا، ولن نبكي على اللبن المسكوب، ونحاول البحث عن بادرة أمل للأوضاع التي تسوء يومًا بعد يوم، لذلك نهيب ونطلب من هولاء الأشخاص والتيارات جميعًا إن كانوا يريدون فلاحًا لهذه الأمة كما يرددون دائمًا، فعليهم أن يختفوا من المشهد بكافة فصائلهم المختلفة، بل مشاكلهم  وأيديولوجياتهم، وأن يفسحوا المجال للأجيال التي تليهم؛ لأن استمرارهم في المشهد هو أصل المشكلة في حد ذاتها، ويعوق أية حلول قادمة، فهم حمقى لا يكفون عن الحديث، ولا يكفون عن فعل الكوارث، فارحمونا وارحموا أنفسكم؛ يرحمكم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد