سنة 1990 وقعت الأطراف اللبنانية في مدينة الطائف السعودية برعاية المستضيف اتفاقًا سياسيًا لإنهاء الحرب الأهلية التي استمرت 15 سنة بحيث تتقاسم الأطراف المتحاربة السلطة. رغم أن اتفاق الطائف تضمن بنودًا لإنهاء نظام المحاصصة الذي أنشئ بعد الاستقلال، إلا أن المحاصصة السياسية بين الطوائف الدينية والسياسية تعززت لتشمل جميع أجهزة الدولة. اليوم وبعد 30 عامًا من توقيع الاتفاق أصبح لبنان مثالًا للدولة الفاشلة كنتيجة حتمية لهشاشة وفشل أي نظام سياسي قائم على المحاصصة. في المقابل أصبح حزب الله الذي لم يكن طرفًا رئيسًا في الحرب الأهلية، وظل دوره مقتصرًا على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي الطرف الأقوى على الساحة اللبنانية وأصبح الحزب – الذي يعتبر ذراع إيران الأبرز والأهم في المنطقة – الرقم الأصعب في المعادلة اللبنانية.

في ظل غياب وربما استحالة الحسم العسكري لصالح أي من الأطراف المتحاربة في اليمن، يتوقع كثيرٌ من المراقبين صفقة سياسية لإنهاء الحرب يتم على أساسها إنشاء نظام محاصصة سياسية يتقاسم فيه أمراء الحرب السلطة المركزية ويحتفظون بنفوذ واسع في المناطق التي سيطروا عليها أثناء الحرب. يتخوف كثيرٌ من المحللين – خاصةً السعوديين منهم – من أن أي نظام محاصصة سيقود لتحول جماعة الحوثي إلى نسخة من حزب الله اللبناني، وهو ما يعني وجود تهديد دائم للمملكة. صحيحٌ أن التخوف من وجود جماعة مشابهة لحزب الله في اليمن مبرر، لكن الحديث عن هذا السيناريو يعبر عن عدم دقة في قراءة الواقع فجماعة الحوثي قد تجاوزت مرحلة الحزب اللبناني والمتابع لسلطة الحوثي في مناطق سيطرته في اليمن يجد نسخة – قيد الإنشاء – لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران.

تمتلك جماعة الحوثي عوامل تمكنها من تجاوز حزب الله اللبناني، حيث يقع تحت سلطة الحوثي إمكانيات وموارد تجعلها قادرةً على تجاوز حزب الله اللبناني أبرزها:

1- الكثافة السكانية:

بلغ عدد سكان لبنان عام 2020 قرابة 7 ملايين بينما بلغ عدد سكان اليمن ما يزيد على 25 مليونًا يقيم أكثر من نصفهم في مناطق سيطرة الحوثي، وهو ما يعني سيطرة الجماعة على مخزون بشري أكبر بكثير مما يقع تحت الحزب اللبناني.

2- مستوى الوعي

يتجاوز مستوى الوعي والتعليم الحالي في لبنان نظيره في اليمن بمراحل مما يوفر لجماعة الحوثي بيئة أكثر خصوبة لنشر أفكارها وزيادة عدد المنتمين لها، وهو ما يعني أن لدى الحوثي القدرة على الحصول على أتباع يتجاوز عددهم أتباع حزب الله.

3- الموقع الجغرافي

يمثل الموقع الجغرافي المنعزل لليمن والتضاريس الوعرة للمناطق الشمالية التي يسيطر الحوثي على جلها مناخًا مثاليًا لأي حركة سياسية عسكرية ذات أيديولوجيا دينية مشابهة لتلك التي يتبناها الحوثي لنشر أفكارها كما يعطيها أفضلية عسكرية ضد مناوئيها. في المقابل لا يملك لبنان أي من هذه الخصائص كونه محاطًا بالعديد من الدول في أكثر منطقة في العالم جذبًا للأنظار والتدخلات الخارجية.

4- المساحة

رغم أن جماعة الحوثي تسيطر على أقل من ثلث مساحة اليمن إلا أن مساحة هذه المنطقة تمثل أكثر من خمسة أضعاف مساحة لبنان.

5- الموارد البيئية

تمتلك المناطق التي يسيطر عليها الحوثي موارد طبيعية تتجاوز الموارد الطبيعية اللبنانية.

لا يمتلك الحوثي فقط الإمكانيات التي تمكنه من تجاوز حزب الله، بل تجاوزت سلطته في اليمن فعلًا سلطة الحزب اللبناني، وأصبح أقرب لتكوين دولة في مناطق سيطرته. إن الحديث عن تحول الحوثي لحزب الله جديد هو تراجع في وضع الجماعة وتنازل من قبلها. لا يتطلب الوصول لهذه النتيجة سوى متابعة وضع الجماعة ونفوذها ومقارنته بحال حزب الله اللبناني ومن أبرز هذه الملاحظات:

  • رغم النفوذ القوي لحزب الله في لبنان وكونه بلا شك الطرف الأقوى، إلا أنه ليس الطرف الوحيد حيث توجد أطراف وقوى وشخصيات أخرى لا زالت قادرة على معارضة الحزب دون حرج أو رهبة. في المقابل نجد أن الحوثي – في مناطق سيطرته – هو الطرف الوحيد وأيدلوجيته هي الأيديولوجيا الوحيدة المسموح بالمجاهرة بها، وتحرم مخالفتها.

  • يسيطر الحوثي في مناطق نفوذه على أجهزة الدولة البيروقراطية بشكل كامل ويسعى كل يوم لتعزيز سيطرة جماعته على هذه الأجهزة على المدى البعيد، في المقابل يتقاسم حزب الله السلطة مع باقي الطوائف السياسية.

  • فرض الحوثي شعاراته على الدولة في سعي لخلط الهوية السياسية للجماعة بهوية الدولة اليمنية في مسعى ليصبح هو الدولة، حيث لم يعد رفع شعاراتها والهتاف بصرختها المشهورة مقتصرًا على فعاليات الجماعة، بل أصبح حاضرًا في أنشطة الدولة، كحفلات التخرج، والمحاضرات في الجامعات، وفعاليات الوزارات، وطوابير الصباح في المدارس الحكومية، مثلها مثل علم الجمهورية والنشيد الوطني.

  • لم تعد الجماعة مسيطرة كأمر واقع على الوضع بل عملت على إضفاء الرسمية والرمزية التي تمتلكها قيادات الدول من ملوك ورؤساء على قياداتها حيث تعلق صورهم في المكاتب الحكومية على سبيل المثال وهو أمر لم يصل إليه الحزب اللبناني حتى الآن. من يشاهد الصور القادمة من المؤسسات الحكومية الواقعة تحت سيطرة الحوثي يجد دائمًا تلازم صور الحوثي والمشاط والصماد معلقة تمامًا كما تعلق صور هادي في مناطق الشرعية، بينما لا نجد صور نصر الله معلقة في أي مكتب حكومي في لبنان.

  • من يحلل النظام السياسي الذي ينشئه الحوثي لن يجد سوى جمهورية إسلامية قيد الإنشاء فعبد الملك الحوثي – قائد الثورة كما يسميه الحوثيون والسلطة العليا في دولته – والذي ترفع صوره في مكاتب صنعاء يقابله المرشد في إيران والمشاط رئيس مكتب الجماعة السياسي يقابله رئيس الجمهورية في إيران.

رغم تجاوز نفوذ الحوثي في اليمن نفوذ حزب الله في لبنان، إلا أن الحركة الحوثية تفتقر إلى العوامل التي تعطيها الزخم والصيت والقدرة على الاستمرار. في المقابل يمتلك حزب الله الزخم والصيت الذي يجعله قدوة لحركات ما يعرف بمحور المقاومة ويصور لخصوم المحور أنه أعتى جماعات المحور وأكثرها نفوذًا. إن أبرز ما يعطي حزب الله هذه الأفضلية الآتي:

  • الخبرة والأقدمية

يمتلك حزب الله الخبرة التي لا يملكها الحوثي وهو ما يعطي الحزب زخمًا وأفضليةً سياسيةً وقتاليةً عن الحوثي.

  • التاريخ

إن تاريخ حزب الله كجماعة تحارب الاحتلال الصهيوني أكسبته شعبية كبيرة وشرعية في كيان الدولة اللبنانية لا زالت عالقة في أذهان الكثيرين رغم الدور السلبي الذي يلعبه الحزب في الإقليم ومساهمته في الانهيار الذي يشهده لبنان. في المقابل ترتبط جماعة الحوثي بالإمامة المقيتة في اليمن كما أنه لم يعرف لها منذ نشأتها أي دور وطني رغم محاولتها مقارنة حربها مع السعودية – التي تخوضها الحركة لمصلحتها فقط – لحروب حزب الله مع إسرائيل.

  • موقع لبنان

إن موقع لبنان في قلب إقليم ملتهب ومحوري لجميع القوى الكبرى ومجاورته للاحتلال الإسرائيلي تعطي حزب الله صيتًا على المستوى الإقليمي والدولي كجزء من صيت لبنان، وهو يعطي الحزب نفوذًا على المستوى الإقليمي، بينما لا يعطي موقع اليمن المنعزل الحوثي القدرة على جذب انتباه العالم ما يعني صعوبة حصوله على نفوذ إقليمي يضاهي نفوذ الحزب اللبناني.

  • الديموغرافيا اللبنانية

تعطي الديمغرافية اللبنانية متعددة الطوائف حزب الله القدرة على الاستمرار لاستعصاء تشكل جبهة موحدة قادرة على تهديد حزب الله بسبب الاختلافات الجوهرية بين الطوائف اللبنانية. في المقابل تعتبر احتمالية تشكل جبهة ضد الحوثي في اليمن عالية، بل ربما مؤكدة نظرًا لغياب الاختلافات الجذرية، كالاختلافات الدينية، والإثنية بين السكان في الحالة اليمنية.

يدرك الحوثي أنه على الرغم من تجاوز نفوذه في اليمن نفوذ حزب الله اللبناني في لبنان، فهو لا زال بحاجة للحصول على الزخم وعوامل الاستمرار للحفاظ على مكتسباته على المدى البعيد وهو ما يسعى إليه عبر استنساخ العوامل التي أعطت حزب الله الاستمرارية والزخم. فمثلًا – تمامًا – كما اكتسب حزب الله شعبيته وصيته من مقاومته الاحتلال الصهيوني، يسوق الحوثي لنفسه على أنه يقاوم جهود السعودية للسيطرة على اليمن ويذود عنه وينكر فكرة أن الحرب اليمنية هي في أصلها حرب أهلية. كذلك فسياسات الحوثي الداخلية تحاول إعادة تشكيل الديمغرافية اليمنية عبر تكريس الاختلافات الدينية والمناطقية والقبلية، بل استحداث اختلافات أخرى، وعبر تجريف الهوية الوطنية الجامعة لتوسيع قاعدته، وتشكيل مجتمع أقل تجانسًا، وبالتالي أقل خطرًا على استمراريته. إن ما يحدد قدرة الحوثي على النجاح في مسعاه هو وجود إستراتيجية فعالة لقطع الطريق عليه. فهل تمتلك النخب الوطنية هذه الإستراتيجية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات