تشكل مؤسسة الجزيرة للإعلام ثورة إعلامية بامتياز، بغض النظر عن اتجاهاتها، والانقسام حولها داخل الشارع العربي الممتد من نواكشوط إلى مسقط. الجزيرة، هي مدرسة تستحق اليوم أن تدرس، وأن تصدر تجربتها الإعلامية الغنية إلى العالم، ففي هذه الفترة الوجيزة الممتدة من منتصف التسعينيات إلى اليوم، أضحت الجزيرة مرجعا جاذبا، ليس فقط بالنسبة للإعلاميين والسياسيين، بل كذلك بالنسبة لكبار الباحثين والأكاديميين، فتقارير الجزيرة الحصرية وحواراتها تحولت إلى مراجع ومصادر يرجع إليها دارسو السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع، وكذا المختصون في دراسة المناطق، خاصة المنطقة العربية والشرق أوسطية عمومًا، فلا يمكن الولوج إلى قضايا العالم العربي دون المرور على الكم الهائل من التراكم المعلوماتي الذي يوفره مهنيو مؤسسة الجزيرة.

ما نود أن نسلط الضوء عليه في هذا المقال، ليس الجزيرة كقناة، لأن الجغرافية الإعلامية العربية مليئة بتجارب سبقت الجزيرة للميدان، بل الجزيرة كمدرسة قادرة على خلق نمط معين من التفكير الإعلامي الذي يجعل منها معيارًا، ومرجعًا للمهنية، فالكثير من المؤسسات الإعلامية التي ظهرت في خضم نجاح الجزيرة، هي عبارة عن محاولات لمحاكاة هذه التجربة، عبر منطلقين، الأول هو نقد الجزيرة، والثاني التسليم بإيجابيتها وجدوى تقليدها، وهذا أمر لا ينتقص من أي تجربة، من الصعب اليوم تحييد تأثير مدرسة الجزيرة في الحياة الإعلامية العربية، من ناحية الإعلاميين الذين يحلمون بالظهور على شاشتها، ومن ناحية الشارع الذي يمكن أن يثق فيما يراه عبر الجزيرة أكثر مما يراه أو يسمعه في قنواته المحلية.

على كل حال، ولنكن موضوعيين، لا بد من الإشارة إلى آراء كلا الفريقين ومنظورهما إلى تجربة الجزيرة:

الفريق المعارض: ينطلق معارضو الجزيرة من فكرة مركزية أساسها الربط بين التواجد الجغرافي للمؤسسة وتوجهات الرسالة الإعلامية لها، فوجود الجزيرة في قطر دليل كاف على ضرب مصداقيتها واعتبارها أداة من أدوات السياسة القطرية، وبهذا تصبح تقارير الجزيرة عبارة عن تقارير تحت الطلب، يتم هندستها وبناؤها داخل دوائر صنع قرار قطرية بما يخدم توجهات دولة قطر الخارجية وأجندتها على المستوى الإقليمي، ويمكن اختصار كل هذا في عبارة مشهورة “الجزيرة هي ذراع لقطر” .

الفريق الموالي: هناك فريق آخر داخل الشارع العربي نفسه، يرى في الجزيرة ثورة إعلامية وتجربة متفردة، لم تعرف التجربة الإعلامية العربية مستواها، ومهنيتها، ومصداقيتها، وكذا جرأتها وعدم مهادنتها لأي قضية تشغل الرأي العام العربي، فهي منبر من لا منبر له، ومسرح لتجاذبات وتناقضات الرأي والرأي الآخر، فالجزيرة لدى الكثير هي معيار للمهنية والتألق.

من باب الحياد في الطرح، لا بد من فحص عقلاني لآراء كلا الفريقين، وهنا نحن ربما ننطلق من فرضية الجزيرة نفسها، وهي الرأي والرأي الآخر، يمكننا تسجيل بعض الملاحظات، أولها ذلك الربط المباشر بين قطر كدولة ذات سيادة لديها إستراتيجية وأجندة على المستوى الخارجي، وبين الجزيرة كمؤسسة إعلامية يراد لها أن تكون في الظروف الطبيعية مستقلة إعلاميا وفكريا، من منطلق أن وظيفة الإعلام هو تسليط الضوء عما يحدث دون تصرف في حيثيات الوقائع، أي الخبر كما هو، دون تجميل ولا تقبيح. من يسلم بهذا الطرح، يمكنه كذلك أن يسلم أن العربية هي ذراع إماراتية، من منطلق أنها تبث من الإمارات، وأن الميادين ذراع لبنانية، والأمر ينسحب على باقي التجارب الإعلامية، أنا هنا لا أنفي هذه الفرضية، لكنني أود أن أوضح أنه في الظروف الطبيعية، من يخدم دولة ما هو تلفزيونها الرسمي، وليس مؤسسة تعمل على أراضيها، فالحري بتلفزيون قطر الرسمي أن يكون خادمًا لإستراتيجية دولته وممهدًا الطريق أمام تطبيقات أجندتها على الميدان وليس الجزيرة.

الملاحظة الثانية من نصيب الفريق المسلم بإيجابية تجربة الجزيرة، هنا نقول أن أخلاق الإعلام، ومعايير صدقه ورصانته في تناول قضايا الرأي العام، هي معايير تقترب من الاتفاق، ولا يجب الانطلاق من نماذج معينة للحكم على أي تجربة كانت، فلا يجب أن نحكم على فرانس 24 بأخذ الجزيرة مرجعًا، لأن مدى مصداقية كل من هاتين التجربتين يتم قياسهما بمعايير المصداقية ذاتها، وليس عبر عملية مقارنة بين طرفين، وجدا في ظروف مختلفة، ولديهما رسائل إعلامية لا تستهدف نفس الجمهور، ولا تنطلق من نفس المنطلقات.

عودة إلى تحليل منطلقات مدرسة الجزيرة، فإنه يجب الوقوف عند شعارها الذي يحفظه كلا الفريقين اللذين ذكرا سابقا، الرأي والرأي الآخر، أولا نتوقف عند الصياغة اللغوية للشعار، لقد جمع هذا الشعار بين الرأيين، أي أن هذه المدرسة تتسع لكلا الرأيين، وتضعهما داخل نفس الحاضنة، أي أن الجزيرة هي مسرح لكلا الفريقين، ولم يظهر الشعار من يحكم على صحة “الرأي” و”الرأي الآخر”، لكن الظروف العادية تفيد بأن المشاهد هو الذي يحتكر القدرة على الحكم على أي شيء يسوق له عبر الإعلام.

تحتضن الجزيرة مجموعة من الإعلاميين، والذين يتخذون بدورهم مسلكين رئيسيين، هما الاتجاه الهادئ في الطرح، والاتجاه الصاخب، أو ذو الصوت العالي. من السهل ربط الاتجاهين بإعلاميي الجزيرة، فالأسلوب الهادئ في الطرح يربط بالإعلامية الجزائرية خديجة بنت قنة، والتي تعتبر من أعلام مدرسة الجزيرة السباقين، فتظهر السيدة بنت قنة، في شكل هادئ ورصين، يخفي وراءه حرج الظاهرة، أو مدى شدة الوضع المراد نقله عبر الشاشة، هذا النوع من الطرح لديه سمة حسنة تتمثل في إعطاء المتلقي نوعًا من الهدوء النفسي الذي يمكنه من الاهتداء إلى أحكام عقلانية ناضجة، وخالية من الانفعالات التي قد تؤثر سلبا على بناء تصور ذاتي حول ما يتم طرحه، أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه الصاخب الذي يتحدث بصوت أكثر علوًا، وأقرب إلى توجهات الشارع، فيصبح الأستوديو يغلي تماما كما يغلي الشارع، فيحاكي الطرح بيئة الشارع ويتقمصها، وهنا يتم ربط هذا التوجه بالإعلامي السوري فيصل القاسم، الذي يسلك مسلكا إعلاميا، تقترب ضجته وتناقضاته من ضجة وتناقضات الشارع أو البيئة المستهدفة بالموضوع.

انتقل تأثير الجزيرة من مستوى المنطقة العربية إلى المستوى العالمي والكوني، وكان لتغطيات أحداث الربيع العربي التي انفردت بها قناة الجزيرة في كثير من الأحيان حصة في المساهمة في دفع الجزيرة كفاعل لتلعب أدوارًا إعلامية متعاظمة، وكما تحدثت أدبيات العلاقات الدولية على “عامل السي إن إن” وكيف تحولت هذه الشبكة الأمريكية إلى دور التأثير حتى في السياسات الخارجية للدول، هناك اليوم ميل لوضع الجزيرة في نفس السياق، فقد تحولت إلى فاعل غير دولتي في الساحة السياسية العربية، وهذا يمكنها من لعب نفس الأدوار على المستوى العالمي، عبر دخولها في منافسات مع شركات إعلامية عالمية أكبر، وأقدم في الولوج للميدان.

لا يمكن اليوم إنكار أنه لا مفر من المرور عبر بوابة الجزيرة بشقيها الأكاديمي والإعلامي لفهم التفاعلات العربية، فالجزيرة اليوم تكاد تكون النافذة الأكثر إلمامًا للوقوف على قضايا الشارع العربي، توجهاته وتطلعاته، لكن يبدو أن تنامي بريق الجزيرة، وتوسع شبكة نفوذها الإعلامي، يصاحبه نفوذ وتوسع في الفريق المعارض لتوجهاتها؛ فالعديد من الدول ترفض احتضان مكاتب للجزيرة، والكثير من المؤسسات الإعلامية وبعض الشخصيات المرموقة لا تجد حرجًا في ضرب مصداقيتها في الصميم، والجدال في كونها تجربة متفردة تستحق أن تحاكى وأن تدرس.

كاستنتاج، من الصعب الوصول إلى إجماع فيما يخص الجزيرة، فكما لديها ملايين من المتفقين معها، هناك أيضا ملايين من معارضيها، لكن ما يمكن الوقوف عنده وتثمينه، هو روح مدرسة الجزيرة التي تنطلق من جعل الرأي المعارض والرأي الموالي على قدر من المساواة ومن التناظر. الجزيرة حالة متفردة ينبغي محاكاتها، وجعل روحها تستمر، سواء انطلقنا من معارضتها أو من التسليم بأطروحاتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد