«طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» كتاب فريد في زمنه ونوعه لعبد الرحمن الكواكبي.. حيث تطرق الكاتب – في محاولة رائدة وجسورة – لظاهرة «الاستبداد» المتغلغلة في واقعنا العربي والإسلامي، ومسكوت عنها لضريبتها الفادحة، وغياب الجرأة التي لا يستطيعها، إلا أولو العزم من العلماء الربانيين والمصلحين المخلصين.. لقد كشف الكواكبي بمداده الرائع القناع عن الوجه القبيح للاستبداد، وشرح مفرداته وشعبه الخفية، بصراحة منقطعة النظير دون مواربة أو مداهنة، وكان كتابه أول بادرة صريحة تواجه صنم الاستبداد المقدس الذي لم يجرؤ سابقوه على البوح بهذا المستوى الرائع من المكاشفة.

يقول الكواكبي

الاستبداد في اصطلاح السياسيين: هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة.

الاستبداد: صفة للحكومة المطلقة العنان، فعلًا أو حكما، التي تتصرف في شئون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين.

الاستبداد: يد الله القوية الخفية التي يصفع بها رقاب الآبقين من جنة عبوديته إلى جهنم عبودية المستبدين الذين يشاركون الله تعالى في عظمته ويعاندونه جهارًا.

الاستبداد: هو نار غضب الله تعالى في الدنيا، والجحيم نار غضبه في الآخرة، وقد خلق الله النار أقوى المطهرات فيطهر بها في الدنيا دنس من خلقهم أحرارًا وبسط لهم الأرض واسعة وبذل فيها رزقهم فكفروا بنعمته وأذعنوا للاستعباد والتظالم.

الاستبداد: أعظم بلاء يتعجل الله به الانتقام من عباده الخاملين، ولا يرفعه عنهم حتى يتوبوا توبة الأنفة. نعم، الاستبداد أعظم بلاء؛ لأنه وباء دائم بالفتن، وجدب مستمر بتعطيل الأعمال، وحريق متواصل بالسلب والغصب، وسيل جارف للعمران، وخوف يقطع القلوب، وظلام يعمي الأبصار، وألم لا يفتر، وصائل لا يرحم، وقصة سوء لا تنتهي.

المستبد يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته.

المستبد عدو الحق، عدو الحرية، وقاتلهما. والحق أبو البشر، والحرية أمهم، والعوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئًا، والعلماء هم أخوتهم الراشدون، إن أيقظوهم هبوا وإن دعوهم لبوا، وإلا فيتصل نومهم بالموت.

المستبد يتجاوز الحد ما لم ير حاجزًا من حديد، فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفا لما أقدم على الظلم، كما يقال: «الاستعداد للحرب يمنع الحرب».

المستبد إنسان مستعد بالطبع للشر وبالإلجاء للخير، فعلى الرعية أن تعرف ما هو الخير وما هو الشر فتلجئ حاكمها للخير على رغم طبعه، وقد يكفي للإلجاء مجرد الطلب إذا علم الحاكم أن وراء القول فعلًا. ومن المعلوم أن مجرد الاستعداد للفعل فعل يكفي شر الاستبداد.

المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم درًا وطاعة، وكالكلاب تذللًا وتملقًا. وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خدمن خدمت، وإن ضربت شرست، وعليها أن تكون كالصقور لا تلاعب ولا يستأثر عليها بالصيد كله، خلافا للكلاب التي لا فرق عندها أطعمت أم حرمت حتى من العظام. نعم على الرعية أن تعرف مقامها: هل خلقت خادمة لحاكمها، تطيعه إن عدل أو جار؟ وخلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف؟ أم هي جاءت به ليخدمها فاستخدمها؟! والرعية العاقلة تقيد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها لتأمن من بطشه، فإن شمخ هزت به الزمام، وإن صال ربطته.

المستبدون يتولاهم مستبد، والأحرار يتولاهم الأحرار، «كما تكونوا يولى عليكم»

وأشد مراتب الاستبداد التي يتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش (القائد الأعلى للقوات المسلحة)، الحائز على سلطة دينية (الرئيس المؤمن.. الهاشمي، العلوي)، ولنا أن نقول كلما قل وصف من هذه الأوصاف خف الاستبداد إلى أن ينتهي بالحاكم المنتخب الموقت (ليس بالزعيم الخالد) المسئول فعلًا. وكذلك يخف الاستبداد طبعًا كلما قل عدد نفوس الرعية (لأن كثرة الأولاد تلهي عن تفقد الحرية السياسية وتغرق الفرد في أتون توفير المتطلبات) وقل الارتباط بالأملاك الثابتة، وقل التفاوت في الثروة، وكلما ترقى الشعب في المعارف.

ومن الأمور المقررة طبيعة وتاريخيًا أنه ما من حكومة عادلة تأمن المسئولية والمؤاخذة بسبب غفلة الأمة أو التمكن من إغفالها إلا وتسارع إلى التلبس بصفة الاستبداد، وبعد أن تتمكن فيه لا تتركه وفي خدمتها إحدى الوسيلتين العظيمتين: جهالة الأمة والجنود المنظمة، وهما أكبر مصائب الأمم وأهم معائب الإنسانية.. إن مخترع هذه الجندية إذا كان هو الشيطان فقد انتقم من آدم في أولاده أعظم ما يمكنه أن ينتقم .. الجندية تفسد أخلاق الأمة حيث تعلمها الشراسة والطاعة العمياء والاتكال، وتميت النشاط وفكرة الاستقلال، وتكلف الأمة الإنفاق الذي لا يطاق، وكل ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشئوم.

وا أسفاه على هذا الدين الحر، الحكيم، السهل، السمح، الظاهرة فيه آثار الرقي على غيره من سوابقه، الدين الذي رفع الإصر والأغلال، وأباد الميزة والاستبداد، الدين الذي ظلمه الجاهلون فهجروا حكمة القرآن ودفنوها في قبور الهوان، الدين الذي فقد الأنصار الأبرار والحكماء الأخيار، فسطا عليه المستبدون والمترشحون للاستبداد، واتخذوه وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الأمة شيعًا، وجهلوه آلة لأهوائهم السياسية، فضيعوا مزاياه، وحيروا أهله بالتفريع والتوسيع، والتشديد والتشويش، وإدخال ما ليس منه فيه، كما فعل قبلهم أصحاب الأديان السائرة، حتى جعلوه دينا حرجا يتوهم فيه أن كل ما دونه المتفننون بين دفتي كتاب ينسب لاسم إسلامي هو من الدين، وبمقتضاها ألا يقوى على القيام بواجباته وآدابه ومريداته إلا من لا علاقة له بالحياة الدنيا، بل أصبحت بمقتضاها حياة الإنسان الطويل العمر، العاطل عن كل عمل، لا تفي بتعلم ما هي الإسلامية، عجزًا عن تمييز الصحيح من الباطل من تلك الآراء المتشعبة التي طال أهلها فيها الجدال والمناظرة، وما افترقوا إلا وكل منهم في موقفه الأول، يظهر أنه ألزم خصمه الحجة وأسكته بالبرهان، والحقيقة أن كلا منهم قد سكت تعبًا وكللًا من المشاغبة.

عندما يقرأ المرء هذه الأسطر الناصعة والجريئة في ذات الوقت يقف مشدوها أمام هذا التحليل الدقيق لكاتب تجاسر على أن يحرك المياه الراكدة في سابقة عجز عنها أكثر سابقيه؛ لأنها جرأة غير محمودة العواقب، ولعب بالنار يحرق صاحبها حتمًا.

ورغم أن هذه الأسطر كتبت في أواخر القرن التاسع عشر إلا أن لها مدلولًا واضحًا في أن الاستبداد هو الاستبداد في كل زمان ومكان، من لدن عصر الإنسان الأول وحتى عصر الفيمتو ثانية وما بعده، لا يغير طبعه اختلاف أرض أو زمن.

ومن الدلالات أيضًا أن التراث الإسلامي والعربي زاخر بكنوز معرفية حضارية باهرة لا كما يحاول أن يستهزأ به البعض بأن نشره إنما هو محاولة للرجوع بالأمة إلى عصر الناقة وأكل التمر.

وأخيرًا تكشف هذه الأسطر عن السر في محاولة طمس تراث الأفذاذ من أمثال الكواكبي وغيره، فهذا شأن المستبدين في طمس هوية الأمة وذخائرها، ومحاولة التعتيم على الرموز، بل استبدال بهم الأقزام الذين لم يقدموا للبشرية غير التفاهة.

ولقد دفع الكواكبي ثمن جهره بالحرية حيث قتل مسمومًا، ورغم أن قاتله لم يعرف حتى الآن، لكن من له مصلحة في إسكات هذا المغرد الذي يغرد خارج السرب سوى المستبدين، وهذا هو شأن الاستبداد في وأد مناكفيه، وعند الله تعالى تجتمع الخصوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد