أولًا لنعرفكم بشخصية الكواكبي، وهو عبد الرحمن بن أحمد البهائي، ويرجع نسبه إلى الإمام علي (عليه السلام)، وولد عام 1848م، كما يقول ابنه الدكتور أسعد الكواكبي، واضطر إلى أن يزوِّر ميلاده ست سنوات ما يجعل ميلاده في الأوراق الرسمية عام 1854م من أجل ترشيح نفسه للانتخابات في حلب أثناء نضاله ضد السلطة العثمانية، وهو من مواليد مدينة حلب، وأمه ابنة مفتي أنطاكية، عفيفة بنت مسعود آل النقيب، وينحدرون من النسل النبوي الشريف، وتوفيت عندما بلغ مفكرنا السادسة من عمره، وعندها أوكل والد الكواكبي بوصاية عبد الرحمن إلى خالته صفية آل النقيب، وبقي عندها في إنطاكية لمدة ثلاثة أعوام، وتعلم اللغة التركية على يدها، وعند عودته إلى حلب حفظ القرآن الكريم على يدي الشيخ طاهر الكلزي، وعاد وهو في الحادية عشرة من عمره الى أنطاكية ليكمل تلقي العلوم على يد الأستاذ نجيب النقيب، وهو كان أيضًا مدرسًا للخديوي عباس حلمي الثاني، وأجاد مفكرنا اللغة العربية، والفارسية، والتركية، مما جعله يطلع على مكتبة علمية وفكرية أوسع أثناء مسيرته من الموجودة بالغة العربية في تلك الفترة؛ ويعد هذا أحد أسباب نضوج فكره حسبما نرى عندما نقرأ كتبه وعبقريته فيها، وبعد مرور عام واحد عاد إلى مسقط رأسه ودخل إلى المدرسة الكواكبية ليتمم باقي العلوم منها العلوم العربية، والشرعية، إلى جانب المنطق والرياضة والطبيعة والسياسة.

واختلف مسار حياته عندما بلغ سن الثانية والعشرين فعندها قرر المشاركة في الحياة الاجتماعية والتأثير فيها؛ فعمل محررًا في جريدة الفرات الرسمية الحكومية، وكانت تصدر بلغتين التركية والعربية، وبعد عام واحد من العمل الشاق، قررت إدارة الجريدة تعيينه محررًا رسميًّا وبراتب 800 قرش، ولكن بعادته التي غلبت على كتاباته وتعطشه للحرية جعلته يتنافر مع المسار الحكومي للجريدة مما أدى إلى تركها، وتأسيس جريدة الشهباء في عام 1878م، أي في عمر الرابعة والعشرين، مع السيد هاشم العطار، وهي أول صحيفة عربية خالصة تشهدها ولاية حلب، ولم يكمل إلا 15 عددًا ثم أغلقوها، وبأنامله أيقظ ضمير العرب في حلب، والكواكبي استمر في نضاله ضد العثمانيين حتى أسس جريدة الاعتدال بعد عام واحد من إغلاق صحيفته الأولى؛ أي في عام 1879م، وأغلقت هي الأخرى بسبب اضطهاد العثمانيين على يد والي حلب، جميل باشا، وبعد أن أحس بأن السلطة تقف في وجهه، قرر الابتعاد عن نضاله، فاتخذ مكتبًا للمحاماة في حي الفرافرة، أحد أحياء مدينة حلب قريبًا من بيته، وكان يستقبل فيه الجميع من سائر الفئات ويساعدهم ويحصل على حقوق المتظلمين عند المراجع العليا ويسعى إلى مساعدتهم، وقد كان يؤدي عمله في معظم الأحيان دون أي مقابل مادي، حتى اشتهر في جميع أنحاء حلب بلقب «أبي الضعفاء». وكان الكواكبي معينًا في عدد من المناصب الفخرية، وهذا دليل على كفاءة الكواكبي وتعارضه مع السلطة ليس نابعًا من حرمان أو سلطة، فلقد كان تاجرًا، وأيضًا كان من بيت عز وشرف، فكانت ثورته من أجل الحرية، والتحرر من الظلم، ولقد كانت نفسه الحرة أكبر مما ورث من مال وجاه وسلطان. وبالتالي اضطر للهجرة إلى مصر؛ بسبب ما ذكرناه آنفًا من مضايقات العثمانيين له بشكل مستمر، وكان مفكرنا يمتلك ثراءً فكريًّا استثنائيًّا؛وذلك بسبب وصفه الدقيق للاستبداد وآثاره في المجتمع، ومعالجة الاستبداد، إذًا هنا تستعرض قوله في التربية في زمن الاستبداد «إن عبيد السلطة التي لا حدود لها، غير مالكين أنفسهم، ولا هم آمنون على أن يربوا أولادهم لهم بل هم يربون أنعامًا للمستبدين! وأعوانًا لهم عليهم». وهذه الصورة أبسط وأبرز مثال للقضية التي طرحها الكواكبي بعد تطبيع الإمارات بحجج واهية، وهذه البداية وسنشهد الكثير من هذه النماذج، والأوبئة المجتمعية إضافة إلى الأوبئة القديمة.

وعرف الاستبداد وقال: «هو الحكومة التي لا توجد بينها وبين الأمة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون نافذ»، وأكمل تشخيصه للاستبداد، وأحوال الأمم تحت هذا الداء المقيت، ودواء الاستبداد السياسي بالنسبة للكواكبي الشورى الدستورية، وما يعنيه الكواكبي بكلامه هذا نظام الخلافة الراشدة، إذ كانوا يعتمدون على الشورى باختيار الخليفة، وطبق هذا النظام في زمن صدر الإسلام فشهدنا خلافة عادلة، واستثنائية في التاريخ الإسلامي، إذ بعدها الخلافات أصحبت ملكية مقيدة، ثم ملكية مطلقة… وظل المسلمون يتمنون من بعد الخلافة الراشدة إلى يومنا هذا بعودة نموذج حكم شبيه بها، لما كان من العدل والإنصاف في ذلك الزمان. والشعوب التي تعاني من الاستبداد لوقت طويل تكون فقدت الثقة بحكامها، حتى أي شخص جديد يصعد لدفة الحكم «وكما أستلْفِت نظرهم أنه لا يوثق بمن يتولى السلطة أيًّا كان بعهده ويمينه على مراعاة الدين، والتقوى، والحق، والشرف، العدالة، ومقتضيات المصلحة العامة، وأمثال ذلك القضايا التي تدور على لسان كلَّ برًّ، وفاجر. وما هي في الحقيقة إلا كلام مبهم فارغ»، وهذا ما يراه الفرد على الأمة العربيو، وأمتنا الإسلامية الأبية؛ إذ تعاني ولا تعرف السبب والأسباب مذكورة بكتابه وإن عملنا بها وتأتينا بها يكون حلًّا لحالنا المزرية التي أوصلنا إليها أذناب الاستعمار ونوابه؛ إذ أنهكوا مقدرات الأمة لصالح المستعمر، وإن أعطانا الاستعمار الاستقلال الوهمي والحدود الوهمية، ولكي لا نظلم الحكام، ففي كل قاعدة شواي .ويستعرض قضية أخرى مهمة، قضيه نواجهها في يومنا الحاضر مثل قضية الفتور عند شباب الأمة العربية والإسلامية، أغلب شباب اليوم يتحدث كأنه العبد المبتلى بسبب حاله، وينوح ويبكي ويولول كالنساء، وإن حالنا ما هي إلا الاختبار، ويجب الصبر على الاستبداد والظلم، وقال مفكرنا في هذا الأمر: «ولبسطاء الإسلام مسليات خاصة بهم، يعطفون مصابهم عليها، هي نحو قولهم: الدنيا سجن المؤمن. المؤمن مصاب. إذا احب الله عبدًا ابتلاه». وأيضًا عندما نجلس في مجالسنا ويدور النقاش يذهب أحد ما إلى أن «هذا شأن آخر الزمان» وقرب ظهور الإمام المهدي، وهذا الكلام وباء ينتقل من شخص إلى آخر، ومن جيل إلى آخر ويفتك بالمسلمين تباعًا، «ويتناسون حديث ((أ الله يكره العبد البطال)، والحديث المفيد معنى: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم غرسة فليغرسها). ويتغافلون عن النص القاطع المؤجل قيام الساعة إلى ما بعد استكمال الأرض زخرفها وزينتها… وأين ذلك بعد؟!». والكواكبي وصف العرب ونصفهم وأعاد لهم مكانتهم التي يستحقونها في ذلك الزمان الغابر «العرب هم: أهدى الأمم لأصول المعيشة الاشتراكية. وأحرص الأمم على احترام العهود، عزة، واحترام الذمة، إنسانية، واحترامًا لجوار، شهامة، وبذل المعروف مروءة…» ولم يكتف بهذا، بل أعاد اليهم مكانتهم في الدين؛ لأنهم أهل لغة الدين، وأول من أنزل إليهم، واختارهم الله من دون الأمم الباقية لإيصال رسالة الإسلام، وقال الفاروق- رضي الله عنه-: «تعلموا العربية فإنها من دينكم وأعربوا القرآن فأنه عربي»، «وهم أنسب الأقوام لأن يكونوا مرجعًا في الدين، وقدوة للمسلمين، حيث كان بقية الأقوام قد اتبعوا هديهم ابتداء، فلا يأنفون عن اتباعهم أخيرًا. فهم الوسيلة الوحيدة لجمع الكلمة الدينية، بل الكلمة الشرقية».

وكان لمفكرنا، تراث فكري، ومقالات عديدة، وكتابان هما: «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، و«أم القرى»، ولديه كتب فقدت يوم وفاته وهي: «كصحائف قريش»، «العظمة لله»، «تجارة الرقيق وأحكامه في الإسلام»، وتوفي مفكرنا النجيب وتراثه لم يقرأه شباب اليوم إلا قلة، ووافته المنية وانتقل إلى الرفيق الأعلى عام 1902م، في الرابع عشر من يونيو (حزيران) عندما كان يحتسي القهوة في «مقهى يلدز»، قرب حديقة الأزبكية، في القاهرة، وإن ارتشف منها سرعان ما أحس بألم فظيع في أحشائه، وأعاده ولده كاظم إلى بيته وسرعان ما استفرغ ما في أحشائه، وذهب ولده لاستدعاء الطبيب وسرعان ما عاد وجد أباه قد وافته المنية وشاع خبر وفاته وامتلأت الصحف بخبر وفاته، كما وصف شخصيته صديقه الشاعر حافظ إبراهيم في بيت الشعر الذي ارتجله عند دفنه وقال:

هنا رجلُ الدنيا هنا مَهْبِط التُقَى…… هنا خيرُ مظلوم هنا خيرُ كاتبِ

قِفُوا واقرأوا أم الكتب وسلَموا…..  عليه فهذا القبر قبرُ الكواكبي

وسادت الظنون والشكوك أن السلطان عبد الحميد الثاني تعاون مع عملائه في مصر، لاغتيال الكواكبي مما يروى: أن هناك عميلًا دس السم بأطراف صفحات الكتاب؛بسبب عادة الكواكبي بتبليل أطراف أصابعه، وهنالك من اتهم الخديوي باغتياله، بسبب إسراعه في غسل جثمان الكواكبي، ودفنه في اليوم التالي، وذلك لعدم تشريح جثته التي كان من الممكن اكتشاف الجريمة، وهنالك باحثون معاصرون يأكدون أن وفاة الكواكبي طبيعية، ومنهم الباحث السوري نصرة الدين بحرة، الذي نشر بحثه في مجلة المعرفة السورية 2010م، بأن الأعراض التي وصفتها صحيفة المؤيد تتطابق مع أعراض مرض الخناق الصدري غير المستقر، وكثرت أسباب موته، لكن تراثه باق لا يموت.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد