ربما هي محاولة للابتعاد -ولو مؤقتًا- عن السياسة، والتخفيف من حدة الصداع المزمن والوجع المؤلم اللذين تجلبهما دائما للمعنيين بها، والمهتمين بشأنها. وهي محاولة -في الوقت ذاته أيضًا- ترمي إلى إحقاق الحق، وإنصاف أيقونة مصرية وطنية شهد له القاصي والداني بأخلاقه الحميدة، وتواضعه الجم، ويكن له الجميع، على اختلاف انتماءاتهم، فيما عدا قلة قليلة لا يقيم لها أحد وزنًا، كل محبة واحترام وتقدير.

محمد أبو تريكة أو «الماجيكو»، أو «الساحر» أو «أمير القلوب»، صاحب الشعبية الجارفة محليًا وعربيًا وأفريقيًا، نال عن جدارة واستحقاق لقب القدوة والمثل الأعلى داخل المستطيل الأخضر وخارجه، واستهوى عقول وقلوب الجميع، رياضيين وغير رياضيين، صغارًا وكبارًا، وهذا في واقع الأمر لم يتأت له من فراغ، بل بفضل مواقفه الأخلاقية والإنسانية والخيرية المشهود لها، ويكفي أن نضرب مثلاً في هذا السياق بـ«الأجندة الشهيرة» التي كان يحملها «الماجيكو» دائمًا، ويرفض أن يقترب منها أحد من زملائه، سواء في فريق النادي الأهلي الذي كان يلعب له، أو في المنتخب الوطني لكرة القدم، ولم تُعرف قصتها إلا بعد اعتزاله كرة القدم، حيث كانت تحتوي على أسماء أسر وأشخاص كان يحرص على مساعدتهم وتقديم يد العون لهم شهريًا.

ولا ننسى موقفه الرائع عندما رفض تقاضي مقابل مادي يصل إلى خمسين ألف يورو نظير مشاركته في افتتاح استاد الشيخ جابر الأحمد بالكويت، في المباراة التي أُقيمت في ديسمبر 2015 بين منتخبي الكويت ونجوم العالم الذي ضم أبا تريكة وديفيد بيكهام ولويس فيجو وروبيرتو كارلوس وآخرين من نجوم العالم، وقال آنذاك جملته المشهورة «شرف لي المشاركة في يوم عظيم وحدث كبير في بلد شقيق (الكويت)… وتقديرًا للكويت وسمو الأمير ومواقفه العظيمة». وتقديرًا لهذا التصرف النبيل الذي تفخر به مصر والمصريون، خصوصًا أن علم مصر كان يزين صدره في قميص نجوم العالم، طلب أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد مصافحة «الماجيكو» بين شوطي المباراة.

غير أنه ما يحز في النفس، ويدعو إلى الأسى والحزن، هو أن يتعرض أحد أفضل لاعبي كرة القدم في مصر والعالم العربي والقارة السمراء، وجالب السعادة والفرحة إلى قلوب جماهير كرة القدم لسنوات عدة، لحملات تشويه وتجريح مستمرة وممنهجة، من خلال بعض الإعلاميين -وما هم في واقع الأمر بإعلاميين- وعدد من صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي التي يعلم الجميع تمام العلم أنها تعمل بنظام الـ«ريموت كنترول»، فضلًا عن أحكام قضائية بمصادرة أمواله، واتهامات بالانضمام إلى جماعات إرهابية، ووضعه على قائمة الإرهاب، مما أجبره على ترك وطنه، والإقامة في قطر.

وعلى الرغم من هذا كله يظل «الماجيكو» صامدًا مثابرًا رابط الجأش لا يضره من عاداه، ولا تفت في عضده كل حملات التشويه، بل لا يفوت أي فرصة أو مناسبة للتشديد على انتمائه ووطنيته، والدفاع بكل ما أوتي من قوة عن بلده ومنتخبه الوطني، سواء من خلال قناة «بي إن سبورت» الرياضية القطرية، أو عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي.

أخيرًا، ضرب «أمير القلوب» مثالًا رائعًا في الوطنية الحقيقية عندما توجه -من دون تردد أو تلكؤ- إلى العاصمة السنغالية داكار لدعم ملف مصر في استضافة كأس الأمم الأفريقية أمام منافس قوي (جنوب أفريقيا)، والتي أعلن الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) فوز مصر بتنظيمها في يونيو (حزيران) المقبل، بعد حصولها على 16 صوتًا مقابل صوت وحيد لجوهانسبرج.

لا شك في أن «الماجيكو» عندما قام بهذا الدور لم يكن يريد من أحد جزاءً ولا شكورًا، بل فعل هذا بدافع من وطنيته وعشقه لأمه مصر التي أقسم على أن يكون وفيًا وبارًا بها حتى النهاية، ولكن هل يرِق قلب الأم على ابنها البار -الذي مات أبوه من دون أن يكون في وداعه أو يحضر جنازته، أو يقف لتلقي العزاء فيه- وتضمه إلى أحضانها من جديد مرفوع الرأس مجبور الخاطر؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد