سلسلة أعلام الأدباء

قبل ساعات، وضمن أحداث بطولة أستراليا المفتوحة للتنس، أطاح الشاب اليوناني، ستيفانوس تسيتسيباس، ابن العشرين عامًا -المصنف الـ15 عالميًا بين لاعبي التنس- بالنجم السويسري، روجيه فيدرير، (37 عامًا)، المصنف الثالث عالميًا. لم تسع القارة الأسترالية بأسرها فرحة تسيتسيباس؛ فهو يتابع فيدرير منذ كان طفلًا في السادسة من عمره، ويراه أسطورة في عالم التنس، والانتصار عليه يومًا يعني الكثير، والسيل حربٌ للمكان العالي.

وقبل أقل من أربعة أشهر، هزت اليابانية، نعومي أوساكا، (21 عامًا) عرش النجمة الأمريكية، سيرينا ويليامز، (37 عامًا)، وفازت أوساكا على مثلها الأعلى في بطولة أمريكا المفتوحة للتنس، وبعد أن كانت ترنو إلى سيرينا بعين الإعجاب، أضحت ترمقها بنظرة الند للند، و«طول ما الولادة بتولد، مفيش على الدنيا شاطر».

تبدأ الحكاية بالإعجاب والتقدير الكبير، ثم تتحول تدريجيًا إلى المنافسة، وأحيانًا تدفع المنافسة إلى الغبن وانتقاص قدر بعض القامات السامقة، وهذا بتمامه ما جرى مع فارس من أبرز فرسان المستطيل الأبيض، المنفلوطي، من بعض تلامذته وأتباعه ومريديه، وستقف بنفسك على موقف الزيات وطه حسين والعقاد والمازني من هذا العلم، وأصحبك في هذا اللقاء الماتع ولك القرار.

لو سألت أحدهم قبل نهاية الحرب العالمية الأولى: من أفضل كتاب المحروسة؟ لأجابك على الفور: إنهما الشيخان علي يوسف، ومصطفى المنفلوطي. كان المنفلوطي «فخر العرب» في عالم المقالة الأدبية كما كان مونتاني للفرنسيين، وفرانسيس بيكون للإنجليز؛ فمن هو مصطفى لطفي المنفلوطي؟

مصطفى لطفي المنفلوطي  (1876 – 1924م) (مصدر الصورة موقع الجزيرة نت)

اسمه مصطفى محمد حسن لطفي المنفلوطي، ونشأ -كما الرافعي- في بيت متدين، فأبوه من عترة الحسين وأمه تركية، وحمل أهله حسام القضاء الشرعي قرنين من الزمان، ومنهم والده قاضي منفلوط الشرعي. ينتسبون إلى منفلوط، وهي مدينة تتبع محافظة أسيوط وتبعد عن القاهرة 371 كم تقريبًا.

كان مولده في بعض أيام سنة 1876 ولم تذكر المصادر يوم ميلاده على وجه الدقة، لكن البعض يرى أنه ولد سنة 1875 ولا علم لي بمصدر تلك المعلومة، ولكن لا خلاف على اليوم الذي طويت فيه صفحته، وهو يوم أصيب سعد باشا زغلول في محطة مصر، وكان متوجهًا إلى الإسكندرية لتهنئة الملك فؤاد بعيد الأضحى، وسيأتي تفصيل ذلك لاحقًا. المهم أن المنفلوطي عاش في عالمنا 48 عامًا، قضى نصفها في القرن التاسع عشر ونصفها في القرن العشرين، فقد ولد قبل الاحتلال الانجليزي لمصر بخمس سنوات، ولبى نداء ربه بعد خمس سنوات من ثورة 1919.

حفظ القرآن الكريم في الكُتَّاب وهو ابن التاسعة، وكان والده يحرص أن يحضر مجالس الكبار؛ فسمع من الطرف والملح والنوادر والأشعار ما خلب لبه وأسر فؤاده، ثم نهد إلى الأزهر ووجد فيه راحة من عذابات زوجة أبيه، وكانت تفضل أبناءها -من زوجها السابق- عليه وتغض من قدره. توطدت، في القاهرة، صلته بكتب الأدب العربي القديم؛ فقرأ الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والعقد الفريد لابن عبد ربه، وأتى على كل ما كتب الجاحظ وابن المقفع وابن العميد.

الأزهر الشريف (مصدر الصورة موقع مصراوي)

الحديث عن هؤلاء الأعلام من رموز الثقافة في العصر العباسي، يسوقنا للتعرف إلى الرموز الذين تأثر بهم بشكلٍ مباشر ممن عاصرهم؛ فمن أبرزهم؟

ثلاث شخصيات كان لها كبير أثر في حياة المنفلوطي؛ الإمام محمد عبده والشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، والزعيم سعد زغلول، لكن أود أن أرجع إلى بداياته أولًا قبل أن يسلك درب الكتابة، ما قد يغيب عن جيلنا أن المنفلوطي نظم الشعر في سن العشرين، وكانت له مآخذ على النثر؛ فكان إما لونًا حائلًا من أدب القاضي الفاضل، ويمثله المويلحي الكبير والصغير –صاحب حديث عيسى بن هشام- وحفني ناصف، وإما أثرًا ماثلًا لفن ابن خلدون وفي ركابه نسج أحمد لطفي السيد وقاسم أمين. في هذا الجو عاهد المنفلوطي نفسه ألا يميل إلى أحد الفريقين، وقرأ أدب آل المويلحي وكان عذبًا رائقًا وإن غلبت عليه المحسنات البديعية؛ فعمل على تقليلها في كتاباته ما استطاع، ولما ظهر كتابه (النظرات) توهم البعض أنه تأثر فيه بكتاب جبران، ولو راجعوا أنفسهم أو التاريخ لوجدوا أن الكتابين ظهرا في وقت واحد تقريبًا؛ فكيف لهم بما يزعمونه دون تثبت؟!

أعود بك للشخصيات المؤثرة في حياته، وأقول قضى المنفلوطي 10 سنوات في الأزهر، وفصلوه من الدراسة على إثر قصيدة كتبها في هجاء الخديوي، وحُكم عليه بالسجن سنةً بتمامها، قضى منها ستة أشهر في سجن الحوض المرصود بالسيدة زينب، ولا أعرف أينه هذا السجن الآن لكنني أعرف جيدًا مستشفى الحوض المرصود، وقد زرته إبان عملي في الدعاية الطبية قبل 10 سنوات.

لكن الأهم من ذلك: ماذا جرى بعد دخوله السجن؟

بعد ستة أشهر قضاها على «البُرش»، توسط الشيخان عبده ويوسف، وخرج المنفلوطي من السجن ولم يُسمح له بالعودة للدراسة في الأزهر؛ فلزم الشيخ محمد عبده 10 سنوات، وأفاد من علمه وفكره، وانتقل الشيخ إلى جوار ربه يوم 11 يوليو (تموز) 1905؛ فضاقت القاهرة بما رحبت على المنفلوطي وعاد أدراجه إلى منفلوط.

تزوج وقرر أن يلزم منفلوط، وانزوى فيها عامين، ثم راسله الشيخ يوسف وطلب إليه أن يكتب مقالًا أسبوعيًا في المؤيد؛ فعاد إلى القاهرة مرة أخرى، وكان يطل على الناس كل خميس، وأحيانًا كل اثنين، وفق ظروف الطبع والنشر، وجمع هذه المقالات في (النظرات)، ومن خلال الشيخ يوسف تعرَّف إلى زعيم الأمة سعد زغلول باشا، وتوطدت علاقته به إلى يوم وفاته.

سعد زغلول (1858 – 1927م) (مصدر الصورة موقع ويكيبيديا)

وللشيخ علي يوسف أفضال جمة ومنها أنه لما توفيت زوجته، حاول الشيخ أن يزوِّجه ابنته، لكنه رفض لا لشيء إلا لأنها أغنى مني، وكان قد أنجب من زوجته الأولى توأمين وثلاث بنات، ثم تزوج للمرة الثانية من سيدة قاهرية سنة 1911، وله منها ابن يدعى «فاضل»، وقد مات في حياتي، وأنجبت أمه من بعده ولدين وأربع بنات.

ولما عيِّن سعد وزيرًا للحقانية (العدل) نقل معه المنفلوطي، ثم تولى وكالة الجمعية التشريعية، فاصطحبه حبًا فيه واعترافًا بمكانته؛ فكان سكرتيرًا للجمعية حتى تاريخ نفي الزعيم إلى مالطة في مارس 1919، وفصله الإنجليز من وظيفته تشفيًا منه وانتقامًا. وعاد الزعيم من منفاه، فأعاد للمنفلوطي اعتباره ورده إلى الجمعية التشريعة، فلما تولى رئاسة الوزارة وافتتح البرلمان، عيَّنه رئيسًا لإحدى لجان سكرتارية المجلس، وظل على رأس هذا العمل حتى وفاته.

فاتني أن أذكر لك أنه بعد خروجه من سجن الحوض المرصود، عدل عن الصدام مع الساسة وأهلها، والتزم باب الأدب العربي حتى ميلاد ثورة 1919؛ فتابع زعيمها وأخرج «في سبيل التاج»، وهي رواية فرنسية ترجمتها وكتب مقدمتها مصوِّرًا كفاح الشعب ضد الظالمين، ثم أنجز كتابًا عنوانه «القضية المصرية»، لم ير النور بتدبيرٍ من عبد الخالق ثروت باشا، ومن بعده إسماعيل صدقي باشا سنة 1929، ولم تفلح محاولات ورثته المتتابعة لنشر هذا الكتاب.

مصدر الصورة موقع المنهل ستور

لماذا شن عليه النقاد حملتهم الضارية؟ وما رده على هؤلاء ومن انتظم في سلكهم؟

اسمح لي أن نرجئ الحديث عن هؤلاء إلى وقت آخر، وعندي الكثير لأقوله وسأحدثك عن كتبه ثم النقاد حابلهم ونابلهم، ولعلّي أحسن نقل الصورة عنه ويسعدني أن أكون سفير المنفلوطي عند شباب واتس آب وفيسبوك وتويتر، ليعلموا أن المنفلوطي قد لاقى من النقاد ما لم يلقه فيدرير وسيرينا من تسيتسيباس وأوساكا؛ فإلى لقاءٍ قريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد