معركة المسيفرة من المعارك الشهيرة التي دارت رحاها بين الدروز وأبناء سهل حوران من جهة والقوات الفرنسية من جهة، وعلى أرض قرية المسيفرة الواقعة في محافظة درعا جنوب سوريا، والباحث التاريخي يرى اختلافًا واضحًا بين عدة روايات، ولنعرض هذا الاختلاف ثم نبين ما هو أقرب للصواب، لا بد لنا أن نُعرج على سؤالين مهمين، ما هي المسيفرة، ومن هم سكان المسيفرة؟

المسيفرة قرية سورية تقع في محافظة درعا، وهي مركز ناحية وسجلت عدد سكان 12383 عام 2010.

وسكانها هم أبناء عشيرة الزعبية ومن شيوخها وزعمائها الشيخ محمد الزعل الزعبي.

معركة المسيفرة

جرت أحداث المعركة في عام 1925، وتلت معركة المزرعة التي كان قائدها سلطان باشا الأطرش وهي نتيجة لزحف القوان الفرنسية باتجاه محافظة السويداء المجاورة لمحافظة درعا، وبعد معركة المزرعة قرر الجيش الفرنسي أن يقوم بتعبئة القوات والتوجه نحو قرية المسيفرة وقاد الحملة الكولونيل الفرنسي أندريا بقوة قوامها 1500 عسكري، وفي يوم المعركة لم يكتب النصر للثوار وكانت النتيجة فوز الفرنسيين وخسارة الدروز هذه المعركة.

يرجع سلطان باشا الأطرش سبب خسارة المعركة إلى طلقة أطلقها أحد الثوار قبل وصولهم إلى الموقع الذي أرادوا مباغتته بخمس دقائق، ويشير إلى هذا في مذكراته، غير أنه تفادى ذكر صاحب الطلقة التي أيقضت الفرنسيين وذكر اسمه الدكتور عبد الرحمن الشهبندر: وخلاصة ما جرى، أن الثوار أرادوا الزحف على المسيفرة خلسة قبل طلوع فجر السابع عشر من شهر يوليو (أيلول)، فاتفقوا أن لا يأتي أحدهم بحركة من شأنها تنبيه العدو، إلا أن عيارًا ناريًا أطلقه أحد المشتبه فيهم [إبراهيم الأطرش] أيقظ الحرس الفرنسوي قبل وصول المجاهدين بنحو خمس دقائق، فأخذوا في إطلاق الأسهم النارية، في الفضاء لإنارة الظلماء، ومن ثم ابتدأت المعركة بصورة شديدة جدًا، بحيث اضطر الجنود إلى الانسحاب والالتجاء إلى الاستحكامات التي أقاموها داخل القرية.

تجاهل سلطان الأطرش دور أهالي قرية المسيفرة واكتفى بذكر أسماء من استشهد من أعيانها وهم ثلاث في كلمات لم تتجاوز السطرين، فيقول: تراجعنا عن المسيفرة دون أن نتمكن من دفن قتلانا، وإنقاذ البعض من جرحانا، وقد أجهز الفرنسيون على هؤلاء وأحرقوا جثثهم مع جثث القتلى الآخرين، وكان من ضحايا الغدر الفرنسي ثلاثة من أعيان القرية، وهم: محمد الزعبي، حمد الموسى، وعبد الحليم المصطفى، أعدموا رميًا بالرصاص في أعقاب المعركة بسبب تأييدهم للثورة.

وأول ما أود التعقيب عليه هو عبارة (بسبب تأييدهم للثورة!) وهو ما أرى فيه تجاهل لدور باقي أهل المسيفرة، وذلك أن القرية ليست قرية درزية ولا هي تابعة للسويداء، فلماذا لم يُشر سلطان الأطرش في مذكراته على أن أهل المسيفرة اجمع لم يمنعوهم من افتعال معركة على أرضهم وبين أهليهم؟ وفي القرية النساء والأطفال وهكذا معركة ستهدم البيوت وتحرق المنازل وتُرحل الأهالي وتزهق الارواح؟

ثُم إنني أنتقد عدم ذكره هذا التأييد! فهل يمكننا أن نقول أنهم أيدوا المعركة، بالسلاح؟ أم بالقول فقط؟ وقد قدمت في البداية من هم سكان البلدة، من عشيرة هية من أشد عشائر حوران بأسًا وأكثر عشائر السهل الحوراني عددًا ولهم مشايخهم في عموم حوران وما من معركة في تاريخ حوران وحاضرها إلى ولهم فيها شهيد وجريح، وهل فقط هذا ما خسرته قرية المسيفرة، ومن ثم تقول: ثلاث من أعيان البلدة! ويقف باقي أبناء البلدة موقف المتفرجين، هل تتخيل أن تقتل أحد شيوخ عشائر حوران وفي زمن كانت العشائرية في حوران هي الأقور حضورًا ويقف باق أبناء العشيرة موقف المتفرج؟ وثم نقول: ثلاثة من أعيان البلدة؟ ماذا عن الحريق الذي نشب في بيوت الأهالي وجعل القرية كأنها قرية أشباح وما نتج من مصائب، يقول محمد علي الشيخاني: «جرت المعركة في عام 1925م، وقدر عدد الثوار ببضعة مئات فيما كان عدد الجنود الفرنسيين (1500) جندي، وقد استعمل الفرنسيون الطائرات والرشاشات والمدافع الثقيلة، ونتج عنها سقوط أكثر من 250 شهيدًا من الثوار فيما تكبد الفرنسيون خسائر فادحة بالأرواح وبالعتاد، وتخليدًا لذكرى أولئك الشهداء الأبطال فقد أقيم نصب تذكاري في مدخل البلدة يدل على عظمة ذلك الموقف».

معارك ورشاشات ومدافع والخسارة ثلاث أشخاص؟ ومن الغريب أن تجد كاتبًا ومؤرخًا وهو الأستاذ منير الريس يقول: معركة المسيفرة تعد من أكبر المعارك فخرًا لأبناء معروف، فلولا الطلقة النارية التي نبهت الفرنسيين في بداية المعركة لدخل الثوار القرية في الظلام وأجهزوا على الحملة في تحصيناتها. وليس كلامي انتقاصًا من بطولات أبناء بني معروف فهي مشهودة لهم في عدة معارك ولكن ليس بهذه، فأي فخر في معركة لم يكتب فيها الفوز؟ وجعلت من بلدة أمنة بلدة منكوبة، تصحوا على أصوات المدافع والرشاشات!

وخسر فيها الدروز أكثر من 270 رجلًا، ووصفها سلامة عبيد بالكارثة بالنسبة للدروز (6) كارثة بالنسبة للدروز وماذا عن الكارثة بالنسبة لأبناء البلدة؟ ومعاقل الفرنسيين لم تكن على أطراف البلدة، فقد ذكر الكتاب الذهبي لجيوش الشرق ان اللواء الخامس الفرنسي كاملًا كان يتواجد في البلدة المؤلف من أربع كتائب فرنسية:

– مركز القيادة عند مدخل البلدة.
-الكتيبة الثامنة عشر على طريق صيدا.
-الكتيبة التاسعة عشر في الجنوب الشرقي من القرية.
-سريتان من الكتيبة 29 وفريق رشاشات في الشرق.
-سريتان من الكتيبة 29 وفريق رشاشات في الشمال الشرقي.
-كوكبة فرسان الفرقة الأجنبية في ساحة القرية.

تمركز القوات بطريقة إذا قامت معركة فهي ستقوم في نصف البلدة ولا يمكن تفادي سقوط شهداء من المديين والمقاتلين ولو راجعنا ما جاء به سلامة عبيدات في كتابه الثورة السورية صفحة 121: لقد استطاع الهجوم الأول أن يوصل بعض المهاجمين الى داخل القرية.

وداخل القرية يعني بين الدور والسكان وكان من الإنصاف أن يذكر الدروز في تاريخهم دور آل الزعبي في المسيفرة وعموم حوران في هذه المعركة، فكما ذكرنا آنفًا أن الشيخ لا يمضي بشيء دون عشيرته ولا تمضي العشيرة بشيء دون شيخها، وعلى كاتب التاريخ عن يتجنب التحيز ويكون موضوعيًا فالتاريخ أمانة في رقبة من يؤرخه وهذه ليست المعركة الوحيدة التي تجنب فيها الدروز ذكر دور اهل السهل الحوراني كما سنقوم بتبيين ذلك في المقالات القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد