إن السرقة لا تنحصر في السرقات المحسوسة من ماديات وأموال وآلات، وبقية الأمور المعرضة للسرقة؛ فلقد ظهر نوع من السرقات، والذي يعد أدهى وأخطر وأكثر قبحًا مما هو معروف عن السرقات التقليدية، ألا وهو سرقة الإبداع الأدبي والشعري، ولا شك أن هذه الظاهرة قديمة؛ ففي العصر الجاهلي نبه الشعراء لهذه الظاهرة، وكان منهم من يفتخر بنفسه لتجنبه الوقوع في مثل هذا القبح؛ وكان منهم من يعتمد على شاعر سبقه في القول، ويسرق منه بيتًا أو صورة فنية، أو لفظًا، أو معنى.

ومنذ القدم رأى النقاد أن اتكال الشاعر على السرقة يعد بلادة وعجزًا يصدر عنه، وتعد السرقات الشعرية من الموضوعات التي أولاها النقاد اهتمامًا كبيرًا وعناية فائقة، فوقف النقاد على مدى صحة نسبة الأعمال الأدبية إلى أصحابها، وذلك ليميزوا شاعرًا عن آخر بالإبداع.

ويقول الحريري في مقامته الشعرية: «واستراقُ الشِّعر عند الشعراء، أفظعُ من سَرِقَة البيضاء والصَّفراء، وغَيْرَتُهُم على بنات الأفكار، كغيرتِهم على البنات الأبكار».

والآن نسلط الضوء على شاعر فاقت شهرته شهرة الخلفاء، وذاع صيته، ورددت أبياته على ألسن الناس، وامتدت شهرته من العصر العباسي إلى يومنا هذا، ووصفه أنصاره بأن له السبق في ابتكار العديد من المعاني، واكتشافه الكثير من الألفاظ، فيعدونه الشاعر الذي لم يسبق وأن وجد له مثيل في الأدب العربي، ذلك هو أحمد بن الحسين الذي يكنى بأبي الطيب المتنبي، أشهر الشعراء المحدثين، ومبدع الشعر الحكيم، وأكثر من امتدح نفسه، فهو الذي يقول:

«وما الدهر إلا من رواة قصائدي .. إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدًا»

لكن، بالرغم من كل هذا، ظهر أعداء وحساد للمتنبي؛ نظرًا إلى ما ناله من علو وشأن عند الأمراء والملوك، فكان لتلك الفئة رأي آخر، ولم يقبلوا بما وصفه أنصاره به، فعزموا على البحث في الشعر القديم؛ وأخذوا يلتمسون له الأخطاء والمعايب في شعره، ونسبوا له سرقة الشعر، وأن ما جاء به من الشعر ليس من ابتكاره.

المتنبي والاتهام بسرقة بيته المشهور؛ والذي يعد من أكثر الأبيات شهرة، وترددًا على ألسن الناس، فقد قال طرفة بن العبد في التعبير عن الإخفاق في الظَّفر بالحاجة:

«فيا لَكَ، من ذي حاجةٍ حِيلَ دُونَها .. وما كُلُّ ما يَهوَى امرؤٌ هو نائِلُهْ»

لقد قال طرفة هذه الحكمة الجميلة، وسمعها المتنبي بعد أكثر من قرن من الزمن، وأخذها وزاد عليها، وقال:

«ما كلُّ ما يتمنَّى المرءُ يدركُهُ .. تجري الرِّياحُ بما لا تشتهي السُّفُنُ»

ومن الجدير بالذكر أن المتنبي لم يكن أول من سرق هذا المعنى، بل سبقه أبو العتاهية، إذ إن أبا العتاهية عاش قبل المتنبي بنحو قرن تقريبًا، وقد أجاد أبو العتاهية في التعليل؛ إذ يقول:

«ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ .. رُبَّ امرِئٍ حَتفُهُ فيما تَمَنّاهُ»

ولم يقف بيت طرفة بن العبد، عند أبي العتاهية والمتنبي فقط، فها هو الشاعر بكر بن النطاح، الذي عاش في فترة قريبة من فترة أبي العتاهية، يكمّل ما بدأه الشعراء في المعنى، ويزيد عليه القليل من البيان، إذ قال:

«وَمَا كُلُّ ما يَخشَى الفَتَى واقِعٌ به .. ولا كلُّ ما يرجُو الفتى هو نائِلُهْ»

وفي نهاية الأمر، وإن يكن المتنبي كما وجهت له الاتهامات بأنه قد أخذ من غيره من الشعراء، فإنه لم يأخذها كما هي، فقد زاد عليها، وكساها رونقًا وجمالًا جديدًا، وصاغها بأجمل صيغة، ففاحت منها الروعة، وذاع صيتها إلى يومنا هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد