في آخر حلقة له ضمن برنامج «الصندوق الأسود» الذي بثته قناة القبس في 17 يناير (كانون الثاني)، رد الدكتور عبد الله النفيسي على أحد اعتراضات المشاهدين الذين استقبحوا استعماله لعبارات باللغة الإنجليزية، فقال إنه: «يستهدف شريحة من الناس ما بين 15 سنة و35 سنة، وأن هذه الشريحة تَطْرَب للمصطلح الأجنبي، وحين يتخلل حديثك شيء من هذا تنتبه هذه الشريحة، ولذلك أنا من فترة إلى أخرى «أقحم» في كلامي مصطلحًا أجنبيًّا لكسب انتباه هذه الشريحة. والشريحة فوق 35 سنة لهم مصالح في المجتمع، ولذلك هم ضد التغيير».

هذا العذر الذي قدمه الدكتور النفيسي أقبح بكثير من «الذنب» الذي اقترفه، والمتمثل في إقحام عبارات بالإنجليزية. أما أوجه القبح فهي كما يلي:

إقصاء النفيسي لشريحة واسعة من الناس

عُذْر النفيسي فيه ازدراء لشريحة واسعة من الناس، الذين يقل عمرهم عن 15 سنة أو يزيد على 35 سنة. فلسان حال النفيسي يقول إنه لا يعير اهتمامًا لآراء هذه الفئة. كما أنه يعمم بأن كل الناس الذين يزيد عمرهم عن 35 سنة، لا خير فيهم وهم ضد التغيير.

هذا الاستخفاف بشريحة واسعة من الناس شاهد على العنجهية التي طغت على كثير من آراء النفيسي، كما أنها دليل على قفزات النفيسي وتسرعه في استخلاص أحكام عامة استنادًا إلى حالات خاصة (كحكمه على الشعب الكويتي بأنه لا خير فيه، لمجرد أن فئة من الناس لم تمنع اعتقاله في ديوانية جاسم القطامي).

فقطعًا ليس كل الناس، بغض النظر عن أعمارهم وعن مصالحهم الشخصية، ضد التغيير (والذي يعنينا هنا التغيير الصحيح الذي أمر به الإسلام). فمثلًا، كثير من كبار الصحابة كانت أعمارهم تفوق 35 سنة وكانوا ذوي مكانة في أقوامهم ولهم مصالح في مجتمعاتهم، ومع ذلك آثروا الإيمان بالرسول على المصالح.

فأفضل رجال هذه الأمة بعد الرسول، أبو بكر الصديق، أسلم في سن السابعة والثلاثين. وسيد شهداء الأمة، حمزة بن عبد المطلب، أسلم وعمره 42 عامًا. وزوجة الرسول خديجة بنت خويلد، أسلمت في عمر 55 سنة. وعمرو بن العاص أسلم وكان يبلغ من العمر نحو اثنتين وأربعين سنة. وأسلم عمار بن ياسر وهو فوق الأربعين عامًا. ووالداه – سمية بنت خياط وياسر بن عامر – أسلما وعمرهما يفوق الخمسين عامًا.

ونعجب أيضًا لإقصاء النفيسي لشريحة واسعة من الناس الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة، وكأن هؤلاء ليست لديهم عقول وليسوا قادرين على الفهم، فلا أدري إلى ماذا استند النفيسي في هذا الإقصاء؟

فالرسول كان يدعو جميع الناس للإسلام، صغارًا وشبابًا ورجالًا وشيوخًا. ويكفينا هنا ذكر بعض كبار الصحابة الذين أسلموا وهم دون الخمسة عشر عامًا، منهم علي بن أبي طالب (أسلم في سن الثامنة)، وطلحة بن عبيدة الله (أسلم وكان عمره 11 عامًا)، والأرقم بن أبي الأرقم (كانت سنه حين أسلم 12 عامًا)، وعبد الله بن مسعود (كان عمره 14 سنة حين أسلم).

النفيسي هو الذي يَطْرَب للعبارات الإنجليزية

إلى جانب تجرؤ النفيسي في إصدار تعميمات استنادًا إلى حالات خاصة، لديه أيضًا جُرأة في إصدار إطلاقات غريبة دون أي سند، ليبني عليها من ثم أحكامه.

فمثلًا أطلق النفيسي على السفير البريطاني السابق في العراق، همفري ترفليان، أنه يهودي. ولما قيل له إن السفير كان مسيحيًّا، لم يستطع الإتيان بأدلة على أن ترفليان كان يهوديًّا، بدلًا من ذلك استرسل في الحديث عن «اليهود المتخفين» (وتعمد هنا أيضًا إدخال عبارات إنجليزية وكأن السامع لا يفهم معنى «اليهود المتخفين» إلا إذا سمع المصطلح باللغة الإنجليزية)، دون أن يستطيع البرهنة على أن ترفليان من اليهود المتخفين.

وكذلك الحال بالنسبة لادعاء النفيسي أن: «الشريحة من الناس ما بين 15 سنة و35 سنة تَطْرَب للمصطلح الأجنبي».

فوجب هنا توجيه أسئلة للدكتور النفيسي، وهو رئيس سابق لقسم العلوم السياسية في جامعة الكويت، يعلم أن أي استنتاج سياسي أو اجتماعي يجب أن يستند إلى بحث ميداني، وإلا كان ارتجاليًّا يفتقد لمعيار علمي: كيف عرف النفيسي أن هذه الفئة العمرية من الناس تَطْرَب للمصطلح الأجنبي؟

هل أجرى استبيانًا واسعًا يستطلع فيه أولًا: نسبة الذين يفهمون أصلًا اللغة الإنجليزية، ثم كم نسبة الناطقين بالإنجليزية الذين يَطرَبون فعلًا لهذه اللغة أم يعدون تعلمها مرتبطًا بالحاجة إليها فقط وليس لحبها؟ وكم النسبة التي تشمئز لإدماج عربٍ مصطلحات إنجليزية أو فرنسية في حديثهم إلى أناس ناطقين بالعربية؟

ثم حتى لو افترضنا جدلًا أن نسبة من الشباب المسلم «تَطرب للمصطلح الأجنبي»، فواجب الأكاديميين والدعاة نصحهم وتبيان أن اللغة العربية جزء لا يتجزأ من هوية المسلم، وأنه ليس من المروءة ولا الأدب خلط العربية بكلمات أعجمية، وأن ذلك من علامات عقدة النقص والانهزام النفسي.

ونحن إن كان لا يمكننا بحال الادعاء بأن المسلمين الناطقين بالعربية «يَطْرَبون للمصطلح الأجنبي»، فإنه يمكننا القول بأن عبد الله النفيسي هو من يَطْرَب للغة الإنجليزية ويتباهى بالحديث بها، وإلا لما آذى أسماعنا بإقحام عبارات منها دون أي حاجة لذلك، غير مبال بأن كثيرًا من السامعين لا يفهمون الإنجليزية، وغير مبال أنه يخاطب جمهورًا لغتهم الأم هي العربية، ومتجاهلًا أن العبارات العربية أدت وظيفتها وأوصلت المعنى، ومن ثم لا داعي لتكرار المفهوم نفسه بعبارات إنجليزية.

من الإسفاف القول إن شد اهتمام السامع يتأتى بعبارات غربية

ليس هناك حرج أن يختار شخص التركيز على شريحة عمرية محددة من الناس ليخاطبها، لكن دون أن يصرح علنًا بذلك؛ لكيلا لا يقصي كلية الفئات العمرية الأخرى ويثيرها ضده. لكن المصيبة تكمن في الوسائل التي يريد استعمالها لجلب اهتمام الفئة المرغوب فيها. فهناك وسائل عدة تُتَّخذ للوصول إلى الشباب، من بينها تنظيم أنشطة رياضية، وتناول قضايا تلمس بطريقة مباشرة الحياة اليومية للشباب، إلخ. لكن لم نسمع قط أن شخصًا يريد شد انتباه الشباب بالتحدث إليهم بخليط من العربية ولغة أجنبية كالإنجليزية أو الفرنسية. هذا قمة الإسفاف!

فشد اهتمام الناس يتحقق بقوة الأفكار التي يعرضها المُخاطِب، وقوة اللغة العربية وسلامتها من أخطاء فادحة، وعدم خلطها بمصطلحات أجنبية، مع الوضوح في الأفكار.

فمثلًا من أهم أسباب فوز قيس سعيد بأغلبية ساحقة في الانتخابات الرئاسية (72%) هو تحدثه باللغة العربية الفصحى دون أن يخلط كلمة فرنسية أو إنجليزية واحدة في خطاباته للجماهير، وغالبية من انتخب قيس سعيد هم فئة الشباب. فهذا مثلٌ يُكَذِّب جملة وتفصيلًا مزاعم عبد الله النفيسي بأن الشباب يَطربون للعبارات الأجنبية، خصوصًا إذا علمنا أن تونس تغلغل فيها الاستعمار الفرنسي ليشمل ثقافة الناس ولسانهم، فلا تكاد تجد شخصًا في تونس لا يتحدث بخليط من العربية والفرنسية.

ولدينا كتابات سيد قطب، التي تأثر بها النفيسي لمّا كان شابًا، وما زال (أي سيد قطب) يؤثر إلى يومنا هذا في ملايين المسلمين – منهم الشباب – بسبب أسلوبه العربي الفصيح، وقوة أفكاره.

فالجمهور المسلم ليس هناك ما يحرك وجدانه أكثر من قول الله والرسول، فإن كانت الأفكار تستند لأدلة من الكتاب والسنة، ويتخلل الحديث استشهادات بآيات وأحاديث، فذلك قمة الأداء. وكيف لا تهتز روح المسلم عند سماع كلام الله، والحجر يهتز له، «لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ». فليست هناك لغة في الدنيا ولا كلام يُحْدث في النفوس ما يُحْدثه كلام الله في الأنفس المؤمنة، فالله يقول: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا»، «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ»، «وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ».

خلط العربية بالإنجليزية أو الفرنسية علامة على الانهزام النفسي وعقدة النقص

هناك مئات اللغات الحية يتحدث بها الناس في مختلف بقاع العالم، فلماذا من كل هذه اللغات لا «يطرَب» المسلمون إلا لبضعة لغات غربية (وعلى رأسها الإنجليزية والفرنسية)؟ ابن خلدون يجيب عن ذلك في المقدمة: «إن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسّبب في ذلك أنّ النّفس أبدًا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إمّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أنّ انقيادها ليس لغلب طبيعيّ إنّما هو لكمال الغالب».

فخلط عبارات من لغات غربية كالإنجليزية أو الفرنسية دليل على عقدة النقص، وعلى «مراهقة» فكرية تتمثل في التبجح بلغة الغرب.

فمن مظاهر عقدة النقص انبهار المتحدث بثقافات الغرب ولغاته، فيظن أن كلامه لا يكون له شأن ويجد آذانًا صاغية إلا إذا تخلله مصطلحات غربية وأكثر الاستشهاد بأقوال رجال غربيين، حتى في أمور الأصل فيها الرجوع لقول الله والرسول؛ لأن أمرها يعود للوحي وليس للعقل.

وقد ذم المسلمون منذ عهد الصحابة خلط اللغة العربية بالأعجمية. فمثلًا يقول ابن تيمية: «كره أحمد أن يتعود الرجل النطق بغير العربية، فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون في الأدعية التي في الصلاة والذكر: أن يُدعى الله أو يذكر بغير العربية» (من كتاب: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم).

لاحظ هنا أن أئمة المسلمين كانوا يكرهون الأدعية والذكر بالأعجمية بالنسبة للمسلمين الأعاجم، فكانوا يحثونهم على تعلم العربية، فما بالك بمن يخلط العربية بالأعجمية وهو يعرف اللغة العربية؟

ويضيف ابن تيمية: «وأما الخطاب بها (أي اللغة الأعجمية) من غير حاجة في أسماء الناس والشهور – كالتواريخ ونحو ذلك – فهو منهي عنه. وهذا قول مالك أيضًا؛ فإنه قال: لا يُحْرِم بالعجمية، ولا يدعو بها ولا يحلف بها، وقال: نهى عمر عن رطانة الأعاجم وقال: «إنها خب» (خب: المكر والغش)، فقد استدل بنهي عمر عن الرطانة مطلقًا (الرِّطانة بكسر الراء ويجوز فتحها هو كلام غير العربي).

وقال الشافعي: «سمَّى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع: تُجَّارًا، ولم تزل العرب تسميهم التجار، ثم سماهم رسول الله بما سمى الله به من التجارة بلسان العرب، والسماسرة اسم من أسماء العجم، فلا نحب أن يسمي رجل يعرف العربية تاجرًا، إلا تاجرًا، ولا ينطق بالعربية فيسمي شيئًا بأعجمية، وذلك أن اللسان الذي اختاره الله لسان العرب، فأنزل به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد، ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها؛ لأنه اللسان الأولى بأن يكون مرغوبًا فيه».

فقد كره الشافعي لمن يعرف العربية، أن يُسَمِّي بغيرها، وأن يتكلم بها خالطًا لها بالعجمية، وهذا الذي قاله الأئمة مأثور عن الصحابة والتابعين. وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية – التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن – حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، أو لأهل الدار، أو للرجل مع صاحبه، أو لأهل السوق، أو للأمراء، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه فإنه من التشبه بالأعاجم، وهو مكروه كما تقدم. ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر، ولغة أهلهما رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية، وأهل المغرب، ولغة أهلها بربرية، عوّدوا أهل هذه البلاد العربية، حتى غلبت على أهل هذه الأمصار: مسلمهم وكافرهم، وهكذا كانت خراسان قديمًا.

وفي الختام، أنقل من الجامع الصغير للسيوطي، حديث الرسول: «منْ أحسنَ منكمْ أنْ يتكلمَ بالعربيةِ، فلَا يتكلمَنَّ بالفارسيةِ، فإنَّه يُوَرِّثُ النفاقَ». ويلحق بالفارسية كل لغة أعجمية، فإنما خُصَّت الفارسية هنا لأنها كانت طاغية في ذلك الزمان. فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد