يعد شهر رمضان شهرًا مقدسًا لدى جموع المسلمين، فهو شهر التوبة والغفران، وشهر الوصل والإيمان، ودائمًا ما يكون فرصة العصاة في التوبة والعودة إلى الله، وعادة ما يتيح فسحة للقاطعين رحمهم بالوصال والعودة إلى رحاب العائلة، لكن رمضان هذا العام عرف ممارسات وسلوكات غريبة وشاذة ومنافية لنفحات الشهر الكريم، وذلك بعد إعلان مجموعة من البلدان عن قرار تقشعر له الأبدان، ويحير الأذهان؛ إذ قامت كل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين بفرض حصار بحري وبري وجوي على دولة قطر، وقامت بقطع علاقاتها الدبلوماسية معها بذريعة دعمها للإرهاب، المتابع لطبيعة العلاقات بين هذه الدول يلاحظ أن الأزمة بين هذه الدول بلغت أوجها وذروتها، إذ تعد هذه الأحداث سابقة في تاريخ العلاقات الخليجية.

وتعد دولة الإمارات العربية المتحدة القطب الرئيسي في هذا التحالف المحاصر لقطر، وتأتي هذه الخطوات اللا إنسانية كحلقة في سلسلة طويلة اتخذتها الإمارات لتحقيق مجومعة من الأهداف الاستراتيجية، لعل أبرزها محاصرة وتحجيم دور الإسلام السياسي خاصة جماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها الإمارات على أنها تنظيم إرهابي، حيث ظهر هذا الهدف بشكل جلي يمكن لأي متابع لهذه الأزمة أن يلمس هذا الحقد والكره الموجه ضد هذه الجماعة، حكاية هذا الحقد ليست وليدة هذه الأزمة؛ بل هي موجودة منذ بداية الألفية، وتجسدت في فصول كثيرة من الممارسات الكيدية والضغط باتجاه إضعاف هذا التنظيم والقضاء عليه.

بداية هذا الصراع كان في الإمارات سنة 2003 باقتراح حل جمعية الإصلاح الذراع الإخواني في الإمارات، هذه الخطوات أدخلت الأمير الشاب وولي العهد محمد بن زايد آل نهيان في صدام مع الجماعة حيث تم مصادرة أراضي وعقارات تابعة للجمعية، وتواصل الصدام بين الرجل القوي في الدولة والحاكم الفعلي مع أعضاء هذه الجمعية سنة 2006، بعد إبعاد عدد كبير من المعلمين رد عليها أعضاء التنظيم بتجمعات ومحاولة فرض ضغط إعلامي لإحراج السلطات الإماراتية، خاصة وأن جمعية الإصلاح كانت تحظى بدعم شعبي واسع على الأرض، لكن إصرار الأمير على قراراته لم يغير شيئًا على أرض الواقع.

هذه العداوة لم تعرف هدوءًا؛ بل اتسمت بالتصعيد حيث شهد العالم كله سنة 2009 حرب غزة بأسى وألم نتيجة العدد الكبير من الضحايا والأبرياء الذين سقطوا في هذه الحرب، إلا دولة الإمارات التي كانت تدعم هذه الحرب بكل قوتها لتحقيق هدف واحد ألا وهو القضاء على حركة حماس المحسوبة على تنظيم الإخوان، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل شهدت العلاقات بين الإمارات وحركة حماس الكثير من التراشق الإعلامي والتوتر، كما عرفت سنة 2010  اغتيال القيادي الشهير في الحركة محمود المبحوح من قبل أجهزة الموساد الإسرائيلي في أحد الفنادق في دبي بعد أن كان في مهمة،  وتشير الكثير من التقارير إلى تورط الإمارات ولو بشكل غير مباشر في عملية الاغتيال، وذلك بقبولها أن تكون مسرحًا للجريمة.

قمة العداوة للإخوان عرفتها سنة 2013، وذلك بعد الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي في مصر حيث قاد وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي انقلابًا عسكريًّا انتهى بالقبض على السلطة بقبضة حديدية، وتم هذا الانقلاب بمباركة إماراتية وسعودية، إذ قدمت الإمارات مساعدات مالية كبيرة نظير إتمامها لعملية الانقلاب، ووضعت ثقلها الإعلامي والمالي لخدمة الجنرال المنقلب، إذ وضعت تحت تصرفه قنوات تلفزيونة كبيرة مثل قناة العربية وسكاي نيوز، كما قدمت له مساعدات مالية تجاوزت 12 مليار دولار بهدف إنجاح الانقلاب وتثبيت السيسي في الحكم، فرغم المجازر التي ارتكبها الجنرال السفاح في سبيل تنفيذ مشروعه إلا أنه وجد كل الدعم وتم الاعتراف بنظامه ودعمه دبلوماسيًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا متجاهلين دعوات حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية والشعارات التي تروج لها.

فصل آخر من العداوة عرفته العلاقة بين الإمارات والجماعة كان العام الماضي بعد فشل الانقلاب العسكري في تركيا أردوغان، وذلك في خضم أحداث الانقلاب التي عرفت ترحيبًا إماراتيًّا؛ إذ باتت القنوات التي تتبنى الخط الإماراتي في ليلة بهيجة قبل أن يتكشف مع خيوط الفجر الأولى أن عملية الانقلاب باءت بالفشل لتتحول إلى دار للعزاء، ووصف عملية الانقلاب بأنها مسرحية مفضوحة لأردوغان لتقوية شعبيته.

إن سياسة العداء المستعرة المتواصلة ضد جماعة الإخوان لم تعرف حدًّا ولم تتوقف، وقد كانت من الأسباب الرئيسية التي حملت الإمارات على قيادة الحلف الخليجي مع مصر لحصار قطر، وقد بدا ذلك واضحًا من خلال الشروط التي وضعتها لرفع الحصار؛ إذ اشترطت طرد قيادات حركة حماس وقيادات الإخوان الفارين من مصر بعد الانقلاب، كما وضعت الشيخ يوسف القرضاوي على قائمة الإرهاب رفقة قيادات إخوانية كويتية على رأسهم حاكم المطيري،  ولضيق المقام لا يمكن لهذا المقال أن يوضح كامل معالمها، ويكشف كل أطوارها، فهي عداوة شاملة كاملة تحير الحليم، ولا تقدم شيئًا لا للعرب ولا للمسلمين ولا حتى لدولة الإمارات، فقد كلفتها حملتها ضد الجماعة أموالًا طائلة، كما شوهت سمعتها عند سكان العالم العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد