وسط موجات عاتية من الحرب الإعلامية ووابل متصل من الاتهامات والتشهير خاض حزب “النور” معركة انتخابية غير منصفة أمام فلول النظام الأسبق وحفنة من رجال الأعمال المنضوين تحت لواء حزب “المصريين الأحرار” وقائمة “في حب مصر”، وعلى الرغم من أن الحزب السلفي معتاد على هذا الهجوم الإعلامي الشرس قبيل كل استحقاق انتخابي إلا أن ضراوة الهجوم تلك المرة فاقت الحدود وتجاوزت التوقعات حيث تضافر فيها الإعلام الخاص والحكومي، المرئي والمقروء والمسموع والإلكتروني، فلا تكاد تشاهد برنامجا حواريا يتناول موضوع الانتخابات البرلمانية إلا وتجد تشهيرا بالحزب وسبا لرموزه وتخوينا لقياداته وكأن مقدمي البرامج وضيوفهم كانوا يتبارون في مدى الانتقاص من الحزب بأي شكل وبكل وسيلة حتى أن بلغ الأمر ببعضهم لاتهام كوادر الحزب بالجاسوسية والعمالة لأمريكا وإسرائيل وبلغ بالبعض الآخر لاتهامهم بأنهم بايعوا داعش على الرغم من مقتل أمين الحزب ومرشحه الوحيد في سيناء على يد داعش ويالها من كوميديا سوداء.

وعلى الرغم من العداوة المحتدمة والفرقة البينة بين أنصار السيسي وأنصار الإخوان إلا أنهم اجتمعوا على البغض الشديد والهجوم الشرس على حزب “النور” وكأن فساد العباد والبلاد معلق برقبة الحزب وتناسوا جميعًا ما تحمله حزب النور للمرور بالوطن لبر الأمان فلم يغرق في مستنقع الحرب الأهلية كما حدث في ليبيا والعراق واليمن ولم يهو إلى هوة جحيم المعتقلات وافتراس كل ما هو إسلامي كما حدث في فترة عبد الناصر المشؤومة.

وبلغ التآزر بين أنصار الإخوان وأنصار السيسي ضد الحزب السلفي إلى حد اتهام منسقة قائمة التحالف الجمهوري – الوثيقة الصلة بدوائر الأمن المصرية – للإخوان بدعم قائمة في حب مصر مقابل طرح مصالحة مع الإخوان بدعم غربي واستدلت على ذلك بصور لاجتماع بين اللواء سيف اليزل وقيادات من جماعة الإخوان في دولة الكويت ولا أحد حتى الآن يعرف على وجه اليقين مدى صدق تلك الادعاءات إلا أنه ما من شك أن جماعة الإخوان وأنصارها سعوا بكل ثقلهم لإسقاط حزب النور وبذلك اجتمع ثلاثة خصوم على نفس الهدف، فلقد اجتمعت الكنيسة بذراعها السياسية حزب المصريين الأحرار والفلول من خلال قائمة “في حب مصر” والإخوان وأنصارهم للقضاء على حزب “النور”، وبدا جليا أيضا تعنت الجهات الأمنية وتدخلها أحيانا بفظاظة لتقويض فرص الحزب في حصد أكبر عدد ممكن من مقاعد مجلس النواب.

ومن العجيب أنه بعد كل ما تعرض له الحزب من حرب إعلامية من عشرات القنوات الفضائية وحشد طائفي ورشى انتخابية واضطهاد أمني، نجح الحزب في تمرير اثنين وثلاثين من أعضائه لجولة الإعادة وحصد مليون وربع من أصوات الناخبيين لقائمتيه وبالطبع كان العدد سيتضاعف إذا شارك بأربع قوائم كما كان مقررا، لكن وماذا عن فضيحة قائمة حزب النور كما سماها الإعلام؟

لقد انتشى الإعلام كثيرا بخسارة قائمة حزب النور لغرب الدلتا بالذات وأطلقوا إثر ذلك عشرات المانشتات الساخنة على شاكلة اإنهيار الحزب السلفي”،”سقوط مدو للنور في معقله الرئيسي”، “فضيحة النور في الإسكندرية”، “صفر حزب النور” وغيرها العشرات، لكن هل فعلا ما حققه الحزب من نتائج في تلك القائمة يعد سقوط مدويا وانهيارا لشعبيته في أحد معاقله الرئيسية؟

أزعم أن ما حققته قائمة حزب النور لغرب الدلتا كان إنجازا براقا على الرغم من أنه خرج من السباق الانتخابي صفر اليدين، إلا أنه بالرجوع إلى لغة الأرقام – اللغة الوحيدة التي لا تكذب – نجد أن الحزب حقق ما يقرب من 600 ألف صوت (60% من أصوات مرسى مطروح 50 % من أصوات البحيرة و30% من أصوات الأسكندرية)، حقق الحزب تلك الأرقام في مواجهة ثلاث قوائم تضم ما يقرب من ستين حزبا وائتلافا بالإضافة لرجال أعمال فاحشي الثراء، أي أن الحزب حاز بمفرده على ثلث أصوات الناخبين في مجموع المحافظات الثلاث – وهذه النسبة أعلى من التي حصل عليها في انتخابات برلمان 2012 فلقد حصل آنذاك على 23% من أصوات الناخبين – وكان هذا يكفي لحصوله على خمسة مقاعد من أصل خمسة عشر مقعدا تم تخصيصها لقائمة غرب الدلتا إلا أن قانون الانتخاب العقيم – الذين ربما وضع خصيصا لإقصاء الحزب من معاقله الرئيسية – أقر نظام القائمة المطلقة وليست النسبية مما أهدر أصوات ما يقرب من 600 ألف ناخب، ويتضح جليا مما سبق أن حزب النور حقق تقدما ملحوظا ونجح في التواصل مع حاضنته الانتخابية على الرغم من حرب شراء الأصوات التي تعرض لها والإبادة الإعلامية التي اكتوى بلهيبها، وذلك ما اعترف به الأنبا بولا في تسريبه الشهير حينما قال أن الحزب السلفي تم إسقاطه بفضل أصوات الأقباط الذين تم حشدهم للنيل من الحزب لتجنب الدخول في إعادة قد تحسم النتيجة لصالح حزب “النور”.

و من الأهمية بمكان أن نعرج على نقاط ضعف الحزب السلفي، فحزب النور يؤخذ عليه ضعف موارده المالية ولقد بدا ذلك جليا في حجم الدعاية الانتخابية والحملات الترويجية التي نفذت دعما لحملته الانتخابية، ويؤخد عليه أيضا تراخي وتكاسل بعض أعضائه وعدم استشعارهم بثقل المسئولية الملقاة على عاتقهم مما ترك المجال مفتوحا لفلول الحزب الوطني وبعض الأحزاب العلمانية المدعومة كنسيا لاقتناص الفرصة، وفور ظهور المؤشرات الأولية للانتخابات خلع أولئك الأقنعة عن وجوههم وأطلقوا سيلا من التصريحات حول سعيهم لطمس الهوية الإسلامية للدولة المصرية واجتثاث أي رصيد من الحريات والعدالة حاول ثوار يناير بلوغه.

وبلا شك أن الحزب حقق مكاسب من خلال المشاركة السياسية في الاستحقاق الانتخابي الأخير لعل أبرزها الحفاظ على وجوده السياسي وتوفير غطاء وحماية للوجود الدعوي والمجتمعي لأبناء الدعوة السلفية وكذلك زاد احتكاك أبناء الحزب بشرائح متنوعة من المجتمع المصري واكتسبوا خبرات كبيرة في التعامل مع المعارك الانتخابية، كل ذلك سيتضح أثره جليا في المرحلة القادمة إذا أحسن السلفيون استثماره وقطف ثماره، لكن ترى كيف يستشرف حزب النور المستقبل وهل تعد تلك الانتخابات هي الضربة القاسمة له أم أنها دفعة للانطلاق نحو الأفضل؟

يكاد كل محلل سياسي منصف أن يجزم أنه إذا أحسن الحزب السلفي وقواعده تنظيم صفوفهم والعودة بسرعة لسابق أنشطتهم الدعوية والاجتماعية واتخذوا الانتخابات الأخيرة كنقطة بداية للبناء وتطوير الذات متقبلين كل نقد موضوعي، فإنه من المؤكد أن الحزب سيحظى بمستقبل مشرق وسيتصدر انتخابات برلمان 2020 ولكن على قيادات الحزب وأبنائه أن يأخذوا في الاعتبار عدة جوانب لتحقيق التقدم المنشود لعل أبرزها احتياجهم الشديد لمنبر إعلامي قوي يبثون من خلاله أفكارهم ورؤاهم دون تشويه أو تزييف ويدافعون عن تواجدهم السياسي والدعوي والمجتمعي كما أنهم لابد أن يعيدوا ترتيب صفوفهم ويفسحوا المجال أكثر لقيادات ذات كفاءة إدارية عالية لتولي زمام إدارة العمل السياسي والدعوي والمجتمعي فمما لا شك فيه أن الحزب السلفي وحاضنته الانتخابية الأم الدعوة السلفية يعانيان من جمود مؤسسي وفوضى إدارية في معظم المحافظات المصرية باستثناء البحيرة والأسكندرية ومطروح وكفر الشيخ، كما أن أبناء الحزب لابد أن يحسنوا استغلال ما حققوه من تواصل شعبي خلال فترة الدعاية الانتخابية لتكثيف أنشطتهم الاجتماعية والدعوية فلقد أظهرت الانتخابات السابقة أن العديد من أبناء الوطن متعطشون لدعم الحزب وعودته لصدارة المشهد بشرط زيادة التواصل وتوضيح الرؤية ودحض الافتراءات الإعلامية.

لعل المتأمل في التاريخ القريب يرى بوضوح أن حزب النور يخطو على نفس درب ائتلاف سيريزا اليوناني فالأخير لم يحصل في انتخابات 2004 البرلمانية سوى على 6 مقاعد من 300 مقعد وظن الجميع أنه ائتلاف سياسي ضعيف وبلا مستقبل إلا أن أعضاءه الـ 6 نجحوا في تقديم صورة مشرفة للائتلاف وفي نفس الوقت سعى أنصار الائتلاف للتواصل البناء مع المجتمع اليوناني مما انعكس على نتائج الانتخابات اللاحقة حيث حصل سيريزا على 14 مقعدا في انتخابات 2007 مما زاد حماس أعضائه في التواصل مع شرائح أكبر من المجتمع اليوناني ومرت سنوات عجاف على اليونان شهدت خلالها البلاد عدة استحقاقات انتخابية لم تزد أعضاء الائتلاف إلا تصميما على مواقفهم على الرغم من ضعف إمكانياتهم المادية في مقابل الأحزاب الأخرى حتى خاض الحزب انتخابات 2015 وسط هجوم إعلامي شديد لا يواجهه إلا دعم مجتمعي قوي، فكانت النتيجة محسومة لصالح الشعب فتصدر الحزب الانتخابات وحصل على 149 عضوا من أصل 300 مقعد محتلا بذلك المرتبة الأولى بلا منازع وشكل الحكومة التي تبذل جهودا مضنية للخروج باليونان من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد.

وإني لأرى التاريخ يكرر نفسه فمصر تمر بأزمة اقتصادية خانقة وانقسام مجتمعي حاد أتاحا الفرصة لحفنة من رجال الأعمال الفاسدين لتصدر المشهد الانتخابي وعما قريب سينكشف جليا ضعف أدائهم داخل البرلمان وفسادهم خارجه، في حين سيقدم أعضاء الحزب السلفي في البرلمان صورة مشرفة – ولعل بوادر هذا قد بدأت في البزوغ الآن ففور تعرض الشعب المصري لأزمة الأمطار الغزيرة وغرق الشوارع لم يجدوا على الأرض سوى برلماني النور بينما باقي النواب ينعمون في قصورهم المنيفة ومنتجعاتهم الفاخرة – وحتى تكتمل الصورة لا بد أن يسارع أبناء الحزب لتحقيق مزيد من التواصل البناء مع مختلف فئات الشعب المصري مستغلين في ذلك أداء نواب الحزب المشرف وذلك كفيل بتكوين ظهير شعبي قوي قادر على الصمود أمام رياح الإعلام العاتية. ترى هل ينظر أبناء الحزب السلفي تحت أرجلهم ويصيبهم الإحباط والخمول بسبب نتائج الانتخابات الأخيرة ويسارعون إلى الانزواء والتقوقع؟ أم ينجح قادة الحزب في العبور بقواعدهم الحزينة نحو المستقبل الذي قد يحمل لهم العديد من المفاجآت السارة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد