في كل يومٍ أزداد يقينًا بأن صلاح هذه الأمة في صلاح حال نسائها، صفوف النساء أولًا. أكثر أهل النار من النساء، نعم. كمُل من الرجال كثير، ولم يكمُل من النساء إلا القليل، نعم. الميادين تتسع للرجال، تعانقهم عناق محبين، وتأبى أن تذلل ساحاتها للنساء، إلا بعد جهدٍ طويل، نعم. ولكن تبقى شيفرة حل اللغز في أيديهن، ولا سبيل للخروج من ظلمات هذا التيه إلا بإعادة تأهيل صفوفهن. أمٌ وأختٌ وزوجة، وابنة، ورفيقة في ميادين العمل العام، شريكةٌ في درب، لا غريمة في حرب.

شئنا أم أبينا، للمرأة خصوصية في هذه الأمة، خصوصية أكبر من الخصوصية البيولوجية، أكبر من كونها هي المصدر الأول للحياة على هذه الأرض، لها خصوصية نفسية تسببت في أن يكون دورها أعمق مما قد يبدو.
خصوصية جعلت النبي – صلى الله عليه وسلم – يأخذ رأي أم مسطح خادمة السيدة عائشة وقت حادثة الإفك، جعلته يقيم للسيدة رفيدة بنت أبي سعد خيمة في المسجد تطبب فيها الجرحى عقب غزوة بدر، وتكون بذلك أول طبيبة في الإسلام.

المرأة هي الداعمة، والمسؤولة الأولى عن صناعة رجال الأمّة! ولولاها ما كان الرجال رجالًا، ولتمكن منهم الخواء والضعف.
هي المسؤولة عن السواء النفسي لهم، للأجيال ككل، وكلما كانت معرفتها بدورها أكبر وأعمق، استطاعت القيام به على وجهه الأكمل، على وجهه الصحيح، وأي خلل في فهمها لوظيفتها ينتج عنه خلل في السلوك العام للأمّة، لذلك كانت شبكة العناية بالمرأة في الإسلام واسعة النطاق، ويظهر ذلك في التطبيقات العملية للسيرة النبوية في جيل الصحابة رضوان الله عليهم بشكل واضح.
ولأن حمل التربية مُلقى على عاتقها بنسبة أكبر، يبقى أثرها أبقى وأدوم، كأثر فراشة، باتحاد مجموعه تحدث الأعاصير، وتختلف أماكنها وقوتها، وإذا ما طالعنا سير النساء اللاتي أحدثن تغييرًا، وتركن أثرًا حقيقيًا في ميادين الحياة المختلفة، نجد أن القواسم المشتركة فيما بينهم هي: الوجهة الواضحة، والعزيمة الصادقة، والفهم العميق لحقيقة أدوارهن، ولنا في السيدة نسيبة بنت كعب خير مثال، وذلك عندما قتل مسيلمة الكذاب ابنها حبيب، ووصلها الخبر، قالت: «لمثل هذا أعددته وعند الله احتسبته».. هي تفهم أن دورها الإعداد،وقد أدته، فلا يضيرها بعد ذلك شيء.

وإذا أمعنّا النظر، سنجد أن المرأة في ظل الإسلام، وتحت راية الوحي، لها العديد من الأدوار الجلية، والتي غالبًا ما تقوم بهم في نفس الوقت، فهي أم، وإن لم تكن تملك أطفالًا، فالأمومة حالة وجودانية وشعورية، تعتري نسل حواء وقد أفلحت من استطاعت اغتنامها وأخذها بحقها.
السيدة عائشة – رضي الله عنها – لم تنجب، لكنها أم المؤمنين، استمرت في تربيتها للصحابة بعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم – وتعليمهم ما أخذته عن النبي من علم.

وأنتِ أيضًا في رحلتك تقومين بعملية التربية، وتمارسين الأمومة بشكلٍ تلقائي، لا واع! فما بالك لو اختلطت الفطرة بشيء من الوعي، والتسديد والمقاربة؟
وبعد أنك أم، فأنتِ زوجة، رفيقة درب، مساره ونهايته بين يديك، إما أن تكوني خير عون، وإما أن تكوني كغثاء السيل.
أما عن كونك جنبًا إلى جنب مع الرجل في ميدان العمل العام، فهذا أمرٌ طبيعي، لو كان الأمر يستقيم بالرجل فقط لما أباح النبي – صلى الله عليه وسلم – مشاركة النساء، بل وأيدها في مواقف عدّة.

يُشاع في العديد من الأوساط أن النساء الموجودات على الساحة قليلات، سواء في ميادين العلم، الفكر، العمل العام، وأن الرجال هم المسيطرون، فإن قالوا العلم يؤخد من الرجال، قلنا الإمام الذهبي – وهو من هو – أكثر أخذه عن الشيخات، وماذا عن بنت الإمام سعيد بن المسيب: فهذه «بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – لَمَّا أَنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا، وَكَانَ مِنْ أَحَدِ طَلَبَةِ وَالِدِهَا، فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحَ أَخَذَ رِدَاءَهُ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: إلَى أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: إلَى مَجْلِسِ سَعِيدٍ أَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ، فَقَالَتْ: لَهُ اجْلِسْ أُعَلِّمُكَ عِلْمَ سَعِيدٍ!» (المدخل) لابن الحاج.
وإن قالوا الفكر ميدان الرجال، قلنا: وأين بنت الشاطئ، وإن قالوا الجهاد ميدان الرجال، قلنا: وأين نسيبة بنت كعب؟ أين أم حرام بنت ملحان؟
وحتى في واقعنا المعاصر العديد من القمم النسائية البارزة، علمًا وفكرًا . تربيةً وقيادة.

فيا نواة الأمة، يا عدتها وعتادها، عليكِ بنفسك، تهذيبًا وفهمًا وإصلاحًا.
قلبك جيشك،وضعفك مكمن قوتك، فلتكوني من الصف النقي الذي سيحمل الأمّة، يومًا ما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

قصة السيدة نسيبة بنت كعب
عرض التعليقات
تحميل المزيد