شهيدنا لا ما مات زغردن له يا بنات

رأيته لأول مرة في صيف عام 2006، من يومها وأنا معجب بصوته وقوته شخصيته، لقد كان قائدًا بكل معنى الكلمة.

كنت حينها لاعبًا في فئة الرجال لأحد أندية الدرجة الثانية بحماة، عندما كنا نخوض مباراتنا الودية مع فريق ناشئي الكرامة بطل سوريا بفئته تلك الأيام.

كان صوته يملأ ميدان اللعب، فلا صوت كان يعلو على صوته، حتى إنني كنت من المحسوبين على الفريق المنافس، وعلى الرغم من أنني كنت على دكة البدلاء وقتها، فإنني تحمست وتأثرت بكلامه فقلت لمدرب فريقنا قبل أن أدخل لأرض الملعب بأن هذا الحارس عبارة عن نصف الفريق فرد المدرب: هذا الكلام ينطبق على معظم الحراس، لكن ما أراه أمامي أن هذا الحارس فريق بأكمله.

دخلت أرض الملعب ولعبت حينها بمركز المهاجم، فرحت وقتها، ليس لشيء، بل لأنني سأقترب من صاحب ذلك الصوت.

كان شابًا لم يكمل الخامسة عشر من عمره، أسمر البشرة ذا عينين عسليتين تقدحان شررًا وعنفوانًا، ابتسامته جميلة لا تفارقه بكل الأحوال.

انتهت المباراة بفوز فريقه دون أن يستطيع واحد منا هز شباكه، هنا قررت أن أقترب أكثر منه لأسأله عن اسمه، فبادرني بابتسامته الجميلة، وقال لي بلهجته الجميلة: «هاردلك» كابتن أنا اسمي عبد الباسط الساروت، من حي البياضة بحمص الله يعطيكم العافية ما قصرتوا.

من وقتها التصق اسمه بذاكرتي التصاقًا وثيقًا، حتى بات كلما يذكر أمامي اسم نادي الكرامة لا بد لي من استذكار هذا الاسم، وتلك اللحظات في الملعب، أصبحت أتابع دوريات الشباب والناشئين في الجرائد الرياضية باحثًا عن خبر عنه، وعندما أجد مطلبي كنت أحس بذلك الشعور ذاته عندما كنا في الملعب.

دارت الأيام بنا لنلتقي مجددًا بعد خمسة أعوام، كان اللقاء مختلفًا هذه المرة، على الرغم من أننا لم نتكلم فيه مثل المرة الماضية، لكن كان الصوت ذاته والحماسة والعزيمة ذاتها، لم يكن أمامه لاعبو فريق الكرامة، بل كان أمامه طالبو الكرامة.

اللقاء كان في إحدى ساحات حمص، الساروت يقود المظاهرات بصوته الحماسي، الذي كان يحرك الحجر قبل البشر، كان الساروت وقتها في التاسعة عشر من عمره، ترك حلمه الرياضي بأن يكون لاعبًا محترفًا في نادي الكرامة أو غيره، ليصبح اللاعب الأبرز في تاريخ الثورة، ترك شباك المنتخب السوري الذي لا يجب أن يذكر اسمه إلا ليقترن بالعصابة الحاكمة في دمشق، ليدافع عن شباك ثورة الكرامة، وأهل الكرامة، التي قتلتها تلك العصابة وشردتها، في مدينة حمص وسوريا أجمع.

تتوالى الأيام، ويكرر معها اسم الساروت في حمص خاصة، وسوريا عامة، من خلال الأناشيد التي كان يطلقها في المظاهرات التي كانت تجتاح أحياء حمص، حتى أطلق عليه بلبل الثورة.

هز بلبل الثورة بأناشيده عرش الطاغية في سوريا، وعرش كل من والاه، حتى باتت أجهزة الأمن تتحين الفرصة المناسبة للقبض عليه، فصلوه من الاتحاد الرياضي، حكموا عليه بالإعدام، رصدوا الملايين جائزة لمن يلقي القبض عليه، كل ذلك كان يقابله الساروت بابتسامته الجميلة وبقوله: ما إلنا إلا النصر، وبدنا ننتصر.

أنشودة «جنة جنة» التي أنشدها الساروت في بداية مظاهرات حمص كانت جواز السفر الذي دخل به الساروت لقلوب كل السوريين، والتي تلتها أناشيد كثيرة، كانت تحاكي قدر السوريين في ظل القمع الأسدي، لكنها في الحقيقة كانت تحاكي قدر الساروت قبل كل شيء.

«يايما بتوب جديد.. زفيني جيتك شهيد»، «ودعت أمي عالباب»، «خلي حمص ترتاح»، وغيرها الكثير من الأناشيد التي باتت فلكلورًا خاصًا بالثورة، والتي ستخلد لأعوام وأعوام، وسيخلد معها اسم الساروت، ليس لأناشيده فقط، بل لأنه كان يمثل ثورة كاملة بمفرده.

الساروت يمثل كل مراحل الثورة

مثلت حياة عبد الباسط الساروت خلال الثورة السورية كل مراحل الثورة، من السلمية حتى العسكرة، من خذلان الجميع له ولها، من التهجير من الموطن الأصلي إلى الشمال، إلى الشهادة.

إجرام قوات النظام في حمص وغيرها دفع الساروت من السلمية إلى حمل السلاح، إذ شكل الساروت ورفاقه كتائب مسلحة للدفاع عن أحياء حمص القديمة، التي حوصر فيها الساروت أعوامًا طويلة، وخسر فيها كل أخوته ووالده وعددًا من أبناء أخوته، حاول الساروت خلالها فتح طريق للعائلات المحاصرة من خلال فتحه لمعركة المطاحن، التي خسر فيها معظم شباب كتيبته، وإصابته هو، ولعل المقطع الذي يبكي فيه الساروت تحت تأثير المخدر في غرقة العمليات وهو يقول: «بدي أفتح طريق للعائلات… مابدنا مصاري مابدنا شي بس بدنا نفتح طريق للعائلات»، أظهر للجميع معدن هذا الشاب وصدقه.

بعد الحصار الطويل وخذلان البعض لحمص، هجر الساروت ومن كان معه من أحياء حمص القديمة لريفها الشمالي، ليكون من أوائل من هجروا من ديارهم، لتعمم بعدها هذه التجربة على باقي المناطق.

أسس الساروت في شمال حمص كتيبة شهداء حي البياضة، الذي ولد وترعرع فيه، وليكمل مسيرته النضالية الثورية، ليحارب هذه المرة ممن كانوا يحسبون على صفوف الثورة تحت تهم باطلة ومزيفة، نفاها الساروت بنفسه، فقرر الانتقال للشمال السوري ومنها لتركيا.

كانت الأيام التي قضاها الساروت ثقيلة جدًّا على ذلك المحارب الثائر، الذي ما اعتاد الابتعاد عن ثورته، وعن محافلها من المظاهرات أو المعارك، فقرر العودة للشمال السوري؛ ليعيد لتلك المناطق لهيب المظاهرات، وبعيد لها ذلك الزخم الثوري.

شكل الساروت من جديد لواء مقاتلي حمص، التي ما انقطع ذكره لها في كل أناشيده، وقرر الانضمام تحت راية جيش العزة التابع للجيش السوري الحر والعامل في ريف حماة الشمالي.

شارك الساروت في كل معارك الجيش في ريف حماة، كان يأبى إلا أن يكون على الخطوط الأمامية، سواء في رباط أو معركة.

أنشد الساروت في أولى أناشيده «يا حماة سامحينا»، لكنه لم يكن متوقعًا أن دماءه ستروي ثرى ريفها، الذي أحبه بعد حمص بحسب آخر مقطع فيديو له، إذ قال الساروت فيه إن الشخص عندما يدافع عن حرية وكرامة بلد ما، سيحبه أكثر، وأنا أحب هذا البلد، ويقصد هنا مدينة اللطامنة شمال حماة، من بعد بلدي حمص.

أناشيد الساروت كانت قدره، أنشودة «يايما بثوب جديد.. زفيني جيتك شهيد» التي ما مل من إنشادها أبدًا، وكأنه يعلم أنها تمثل مصيره، ففي ثالث أيام العيد أصيب الساروت على جبهة تل ملح بريف محافظة حماة، التي اعتذر منها مسبقًا، ليستشهد بعدها بأيام، وليبكيه بحرقة كل الأحرار في سوريا وخارجها.

لطالما طالب الساروت وحلم بأن تتوحد كلمة الثوار في سوريا، فكان له ذلك، وكان سبب ذلك التوحد، فاستشهاد الساروت وحد الجميع على استكمال الثورة، والتضحية من أجلها.

لم تنته الثورة باستشهاد الساروت بالطبع، لكنها فقدت أحد أهم رموزها المخلصين، الذين ما تركوها، على الرغم من أنه كان بمقدوره الذهاب لأي بلد كان، فقدت حارسها الأمين المخلص في وقت خذلها الكثير من أبنائها.

الساروت الذي لن يموت؛ فالساروت الذي مات جسدًا، أحيا في الثورة السورية ألف ساروت، وسيقى حيًّا في قلوب ملايين السوريين من خلال أناشيده وذكر أفعاله.

الساروت ابن مدينة خالد بن الوليد، الذي ورث منه جراحه التي أصيب بها في معاركه، أحب مدينته فذكرها في كل أناشيده، اعتذر من حماة واستشهد على ثراها، دفن في إدلب وبكته سوريا كلها، آخر و صاياه العسكرية دعا فيها القادة العسكريين للتوحد لمواجهة روسيا والنظام، وآخر وصاياه الإنشادية كانت دعوة الجميع للاستمرار في الثورة.

ثورتنا هذي كاشفة.. سوريا ضلي واقفة

رغم الجروح النازفة.. لا بد يلفي العيد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد