(1)

منذ فترة قصيرة تحاورت مع أحد كبار العاملين في مجال الصحافة والإعلام، يرأس هذا الشخص أحد المؤسسات الصحفية المهمة في مصر، بدأنا الحوار عن الإخوان المسلمين واختلفت معه حول موقف الجماعة الحالي وهل لهم سند شرعي في هذا أم لا، ثم تبادلنا أطراف الحديث بعد ذلك حول الفكر الإسلامي وعيوبه الحالية ومسألة الخطاب الديني، وفي ذلك عرضت رؤيتي الخاصة التي أنتقد فيها أصحاب المدرسة الإخبارية.

 

وكنت أتوقع حينها أنه سيتفق معي في هذا الرأي، خصوصاً وأنه “رجل متفتح” ومثقف وتنشر مؤسسته أخبار جميع أنواع الفنون الموجودة على الساحة، إلا أنني في الحقيقة دهشت عندما قال لي الرجل أنه يحترم الشيخ “سعيد رسلان” لأنه رجل “حكيم” ويدعوا دائماً إلى طاعة الحاكم، لأن الخروج على الحاكم – سواء ظالمٌ أو عادلٌ – لا مصلحة من ورائه إلا الخراب والدمار والقتل. ولمن لا يعرف سعيد رسلان هو شيخ سلفي ينتمي للسلفية المدخلية، وبما أن رسلان متسق مع مدرسته فقد أخذ موقفا مغايرا تماماً لعامة السلفيين من ثورة 25 يناير.

 

فالرجل كما هو معروف عنه رافض لأي ثورة سواء سلمية أو مسلحة، كما أنه رافض لأي نوع من أنواع الاحتجاج سواء مظاهرات أو اعتصامات أو غيره. إلا أن الرجل لا نستطيع أن نلومه فهو غالباً رجل صادق متسق مع مبادئه إلى آخر حد، رفض الثورة وما بني عليها من استفتاءات وانتخابات رئاسية وبرلمانية، وظل يعارض الإخوان حتى جاء 30 يونيو.
ثبت سعيد رسلان على موقفه ولم يداهن قيد أنملة، في حين جدد الكثير من السلفيين أفكارهم فيما يتعلق بالثورات والديمقراطية وبعض حقوق المرأة مثل حقها في الترشح والانتخاب بعد أن كانت مسلمات بالنسبة لهم.

 

أو قل لو شئت تعاملوا مع الأمر ببراجماتية شديدة مستهدفين من وراء ذلك استغلالَ مساحة الحرية التي أتيحت بعد الثورة في خدمة دعوتهم وفي مزاحمة جماعة الإخوان المسلمين أيضًا خوفًا من قيام الإخوان بنشر دعوتهم بين الناس وتوسيع قواعدهم الشعبية (وهذا لم يحدث في الحقيقة، فمعظم مجهود الجماعة كان باتجاه السياسة فقط)، أو لمحاولة منع الإخوان نشر عقيدتهم الفاسدة كما صرح بعض السلفيين بذلك مثل أحمد فريد – القيادي بالدعوة السلفية بالإسكندرية – الذي قال في مؤتمر للدعوة قبل 30 يونيو بأسابيع قليلة أن الإخوان لا يتبنون عقيدة أهل السنة والجماعة ويتحالفون مع الشيعة.

 

(2)

منذ أيام قليلة طلع الدكتور راغب السرجاني علينا بمقال عنوانه “وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ” على موقع قصة إسلام، الذي طالما دافع فيه الدكتور عن تاريخ بني أمية وبني العباس (لاوياً أعناق النصوص التاريخية ومنكراً فيه للحقائق المتواترة).

 

دعا الدكتور في مقاله بشكل غير مباشر، جماعة الإخوان ومن معها على الساحة إلى أن يتناسوا كل ما حدث في الفترة السابقة وأن يتراجعوا عن موقفهم الحالي ومن ثم يعلنوا طاعتهم للحاكم المتغلب، وقد ادعى السرجاني أن هذا الحكم مبني على أسس القواعد الشرعيَّة والأصول الفقهية، التي تُرْضِي اللهَ ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا هو ما دعت إليه السنة النبوية.

 

ولن ننجر إلى نقد الفرع المتمثل في أدلته الواهية، التي من ضمنها أن معنى الظلم في القرآن هو الشرك، فالدكتور الذي أيد الثورة في 2011 بشدة على حسني مبارك الذي لا يختلف كثيراً عمن هو موجود الآن في الحكم؛ تراجع عن موقفه ودعا إلى اتخاذ موقف متخاذل يشبه كثيرًا موقف المداخلة والجامية والسلفية الخليجية من حكامهم.

 

المشكلة ليست في راغب السرجاني، فاللوم لا يقع عليه وحده، المشكلة تكمن في أن جماعة الإخوان المسلمين ليس لهم حتى الآن منهجية في التفكير أو طرق معينة في التعامل مع النصوص الدينية، ففي حين ينتمي السلفيون إلى المدرسة الإخبارية، لا تستطيع أن تحدد ما إذا كان الإخوان ينتمون للمدرسة الإخبارية أم المدرسة العقلية أم التجريبية أم الإشراقية، ومن هنا تتولد المشكلة والتي تتجلى أحد جوانبها في مقال راغب السرجاني.

 

فالرجل تعامل في 2011 بمنطق البرجماتية وأتى بنصوص لتبرير موقفه المؤيد للثورة آنذاك، أما الآن فقد تغير هذا الموقف تماماً، فدعا الدكتور إلى التراجع وإلى طاعة الحاكم الظالم، واستدل في ذلك بأحاديث وصفها الكثير من المفكرين بأنها من صنيعة بني أمية، الذي ذهب الدكتور السرجاني بعيداً في الدفاع عنهم بطرق سطحية للغاية – يستطيع أي قارئ للتاريخ الإسلامي أن ينقدها – متخيلاً بذلك أنه يذب عن التاريخ الإسلامي الذي “لا تشوبه الشوائب”، وفي الحقيقة هذه كذبة كبيرة، فالنصوص التي اعتمد عليها الدكتور هي نتاج عمليات تملق وتبرير للحكام الظالمين في العصور الإسلامية.

(3)

عدم وجود معيار تقيس به الجماعة صواب أو خطأ الفكر أو العمل، جعلها تتخبط في مواقف كثيرة في الماضي والحاضر، فبعد رسالة الشيخ حسن البنا للملك تحت عنوان (حامي المصحف) والتي قال فيها :”لأن 300 مليون مسلم في العالم تهفو أرواحهم إلى الملك الفاضل الذي يبايعهم على أن يكون حاميا للمصحف فيبايعونه على أن يموتوا بين يديه جنوداً للمصحف، وأكبر الظن أن الله قد اختار لهذه الهداية العامة الفاروق، فعلى بركة الله يا جلالة الملك ومن ورائك أخلص جنودك”.

 

وبعد أن توجه الهضيبي في عام 1951 لقصر عابدين لمقابلة الملك والتي خرج بعدها قائلاً “مقابلة كريمة لملك كريم”، ما لبث الإخوان حتى قاموا بالثورة عليه في أقل من عام بعد تصريح الهضيبي، فبالرغم من أنه غير مطبق للشريعة والحدود وكانت تنتشر في عهده الخمارات وصالات القمار؛ بويع الملك من قبل الإخوان، و مع أن الملك لم يستوفِ شروط بطلان بيعته، ومع أن الملك عليه الكثير من الأخطاء؛ إلا أنه لم ينتهك حرمات المسلمين أو منع الصلاة في المساجد أو ظهرت منه علامات الكفر أو طابق الشروط التي وضعها علماء السلف للخروج على الحاكم، ورغم ذلك تم نقض بيعته والثورة عليه بعد شهور قليلة من توجه الهضيبي للقصر.

 

العامل المشترك هنا أنه لا يوجد تأصيل شرعي لأفعال الاخوان، فالجماعة متخبطة فكرياً ولا تعتمد على مدرسة أو منهجية تفكير معينة، بل في الكثير من المواقف تعتمد المصلحة معيارًا أساسيًا في الحكم على الأشياء، مثل ما فعلوه مع الملك، وهذا ما حدث أيضاً مع السرجاني، ومثل محاولتهم الآن تهيئة الجو للمصالحة والرضا بالأمر الواقع.

(4)

الحق أقول، رغم دعوة السرجاني الأخيرة للخنوع والخضوع للظالمين والطواغيت بسبب تخبطه المنهجي، فتارة يكون الصواب في تتبع المصلحة وتارة يكون الصواب في اتباع بعض الآراء الفقهية؛ يظهر رسلان رغم مدرسته الإخبارية المتحجرة ورغم دعوته التي أقل ما يقال عنها أنها عبادة للحكام والطواغيت، أكثر اتساقًا مع مدرسته ومبادئه، وفي النهاية المستفيد من هذا التخبط الفكري هو الطغاة والمجرمون وحاشيتهم، القادرون ببعض الضغوط، مستغلين أيضاً حالة التخبط الفكري وغياب المعايير الحاكمة على الأمور، أن يحولوا الجماعات المقاومة إلى جماعات مدجنة تخضع للمجرمين والقتلة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد