لم يعد خفيًا على أي متابع للشأن السوري التغير الواضح في نهج «هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا)»، وخاصة خلال العام الجاري، حيث تبدلت المفاهيم والأسس لديها بشكل كبير وفق للتطورات السياسية والإقليمية، وكذلك وفقًا لما حدث من معارك أخيرة خسرت فيها المعارضة السورية أجزاء كبيرة من الأرض، حيث وصلت قوات النظام إلى مشارف المدينة، لولا التدخل التركي ومساهمته في إيقاف تقدم النظام، والمحتل الروسي، ومنعهم من السيطرة على آخر معقل للثورة في الشمال.

توقف المعارك جاء بعد الاتفاق الروسي التركي في مارس (أذار) من العام الجاري حيث نص على إنهاء المعارك شريطة تسيير دويات تركية روسية مشتركة على طريقي M4 وM5، الأمر الذي رفضته تحرير الشام بداية الأمر، وقالت إن هذا الأمر لن يحدث مهما كلف الأمر، إلا أنها عادت وقبلت بالاتفاق الروسي التركي نتيجة عدة عوامل.

من أهم الأسباب المساهمة في قبول تحرير الشام للاتفاقات السياسية هو قناعتها أن حجم المعركة أكبر من حجم مقاتلي المعارضة في الشمال السوري كاملًا، وهذه القناعة أصبحت راسخة لدى الجولاني وقيادات الهيئة، فعلى الرغم من عشرات الآلاف من المقاتلين، ومئات الآليات والرشاشات الثقيلة، إلا أن قوات الاحتلال الروسي ومعها مليشيات النظام تمكنت من التقدم على عدة محاور وسط انهيارات سريعة في صفوف المعارضة، خاصة عندما تطول فترة المعركة كما حصل في المعركة الأخيرة حيث امتدت نحو 11 شهرًا متواصلًا، إذ بدأت في أبريل (نيسان) 2018، ولم تتوقف حتى مارس 2019. استطاع الثوار الصمود بشكل كبير في بدايتها، إلا أن الفترة الأخيرة شهدت تراجعًا كبيرًا، حيث تمكنت قوات الأسد من الوصول إلى أطراف إدلب المدينة لولا التدخل العسكري التركي من خلال الطائرات المسيرة، وهو ما ساهم في تراجع مليشيات النظام.

وبسبب الوضع الراهن في الشمال السوري لم يبق للهيئة خيارات كثيرة فإما التمسك بالنهج المتشدد الساعي لإقامة شرع الله في المنطقة المتبقية من المحرر، أو التكيف مع متطلبات المرحلة سياسيًا، فالخيار الأول يعني مصيرًا كمصير تنظيم الدولة في الشرق السوري، وبعض المدن العراقية، حيث اجتمعت دول كثيرة على محاربته، واستطاعت القضاء عليه بشكل شبه نهائي ولم تبق له أية أراضٍ ليحكمها، وهو ما تخشاه ««تحرير الشام» في حال استمرارها بنهج مقارب لـ«داعش»، لذلك لم يعد لديها خيار سوى القبول بالطروحات السياسية، حيث تأمل أن يساعد ذلك في بقاء منطقة آمنة خارج سيطرة النظام تحكمها الهيئة دون أن تتعرض للقصف أو الاجتثاث بشكل كامل.

ومن منظور آخر لا يخفي شرعيو الهيئة وقيادتها رغبتهم في إعادة تجربة طالبان في سوريا والحصول على دولة ذات حدود معينة يتم الحكم فيها وفق الشريعة الإسلامية، ولكن هذا الخيار مستبعد فلا يمكن للدول الإقليمية أو القوى الدولية الموافقة على هذا الوضع، ولاسيما أن تحرير الشام ليست بقوة طالبان سياسيًا وعسكريًا، ولا تملك حاضنة شعبية مثل ما تملكه الحركة في أفغانستان، وفي نفس الوقت لن تصر الهيئة على هذا الخيار نتيجة معرفتها مسبق بقدراتها والطبيعة الجغرافية المختلفة في إدلب عنها في جبال تورابورا وحدود باكستان، والتي لجأت إليها طالبان إبان الغزو الأمريكي لأفغانستان.

الهيئة اليوم تقوم بتطبيق الاتفاقات السياسية حرفيًا، وأكبر دليل على ذلك هو محاربة فصيل «حراس الدين»، المبايع للقاعدة وإنهاؤه بشكل كامل لإظهار صورة مشرقة لدى جميع الدول بأنها تحارب المتشددين، وأنه يمكن الوثوق بها في قادم الأيام، وإثبات أنها انفصلت عن القاعدة، ليس فقط تنظيميًا، بل حتى فكريًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد