نبدأ بحقيقة لا تتغير وإجماع وقع في القرن الرابع الهجري مختصره هو: يجب على المسلم أن يتعلم قوانين الإسلام من عالم بقوانين الإسلام، وليس للمسلم (لا عالم ولا عامي) أن يحاول استنتاج أي قانون إسلامي من نصوص القرآن والحديث الشريف بمفرده، باستعمال المنطق وفهمه الخاص للغة العربية فقط، مهما بلغ هذا المسلم من البراعة والمعرفة بالنصوص وباللغة والمنطق أو ما يسمى بـ«أصول الفقه»، هذا ليس لأحد منذ أن وقع هذا الإجماع وإلى قيام الساعة.

الجماعات الإسلامية كلها بداية من الوهابية وانتهاء بالتحريريين مرورا بالإخوان المسلمين والقاديانية والتبليغ، كل هذه الجماعات التي تأسست خلال القرنين الماضيين جاءت بزعم باطل يخالف ويجحد الإجماع الآنف وهو: إن المسلم قادر على أن يستخرج حكم الله في المسائل التي تعرض له من بداية حياته انتهاء بما بعد مماته وما بينهما؛ وذلك بمجرد أن يبحث عن هذا الحكم في نصوص القرآن والحديث الشريف.

معظم علماء الإسلام الذين تصدوا لهذه الفكرة التي صنَّعتها المخابرات البريطانية كان ردهم هشًّا على زعم الجماعات الإسلامية الآنفة الذكر ومختصر ردهم هو:

أساتذة (أئمة الفقه والعقيدة) وهم ستة، كانوا عباقرة أفذاذًا، وعبقريتهم هي التي أتاحت لهم استنتاجَ القوانين الإسلامية من نصوص القرآن والحديث، الاستنتاجَ الأقرب إلى الكمال مطلقا، ولن يقدر أحد على أن يصل لمهارتهم، وبالتالي لن يقدر أحد على استنتاج قوانين إلهية من هذه النصوص أقرب إلى الصحة منهم، فهم الأشخاص المعجزات! واستدل أكثر هؤلاء المتصدّين بأحاديث واهية السند عن تنبؤ النبي صلى الله عليه وسلم بظهور هؤلاء الأئمة.

صلب هذا الرد كما هو واضح هو نفس ما روجت له الجماعات الإسلامية! مع استبدال الأسماء والأرقام، فبدل أن يكون الأئمة ستة فليكونوا مئات وربما آلاف، وبدل أسماء الأئمة الستة فلتكن أسماء مئات الأئمة الجدد من منظري وقادة الجماعات الإسلامية ولماذا لا؟ طالما أن النصوص الإلهية موجودة (القرآن والحديث النبوي) وأدوات الإستنتاج موجودة وهي قواعد اللغة العربية وأصول المنطق أو أصول الفقه، وطالما أن البشر يُخلقون بعقول؛ فإذًا لا بد أن يُخلق أشخاص أذكياء يكررون ما فعله من نسميهم بـ«الأئمة الأربعة» الفقهاء و«إمامَي العقيدة: الأشعري والماتُريدي»، بل في هذا العصر الفرصة أكبر لوجود هؤلاء العباقرة الجدد، فمع تطور أدوات المعرفة وأساليب البحث في النصوص لا بد أن ينتج اللاحقون ما هو أفضل وأكمل وأقرب مما أنتجه السابقون إلى حكم الإله الذي لا يخطئ، فالأئمة الأربعة وإماما العقيدة ولنقل كل أئمة القرن الثاني والثالث الهجري ومن تلاهم لم تجتمع لديهم النصوص الدينية في مصنفات مطبوعة ومنسقة وسهلة التناول كما هو حاصل على مدى القرنين الماضيين، وهم ليسوا بالتأكيد أشخاصا لا تتكرر عبقريتهم!

الحقيقة مختلفة عن هذا كله تمامًا؛ ذلك أن سبب اتفاق علماء الإسلام في العصر الأول على وجوب أخذ القوانين والعقائد الغيبية من هؤلاء الستة حصرًا ليس لأن هؤلاء الستة عباقرة، كعبقرية أنيشتاين في الرياضيات وحل الأحجيات والألغاز الصعبة وربما أكثر، ولكن لأنهم كانوا عباقرة في «حفظ هذه القوانين» عن ظهر قلبهم وفي تدوينها وتبويبها وتعليقها تحت نصوص القرآن والحديث التي تشملها، كما كان رواة الحديث النبوي ومخرجوه عباقرة في فنّهم، وكما كان رواة القراءات القرآنية عباقرة في فنهم أيضًا.

لقد حفظوا كل هذه القوانين «الفقه» أو «الأحكام الشرعية» تلقّـيًا وتعلّما من مشايخهم وأساتذتهم والذين يُعدّون بالمئات إن لم نقل بالآلاف، وكانوا أيضًا عباقرة في تصنيف وتبويب وترتيب هذه القوانين المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم، في معظمه بالفهم لا بالنص، ثم ربطها بنصوص القرآن والحديث النبوي الشريف بتناسق وتناغم سَلِمَ تماما من التناقض ومخالفة المنطق، بحيث يرى الناظر المدقق أن هذا القوانين المفهومة إنما هي مشتقة ومستنتجة من النصوص المقدسة ضمن قيود صارمة، وهذا يقودنا لهذه المفاجأة:

تراث الإسلام هو: تكامل بين القرآن وبين تفسير نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم للقرآن. ولقد اتفق علماء الإسلام على تسمية هذا التفسير بالسنة النبوية، هذه السنة هي كل أعمال وأقوال وتقريرات النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد جاء الحديث النبوي التالي ليقسمها إلى قسمين: «إن كذبا عليّ ليس ككذب على أحد. من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار»، وحديث: «نَضَّرَ الله امرءًا سمع منَّا شيئًا فبلَّغَهُ كما سمعه، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوْعَى من سامع»، فلقد منع هذان الحديثان أحدًا أن يقول: «قال النبي صل الله عليه وسلم» ثم ينقل كلام النبي عليه الصلاة والسلام بــ(عبارة غير عبارة النبي صلى الله عليه وسلم ذاتها) بالحرف الواحد، وبعبارة أخرى للتوضيح يحرم على من بدأ كلامه بـجملة «قال النبي صلى الله عليه وسلم» أن يتبعها بكلام صاغه المتكلم الناقل بناء على ما فهمه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أي يجب نقل عبارات النبي كما تنقل الآيات القرآنية (لأنها وحي إلهي)، وبهذا نشأ علم كبير هو علم تدوين وضبط «الحديث النبوي»، أي «كلام النبي» أو «السنة المنقولة باللفظ النبوي»، وهو في الحقيقة القسم الثاني والأصغر من السنة النبوية، وليس القسم الأول منها، وليس هو كل السنّة كما صار شائعًا خطأ أو عمدا هذه الأيام.

ولنفهم هذه الحقيقة سنأخذ الخلفاء الأربعة الأوائل مثالا. فلقد لازم الخلفاء الأربعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ملازمة لصيقة يومية مدة ربع قرن تقريبًا، وباعتبار أن كافة أفعال وأقوال وتقريرات رسول الله صلى الله عليه وسلم هي «السنة»، وباعتبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بتبليغها لمن وراءهم «ألا ليبلغ الشاهدُ منكم الغائب» فإذًا لا بد أن أحدهم روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أربعين ألف حديث، إن كان ما شهده أحدهم من أعمال وأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقريراته خمسة أحداث يوميًا فقط، فكيف لو أنه شهد من تصرفات رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ثلاثين تصرفًا على الأقل كما هو الأمر الطبيعي لتصرفات شخص عظيم يتواصل مع الناس أفرادًا وجماعات كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذًا لروى أحدهم على الأقل مائتين وخمسين ألف حديث!

إلا أننا نجد أن الأحاديث المروية عنهم جميعًا لا تزيد عن ألف وأربعمائة حديث! فأين ذهبت كل تلك السنة التي تعلموها؟ هل قصروا في تبليغها وهم الذين نشروا الإسلام، علمًا أن معظم الصحابة بعدهم أسلموا بدعوتهم!

الجواب بسيط: لقد بلّغوا كل ما تلقوه من تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعباراتهم وألفاظهم الشخصية، لأنهم كانوا يتورعون عن قول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفًا من المس بالوحي الذي بلّغه الرسول الكريم معنى ولفظا. ولأنهم فهموا معظم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلامه وأفعاله وتقريراته، وكانوا يراجعونه لفهم ما فاتهم فهمه، فإن فهموا المعنى فماذا يمنعهم من تبليغه بألفاظهم بعد أن يقولوا: هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وهذا هو ما فعلوه بالضبط فكانوا يعلمون من وراءهم ما فهموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون هذه هي «السنة». وبهذا نجد أن السنة المروية باللفظ الحرفي بعد جملة «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» من مسموعات الخلفاء الأربعة أقل من اثنين بالألف مما سمعه هؤلاء الخلفاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أعظم أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانة، بل هم أساتذة كل من جاء بعدهم.

القسم الأول والأعظم من السنة

هو ما تناقله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه بـ«المعنى فقط» وبعباراتهم الخاصة، وهو ما تناقلوه حال حياته وبعد وفاته على مدار الساعة من أوامره ونواهيه وتعاليمه الشفوية والعملية، هذا القسم تناقلوه عنه بالمعنى وليس بالعبارة الحرفية للنبي، فهو: السنّة «المفهومة»، والفهم لغةً هو الفقه، أي هذا القسم هو: السنّة «المفقوهة»، سميت لاحقًا اصطلاحا بـ«الفقه»، فالصحابي كان يعلّم القرآن لابنه وزوجته وصديقه وتلميذه في الكتّاب (المكتب) ويفسره له مباشرة نقلا مباشرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من استنتاجات الصحابي من نصوص القرآن، ولكن هذا التعليم كان يتم بعبارة الصحابي وليس بعبارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الصحابي كان يتورع عن أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم! بسبب الحديث الآنف الذكر الضابط للرواية النصية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان الصحابي غالبا ما يقول لابنه وزوجته وتلميذه:

افعل هذا ودع هذا، وهذا حلال وهذا حرام وهذا نفل وهذا فرض وذاك من الأفضل تركه، وهذا صحيح وهذا باطل فاسد.

ثم يقول لهم: «هذا ما تعلّمْتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، أو يقول لهم: «هذه هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم» دون أن يقول لهم: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» أو «سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول…».

وهذا هو معنى القرآن أو ما فهمه النبي صلى الله علي سلم من كلام ربه وما أفهمنا إياه من معاني هذا الكلام الإلهي، والفهم هو الفقه ولذلك أطلق على السنة اسم الفقه، ولتمييز الحديث عن السنة المفهومة سمي لاحقًا اصطلاحا بـ«السنة».

الصحابة تعلموا الوضوء وكيفية الغسل وأحكام الصلاة والعبادات والأعمال وسائر الأحكام من رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلّمًا، وليس استخراجًا واستنتاجًا من القرآن، ولماذا يجهد أحدهم نفسه في تفسير القرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم موجود وقريب منهم؟ كل ما عليهم هو أن يحصلوا على التفسير من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو التفسير الصحيح بلا شك! كان الكثير من الصحابة يحفظون القرآن، لكن الكثير منهم بل لعل أكثر الصحابة تعلموا واجبات كثيرة وتركوا محرمات كثيرة جاءت في القرآن حتى قبل أن يطلعوا على الآيات التي وردت فيها هذه الأحكام، بل لعلهم تعلموا هذه الأحكام من زملائهم الأقدم منهم إسلامًا من الصحابة، وليس مباشرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل هذا بـ«ألفاظ وعبارات الناقلين» المعبرة عن ما فهمه هؤلاء من كلام وأفعال وتقريرات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطعًا ليس بعبارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء المعلمون كانوا بعشرات الألوف في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقل من أقل القليل منهم من كان يُعلّم أحكام الدين لتلامذته وأهل بيته ومن هم في رعايته بأن يقول لهم مثلا: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة بغير أم الكتاب. ثم يعلمهم سورة الفاتحة، ولكن يقول لهم قال الله: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة… (الآية) ثم يعلمهم كيفية الوضوء ومبطلاته وواجباته بعباراته ويقول لهم: هذه هي السنة. هكذا كان حال عامة المسلمين وعلمائهم ومن جملتهم من نسميهم بأئمة الفقه الأربعة الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، وإمامَي العقيدة الأشعري والماتريدي.

هذا القسم الأول من السنة وهو «السنة المفهومة» كان وحده المصدر الأساس للقوانين الإسلامية التي كانت تحكم حياة المسلمين الأوائل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته عبر العصور إلى يوم القيامة، هذا القسم هو ما تلقاه ونقله وعمل به أساتذة الإسلام وقضاته وسلاطينه في القرون الأولى التي تلت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلقوا جميعا هذا القسم إلى جانب حفظ القرآن في الكتاتيب، التي كانت مدارس ذلك العهد، ثم دُوِّن هذا القسم في بداية القرن الثاني الهجري حتى لا يضيع، وفي الواقع نجد أن القسم الثاني وهو السنة المنطوقة (الحديث الشريف) قد روي كله تقريبا ضمن القسم الأول (الفقه) وذلك بمعناه وليس بعبارته.

السنة المفهومة هي في الواقع كل الإسلام، ولقد عُمل بهذه السنة قرونًا متوالية من غير استنكار ولا حتى تفكير بالاعتراض إلى أن استولت الدول الغربية على بلاد الإسلام واخترعت مخابراتها تلك الجماعات التي سميت بالإسلامية والتي ضللت الناس بعبارة «العودة إلى الكتاب والسنة» وزعمت أن السنة هي: «الحديث الشريف فقط»!.

عندما بدأ تدوين السنة كونها الشرح الأوحد للقرآن تم تدوين وجمع القسم الأول منها (القوانين النبوية) أو (السنة المنقولة بالمعنى «الفقه») على يد مئات من الأساتذة (الفقهاء)، كانوا هم مصدر القوانين والتشريعات القضائية والقانونية العامة والفردية في كل أرجاء دول الإسلام المتتابعة، ولقد بُدئ بتدوين هذه القوانين قبل قرن من بداية الحملة الكبرى في مطلع الحكم العباسي لجمع القسم الثاني من السنّة وهو (الحديث الشريف)، كان تدوين السنة المفهومة (الفقه) يُبوب ويُعنون بالآيات وبما تم تدوينه وضبطه باللفظ النبوي من الأحاديث النبوية، وذلك لربط القوانين (الفقهية) الجزئية والكلّية بمصادرها الكُلّية من نصوص القرآن والحديث التي ورد معظمها بصيغ عامة مجملة مختصرة حاوية لمعان كامنة كثيرة جدًا. لقد فصّل في هذا كله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عبر السنة القولية (نصوص الحديث) والسنة العملية التي منها وبها تأسس الفقه وتفرعاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات