كل ما يمكن أن يقال عن مخاوف الأقلية من الأكثرية والأكثرية من الأقلية، فهو حق لا باطل فيه فقد استطاع النظام البعثي منذ انقلابه في الستينيات على المجتمع المدني نقل الاختلاف المشروع إلى الخلاف المذموم بين الأقليات والأكثرية، حيث تطور الاختلاف التعددي الطبيعي وفق النسبية العددية إلى خلاف ممقوت بين أكثرية مهضومة الحق وسلطة أقلوية طائفية قاتلة، يقول المهندس الخطيب:

(خلال ما يقاربُ ثلثي قرن لم نعش التواصل الوطني الواسع ولا استطعنا فتح أيٍ من صناديق التاريخ بتجرد ولا فحصَ بعض المسلمات التي نعيش بها، بل نسينا سفينةً واحدةً نستقِلُّها وكل يوم نفتح ألف ثقب فيها والهلاك ينتظرنا، ولا نشعر بخطر جماعي يوحدنا في هدفٍ نشترك فيه كلنا مهما كان محدودًا.

محا النظام مقدماتٍ عديدةً للتواصلِ ومحا كل تاريخ سورية قبله، وحديثًا بدأنا نكتشف أن المؤتمر السوري الأول 1919-1920 تجرِبَة مدنية رائعة لم يُتِح لها الاستعمار الفرنسي إلا ستةَ أيام فقط قبل دفنها، وأكملت معاول حزب البعث ذلك) ثم نقلت الأحداث الأخيرة الخلاف بين الأقلية والأكثرية من التعاطي السياسي إلى العمق الوجداني، حيث يؤسفني القول لم يتعرض السوريون لآلة تمزق نسيجهم الداخلي كما تعرضوا له بعد عام 2011م كما لا يمكن استعادة الثقة المفقودة بين السوريين إذا ظل ما يعلن و يقال وما يقرأ ويكتب عن المواطنة أو عن بديل بشار الأسد خاضعًا لمنطق المعرفة المتعالية النخبوية، وآليات التلقين الحزبي، والتلقي الجماهيري السلبي، والحفظ والتكرار الحزبي، أو لحاجات الاستهلاك والتباهي الاستعراضي السياسي، أو للشكوى والتذمر وتبكيت الذات داخل المجتمع السوري.

وإذا لم تكن المواطنة ممارسة، وأساسًا للفعل السياسي وأفقًا لها أولًا، ومصالحة حقيقية بين الأجنحة السياسية العاملة ثانيًا ومشاركة شعبية ثالثًا، وحوارًا على أسس قانونية و أفقية مفتوحة رابعًا، ليس بين المعارضين لبشار ونظامه فحسب، ولا مع أي تشكيل فرض شرعيته بموجب القوة وليس بمنطق قوة الشرعية، في شكله ومضمونه ومنطوقه ومضمره ومرجعيته الفكرية والتاريخية، بل بين كل المعارضين والموالين فلن يتم أي سلم وسلام أهلي.

وهذا يفرض على السوريين التحرر من ارتهان الوعي لأي تجربة فرضت بالقصف والقسر وتتنافى مع المبادئ والمقولات والمفاهيم والأفكار المواطنية ذاتها.

إن الأمل الوحید في التغییر، كما يذكر المرحوم جلال أمين وهكذا کتب ونستون في مذکراته، یکمن في عامة الناس وبسطائهم، صحیح أنه كثیرًا ما یعتریه الیأس حتى منهم. فعامة الناس لا یتذكرون إلَّا أتفه الأشیاء، كالمشاجرة مع جار أو حادثة سرقة، وهم ینسون أهم الأشیاء. إنهم یبدون عادة كالنملة التي تستطیع رؤیة الأجسام الصغیرة ولا ترى أكبرها. وحینما یسیطر علیه الیأس منهم كان یتساءل: «إذا كانت الذاكرة قد ضاعت، والسجلات قد تم تزییفها، فما الذي یمكن أن یدحض ادعاء الحزب بأنه قد رفع مستوى المعیشة؟»، ما الذي یمكن أن یدحض هذا إذا كان قد ضاع كل معیار یمكن أن یقیِّم الحاضر على أساسه؟ أو لا یجوز أن یكون الحزب على حق حینما یقول: «إن من یسیطر على الماضي یسیطر على المستقبل، ومن یسیطر على الحاضر یسیطر على الماضي»؟ ومع ذلك فقد كان یعود إلیه من حین لآخر الشعور بأن عامة الناس قادرون، وهم وحدهم القادرون، على أن یحققوا الخلاص، فهم وحدهم الذین ما زالوا یحتفظون بقواهم العقلیة، وذلك بفضل عجزهم عن الفهم.

إنهم بسبب قلة خطرهم لا یتعرضون لغسیل المخ الذي یتعرض له الأكثر ذكاء. أو لعل السبب هو أنهم یتركون لممارسة عاداتهم وتقالیدهم دون أن یتعرض الحزب لها، أو أنهم یتوالدون بكثرة، أو أنهم ما زالوا یذكرون الأغاني القدیمة، أو أنهم متدینون، ولا أحد یمنعهم من ذلك. لقد «بلعوا» كل شيء، ولم یلحقهم الضرر من وراء ذلك، إذ إن ما دخل معدتهم خرج منها دون أن یترك وراءه أي أثر، وكأنه حبة القمح التي تمر بجسم العصفور وتخرج منه دون أن یهضمها. ويبدو أن الخطيب يراهن علي الوعي الجماهيري وضرورة الارتفاع بسقفه والاعتماد عليه إذ اليوم لم يعد السوري في الداخل ولا في الخارج كما كان قبل عام 2011م. الاختبار الشديد الذي تعرض له داخل الإنسان السوري الفكري و النفسي والديني والقومي والاجتماعي والاقتصادي سواء من بقي في سوريا أو من هاجر يفرض على كل من يريد التعامل معه توخي الدقة حتى يكتشف السوري المشروعية الفكرية والإجرائية لما يتم طرحه عليه، ومصداقيته وطرق نقده، ومراجعته على الواقع الذي يشكل قداسة عند السوري بعد أن فقد أي قدسية غير ملموسة.

معادلة استقرار سوريا عند الخطيب تتكون من نسيج وطني متفاهم + إرادة سورية.

يقول الخطيب:

(لن تستقر سوريا بحال دون:نسيج وطني متفاهم. ولن تستطيع قوة عسكرية ولا إرادات إقليمية أو دولية جلب الاستقرار ما لم يكن هناك إرادة من السوريين أنفسهم كشعب قرر التفاهم والتصالح مع بعضه والانطلاق ليبني الحياة.

وسنجد أن الاتفاق على نقطة سيستدرج نقاطًا أخرى نتفق عليها، فمثلًا: يريد الإسلامي عمومًا دولة إسلامية، والقومي دولة قومية، والعلماني دولة علمانية.

ويسعى الخطيب لبناء مشترك في الوعي السوري فيتساءل عن المشترك بين الجميع؟ ثم يجيب هل يمكننا القول إن العدل والحرية أمران مطلوبان من الكل؟ هذا تقدم جيد سيغير الخرائط نحو تفاهمات أدق، والمنطقي هو أن توجد ساحات تنفتح الواحدة تلو الأُخرى تزيد من تماسك الشعب وتوقظ كوامنه وتجفف كثيرًا من مسارات الاحتقان، وهذا سيقودنا إلى نقطة ثالثة وهي حساسة للغاية ولكنها مفتاح شديد الأهمية وهي: المصارحة وهي أصعب مما نتصور، والبدء بها في المستويات الأولى كفيل بحملها إلى المستويات الأعلى، مع أن إعلامًا نظيفًا، ومنابر طاهرة، ومثقفين وطنيين، وجهات اجتماعية وتربوية وشرعية كلها ستساهم في دفع هذا المشروع بشكل كبير.

ربما حصة التيارات الإسلامية أكبر بسبب حجمها، وما عليها لو قامت بمصارحات داخلية ضمن كل مؤسسة، ثم تجري مصارحات مع أجسام مقاربة لها ثم تتوسع وتتفق على الحد الأدنى الذي تعتقد أنه مفيد للمجتمعات ويحقق مطالب الإسلاميين، وهل يمكن للعلمانيين القيام بمصارحات داخلية ليعرف الناس ماذا يقصدون بالعلمانية، وماذا يريدون تقديمه للناس؟

انتقاد بعضنا أيمكن توسيعه بأسلوب محترم، لا سوقية فيه ولا تعميم ولا إطلاق، وعموده (ألا تزرَ وازرةٌ وزر أُخرى)، ويعتمد على وقائع لا ظن فيها ولا شق للقلوب ولا حكم على النوايا، ونبتعد فيه عن أروقة التاريخ قليلًا لنلتقط أنفاسنا ولنعد إليه مستمتعين ومستفيدين من تجاربه لاحقًا إن شئنا).

لقد عمق الواقع المفروض بعد ثورة 2011م الفروق والاختلافات والتناقضات لا في المجتمع فقط، بل في كل فئة من فئاته أيضًا علاوة على أنها تطييف وقومنة البلد، الأمر الذي أفضى إلى العبثية واللانهاية الزائفة، أو الفاسدة، لأن التجاذبات على أرض الواقع هي فيروسات قاتلة مصنعة تعتمد على فسيفساء موجودة وعلل وأمراض واحتقانات، تاريخية ومصنعة جرثوميًا لقد تم خلق كيانات لديها طموح سياسي ونزوع إلى السيطرة الاقصائي وهذه الجماعات قد ظهرت للتو من الفوضى والدم والظلم والتمويل وانعدام الأمن وتدهور شروط الحياة، فكانت في غالبها ردود فعل لا تنمية عقلانية ولا تعددية سياسية و طبيعية مدنية لقد ساهمت دولة الذلقراطية العالمية في خلق كيانات ومناطق نفوذ و جماعات إثنية كثيرة العدد، وذات قوة ونفوذ، دون أن يتبلور مفهوم الدولة ومفهوم المواطنة.وهذا يحيلنا إلى ما يطرحه الخطيب من بديل مشروع.

من يريد استعادة الثقة فيجب أن يكون عنده وضوح في المسار، ويبتعد عن العمل بعدة طوابق تدفع للانزلاق إلى الأسفل نحو مقاتل حتمية، والمصارحةُ مع الناس الذين لا يشك أحد من أنه ستكون لهم مواقف حتى في الشارع بعد أن كانوا صريحين حتى الثمالة وهم يطردون من فقدوا الثقة به حتى من صلاة جنازة.

لا يرغب السوريون الحقيقيون أن يخسروا سوريًا وطنيًا واحدًا، وكذلك لا يقبلون الاحتيال عليهم، ولا أن يكونوا أدوات للدول الإقليمية أو الكبرى، والقفز فوق الشعوب ومداراة الطغاة من حكامها لن يأتي بطائل مهما طال.

فكر السوري فكر حضاري عريق يُكِنُّ الحب لمن يحبه، وينظر باحترام إلى من يحترمه، ويتعامل بندية مع من يخالفه، وينسف من يعاديه.

عندما يكون الوطن هو الهم الأول فستتغير معادلات الثقافة والمجتمع والفن، بل حتى السياسة والاقتصاد، ولا أجد عبارة أكثر إيجازًا لما يجب أن نعمل له من العبارة التي أؤمن أنها باب أساسي للنجاة من الفناء الوجودي الذي ننحدر إليه، والتي تتسلل عند الآلام من قلوبنا دون إذن لتختصر المسار كله، وما زلنا نحتاجها وبشدة: أيها السوريون، أحبوا بعضكم، يمكن أن يكون الخطيب البديل المشروع عن بشار الأسد إذا أدرك السوريون أنهم بحاجة إلى بابا يجمع أكثر من سياسي يتاجر وقد كان الخطيب في كل مواقفه الأب لكل السوريين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد