سيطرت على الأخبار العالمية عقب الإعلان عن فوز حزب العدالة والتمنية التركي بحوالي 40% من كراسي البرلمان في الانتخابات الأخيرة، عناوين من قبيل “فوز بطعم الهزيمة”، وبدا أن الأفق قد اسودّ في وجه الحزب ورجاله وقواعده الجماهيرية المصدومة، وبدا الأمر – في الصدمة الأولى على الأقل – كأنه هزيمة حقيقية، أو أنه نهاية العالم!

والحقيقة أن هذا من بؤس تجاربنا وبؤس قراءتنا وتقديراتنا للوقائع والأمور، ومن ثمرات الشعور بتربص القريب والبعيد الذي نعانيه في محاولاتنا النهضوية المتأخرة.

أعرف أن نقد السياسات أهون من بناء برامجها، وأيسر من مواجهة الواقع الثقيل للمجتمعات والدول بما فيه من صخب وضجيج وعُقَد وتداخلات، إلا أن أول أساس للبناء الصحيح للبرامج يجب أن ينطلق من النقد البنّاء الذي يبصرنا بأشياء فينا ربما نغفل عنها بسبب الإلف وطول العهد.

إن أول ما نحصده من تجربة الانتخابات التركية الأخيرة التي تبدو – برغم نتائجها – أكثر تجارب الحزب ثراء؛ لما يمكن أن يستوعبه بعدها من ملاحظات على مسيرته ترشحه للتحول من تجربة تخاف التربص إلى تجربة شديدة الثراء ممتدة في الزمن وقادرة على صناعة خلفاء متنوعين في الساحة السياسية التركية يتجاوزون الكيانات السياسية المعطوبة والعصابات الحزبية المحسوبة على اليمين واليسار بدون منظومة قيم منضبطة تحكم سلوكها أو توجه مواقفها.

أقول: إن أول ما نحصده من هذه التجربة الخطيرة هو أن “العدالة والتنمية” جمع في معظم تجاربه إلى الآن بين نظافة الوسيلة ومشروعية الغاية، ولم يوظف إمكاناته التي يسيطر بها على الدولة في تزوير إرادة شعبه، وكانت لديه ذرائع إلى هذا من الإنجازات المهمة التي حققها، إلا أن القيم السوية كانت حاكمة لسلوك الحزب في منافساته المحتدمة مع خصومه بصورة مستمرة.

كذلك يمكن أن نتفق على أن الحزب إن كان قد نجح فقط في بناء قواعد للديمقراطية التركية تحميها من تغول العسكر أو غيرهم عليه أو على غيره من الأحزاب أو مؤسسات الدولة المختلفة، فإنه يكون قد أسدى لتركيا خدمات جليلة تضمن لها الاستمرار في طريق ديمقراطي نظيف يبتعد بها عن طريق الانقلابات البائسة، ويقدم تجربة مستمرة لتداول السلطة.

لا شك أن الإنجاز الاقتصادي هو أهم ما حققه “العدالة والتنمية” طوال حكمه المنفرد للبلاد، إلا أن هذا الإنجاز ما هو إلا مقدمة لإنجازات أخرى كان يجب القيام بها تتعلق بترسيخ الشخصية الثقافية الأصيلة لتركيا؛ لا بصورتها العثمانية التاريخية الحرفية كما يمكن أن نفهمها من سلوك كثير من قادة حزب “العدالة والتنمية” أنفسهم، ولكن بروحها التي تنتمي إلى بيئات جغرافية وفكرية متنوعة لا يمكن أن نهمل أنها في أساسها إسلامية، وفي جانب منها أوروبية، وفي عمقها الجغرافي آسيوية.

وأحسب أن إكمال الإنجاز الذي سعى إليه الحزب، وحقق منه جانبا ليس هيّنا هو مسؤولية قواعده الجماهيرية والحركة الإسلامية التركية عموما. ولا أحد ينكر أن هناك مساعٍ كثيرة لاستكمال المشروع الكامل للحزب ثقافيا وفكريا واجتماعيا، إلا أنه ما زال مشروع حكومة أكثر منه مشروع شعب، ومثل هذه الصيغ التغييرية لا تصلح أو لا تعمّر طويلا، أو حتى لا ترسخ جذورها في التربة الاجتماعية التي تعمل فيها.

ولعل تغليب الأكراد للعامل القومي في هذه الانتخابات، وتقديمهم “حزب الشعوب الديموقراطي” الممثل لقوميتهم – مع أن نسبة كبيرة منهم نورسيون إسلاميون وبديع الزمان النورسي نفسه من أبناء هذه القومية – على حزب “العدالة والتنمية” الذي يملك قدرة أكبر وقدرا أعظم من الجوامع التي تلملم أشلاء تركيا – لعل هذا دليل واضح من أدلة قصور الأداء الذي تعاني منه الحركة الإسلامية التركية.

وبالنسبة لحزب العدالة نفسه، فإنه منتصر وفائز بالمركز الأول في الانتخابات لا شك كما تقول الأرقام بدقة، ولمّا تغرب شمسه بعد، ولم ينهدم المعبد على رأسه، غير أن بيته من الداخل يحتاج إلى إعادة ترتيب وتأهيل لقواعده وإبراز لصف جديد من القيادات التي يجب أن تتوالد وتتوارث المسؤولية بجدارة واستحقاق.

إن حزب الرجل الأوحد لا يصلح لقيادة الحياة السياسية طويلا، وهذا – في رأيي – صورة من صور قصور التجربة الإسلامية التركية على مستوى العمل الدعوي الذي يقوم به النورسيون بمختلف أطيافهم، وكذلك على مستوى العمل السياسي الذي وصلوا من خلاله إلى ذروة السلطة وسدة الحكم، فلابد من إثبات أن الحركة الإسلامية ولود، وأن مسيرتها لم تتوقف عند جهود المؤسس رحمه الله، وكذلك الأمر بالنسبة لحزب نجم الدين أربكان، وحزب “العدالة والتنمية” بقيادته التاريخية العظيمة.

وهنا قد يجوز لنا أن نعلق على محاولات تغيير النظام السياسي للدولة التركية لأجل استيعاب الرئيس رجب طيب أردوغان شخصا مؤثرا وصانعا بقوة للسياسة في تركيا، فلا شك أن السيد أردوغان واحد من الشخصيات ذات الأهمية الخاصة في تاريخ تركيا الحديث على العموم، إلا أن ربط المسيرة السياسية لحزب بل دولة بأكملها بشخصه كان من أسباب الضرر الذي لحق بالعدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة.

كما أن رفع سقف التوقعات في الانتخابات الأخيرة إلى درجة الحصول على ثلثي مقاعد البرلمان، يعني أننا لم نحسن قراءة نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها أردوغان بمنصب الرئيس في شهر أغسطس من العام الماضي بنسبة أقل من 52%، فالنسبة الباقية التي توزعت أصواتها على بقية المرشحين نسبة ضخمة في انتخابات يقع فيها الاختيار على شخص واحد من بين مجموعة محدودة من الأشخاص، ولابد أن نتوقع أن تتسع هذه النسبة أكثر حينما تدخل فيها الاعتبارات العصبية والقبلية والإقليمية لانتخابات يشارك فيها آلاف المرشحين.

وما دمنا نؤمن بأن أصابع خارجية حاولت التأثير في الانتخابات الرئاسية التركية في العام الماضي ومن بعدها الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فلابد من الإشارة إلى هذا الجانب الخطر؛ إذ إن كثيرا من أدعياء الديمقراطية وسدنتها في العالم، ومعهم دول نشأت في أجواء مشبوهة، وظل الحاكم فيها لا يُسأَل عما يفعل، لا يتورعون عن هدم التجارب الديمقراطية الوليدة.

وهنا على دعاة الديمقراطية الحقيقيين وحماتها وحراسها الصادقين في العالم أن يتنادوا لإنقاذها من الكارثة التي تحيق بها، وتتمثل في تلاعبات الخارج وأمواله بأصوات الناخبين، وقد سبق أن حدث هذا ليس فقط في مصر وتونس وغيرهما من دول العالم الثالث ذات الديمقراطيات الموءودة، ولكن دخلت في الانتخابات الفرنسية أكثر من مرة أموال خارجية مشبوهة. ويعتبر هذا مرحلة أكثر تقدما للتلاعب بالديمقراطية بعد أن شاع حشد المال الداخلي “المشبوه” في المعارك الانتخابية في الشرق والغرب على السواء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد