بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ما يعرف عن علال الفاسي بين العامة، أنه زعيم سياسي بامتياز، ومناضل من الطراز الرفيع، بزغ فجره إبان فترة الاستعمار التي شهدها المغرب، لكن المثقفين وأهل العلم فقط من يعرفون قيمة هذا الرجل العلمية وثقل اسمه في علم المقاصد.

في بيت أسرة عريقة عرفت بالعلم ومكارم الأخلاق نشأ، وفي أحضان مشايخ القرويين ترعرع، ساهمت الأحداث السياسية التي كانت يشهدها المغرب آنذاك والعالم، في صقل شخصيته وتحديد معالمها، وصفه الدكتور محمد الروكي؛ برائد الفكر الإسلامي المعاصر ونموذج العالم الرباني القائد، ومثال الزعيم السياسي الراشد.1

كتبت عنه كتب ومقالات وخاضت في سيرته أنامل جهابذة كبار، من بينهم العلامة الدكتور أحمد الريسوني، الذي ألف كتابا سماه: «علال الفاسي، عالمًا ومفكرًا».

المناضل والعالم علال الفاسي لم يتخلف عن ركب المطالبة بالاهتمام بكل ما هو مشترك إنساني، سواء في كتاباته المقاصدية أم السياسية، فكل ما جادت به أنامله من إبداعات، تنم عن وعي كبير وفهم عميق ومراعاة للمشترك، ولعل أكثر كتبه شهرة كتاب «مقاصد الشريعة ومكارمها»، الذي ذاع صيته في الأمصار، والذي أبان على أن صاحبه ذو نظرة مقاصدية ثاقبة، فكان كلما ذكر علماء المقاصد إلا وكان علال الفاسي في مستهل القائمة.

المشترك الإنساني عند علال الفاسي

المشترك الإنساني هو كل ما يتجاوز الحدود الجغرافية، ويترفع عن الانتماءات العرقية والتوجهات الدينية، ليبلغ مبلغًا فيه تلتقي الإنسانية جمعاء، كالمطالبة بالعدل والكرامة والحرية، وغيرها من القيم والمطالب التي لا يمل أن يطالب بها أو يناشدها إنسان فوق الكرة الأرضية.

وقد كان د. علال صاحب السبق إلى ربط المقاصد بحقوق الإنسان في كتابه «مقاصد الشريعة»، قال في مقدمة كتابه المقاصدي واقتضى ذلك أن أفصل حقوق الإنسان في الإسلام، واضعًا لها في مركزها، مؤكدًا أن الحق لا يتم إلا بالواجب، وختمت ببيان السماحة الإسلامية وما ترمي إليه من إقرار السلام2، وذاك الربط الجميل المحكم أبان على أن غاية هذا الدين ومقاصده الحفاظ على الإنسان وصيانة حقوقه، وبذلك يكون هذا الدين بكل ما فيه حاميًا لحمى الإنسان.

الحرية، العدل، الكرامة، الديمقراطية، كلها وغيرها مطالب إنسانية ضحت من أجل تحقيقها الشعوب في الماضي والحاضر وستظل في المستقبل تطالب بها، ما دام عهد الاستبداد والفساد لم ينته، هذا النضال خلف في الماضي وما يزال يخلف وراءه ضحايا أنظمة استبدادية متجبرة قمعية من شهداء ومعتقلين كانت تهمتهم الخروج للمطالبة بالحقوق.

وقد ارتبطت هذه المطالب عند علال الفاسي بتجربته في الكفاح وحضوره الوازن في هيكلة العمل الوطني، ونضاله الشرس في وجه الاستعمار، ففي كتابه «النقد الذاتي» تحدث عن الحرية، والحرية بالنسبة لعلال الفاسي ليست مجرد حق طبيعي، وإنما أكثر من ذلك، هي حق عقلي، فقد شدد على ضرورة احترام الحق في التفكير، حيث قال: «إن الفكر حر لا يستطيع أحد أن يقيده، ولم يجعل الله لأحد سلطانًا على حركة الإنسان الداخلية، هكذا تعود الناس أن يقولوا، ولكن هذه الحرية التي يحمدون الله عليها لا قيمة لها إذا لم يكن لها الحق في أن تظهر للناس».

أما الديمقراطية، فقد أفرد مقالاً كاملاً لها عنوانه «الديمقراطية خلق»، تحدث فيه عن أهمية الديمقراطية وتجلياتها، اقتبست منه ما يلي:

«فالديمقراطية قبل كل شيء إيمان في الشعب لحقه في حكم نفسه بنفسه، وكنتيجة لذلك صفة تنعكس على أقواله وأفعاله، تجعله لا يأتي من الأعمال، ولا ينطق من الأقوال، إلا ما يتفق مع تلك العقيدة، ولا يقبل من غيره ما يتنافى معها.

إن الديمقراطية تعني احترام الكل، والإيمان بكرامة الإنسان، وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وأن تقبل حكم النتائج التي تطلبها من الانتخابات، أو من مشورة الأغلبية، فهل يستطيع قومنا، وقد من الله عليهم بنظام الملكية الدستورية الذي رغبوا فيه، أن يأخذوا أنفسهم بالخلق الديمقراطي، حتى يعيشوا في إطاره، ويسيروا بمقتضاه؟ إن عليهم إذن أن يكونوا أوفياء لمبادئ الحرية، وأن يقوموا بالواجبات مقابل التمتع بالحقوق».3

وفي جانب العدل، تحدث عالمنا الجليل عن مقصد العدل بين الشرائع الدينية والوضعية، باعتباره مقصدًا مشتركًا، إلا أن ما يميز مفهوم العدل في الشريعة الإسلامية، كونه يتجاوز الظاهر إلى الباطن، في حين يبقى في المذاهب الوضعية ظاهريًا، قال إن غاية الشريعة هي مصلحة الإنسان كخليفة في المجتمع الذي هو منه، وكمسؤول أمام الله الذي استخلفه على إقامة العدل والإنصاف.4

ودافع كذلك عن الكرامة باعتبارها جزءًا لا ينفصل عن باقي المطالب، فالحرية والعدل والديمقراطية، كلها أتت لحماية كرامة الإنسان، وكلما تم الإخلال بها أهينت كرامته ومس بها.

علال الفاسي ناضل لسنوات طوال من أجل تحقيق هذه المطالب، وبذل من جهده ونفسه لجعل هذا الوطن وطنًا يراعي مواطنيه ويصون حقوقهم، ويمنحهم الحرية والكرامة والعدالة، مات علال لكن النضال من أجل تحقيق حلمه وحلم كل المواطنين لم يمت، ومن الأكيد أن هذه الورقات القليلة ما كان لها أن توفي لهذا الجهبذ حقه، لكنها تبقى محاولة بسيطة لتسليط الضوء على هذا الموضوع القيم: «المشترك الإنساني عند علال الفاسي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الدكتور محمد الروكي، في تقديمه لكتاب العلامة الريسوني،علال الفاسي كاتبًا ومفكرًا ،ص5،الطبعة الثانية 2014م 1
مقاصد الشريعة، علال الفاسي 2
الديمقراطية خلق، علال الفاسي، موقع وزارة الثقافة والاتصال، نشر هذا المقال بمجلة البينة، العدد 08 رجب 1382 هـ، موافق دجنبر 1962م 3
مقاصد الشريعة، علال الفاسي 4
عرض التعليقات
تحميل المزيد