وماذا لو أنا خلقنا كاملين لا يعترينا أي نقص، كاملين لا تصيبنا أي عارضة من عوارض الحياة، ولا يحلق بنا أي أذى، لا نمرض، لا نشيخ، لا نموت، لا نهرم، لا تصيبنا أي أعراض صحية أو مرضية، لا نحزن، لا نبكي، لا نتألم، فكيف سيكون حالنا!

إنه اليوم الذي سيعلن فيه موت إنسانيتنا وآدميتنا، سنكون بشرًا على شكل آلهة، سيعترينا الكبر والغرور والغطرسة والعظمة والتعالي، وأي انكسار سيصيبنا بعد أن فقدنا معنى الوجع، سيختفي من عيوننا البريق عند امتلاكنا الأشياء، وسنكبر على السرور أربعًا، وأي معنى للسرور إلا في الأخذ بعد الفقد، والحصول بعد المعاناة، والوجد بعد البحث، فأي موت سيصيبنا ونحن على قيد الحياة.

بل إننا لا نتعرف إلى الله حق المعرفة الا من خلال ضعفنا وانكسارنا ومعاناتنا وألمنا؛ فأجمل ما في إنسانيتنا هو هذا الانكسار وهذا التعب وهذا النصب والألم. يموت لنا حبيب فنشعر بالألم، يغيب صديق فنضعف وننكسر، يختفي ثالث فنبدأ بالانهيار، نبكي نتألم ثم نتماسك، فنفشل، نقوم ثانية نهم بالسقوط فنرتفع بعدها ثم نتكئ على عكاز هذه الحياة ونمضي، نمضي وقد أعطتنا الحياة درسها وهي تقول لنا: يا عزيزي لولا عكس المعنى لما كان للمعنى معنى، هل سندرك معنى الحياة لولا الموت، وهل سندرك معنى اللقاء لولا الغياب، وهل سندرك معنى الفرح لولا الحزن والألم، وهل سندرك لذة العلم لولا الجهل، إننا لا نتمسك بأحبابنا إلا إذا جربنا الفقد، ولا يزداد حرصنا عليهم لو لم نجرب مرارة غياب الآخرين، وباختصار، إنه لا معنى للنجاح بدون احتمال الخسارة.

فالألم هو ما يصنعنا ويعيد تشكيلنا من جديد، الألم هو الصفعة التي توقظك، وهو الحقيقة التي تحييك، الألم هو مسحة المنديل عن مرآة روحك لتكشف لك حقيقة نفسك، الألم يبدد الوهم إنه لا يخدعك بعالم ملائكي تنتعش فيه لتستيقظ وتجد نفسك في الحضيض، إنه يضعك في مواجهة حقيقية مع نفسك، مواجهة الألم هي أولى طرق الشفاء وأولى طرق النهوض، هي السبيل الأول لخلع ثياب الخديعة، إنه تعريك من كل ما ليس أنت لتلبسك ثوب الحقيقة، الألم لا يعطيك حلولًا لكنه يضعك في الاتجاه الصحيح ويخبرك أن هناك ما يجب فعله، ويخبرك أن هناك خللًا ما، الألم لوجود سرطان خير من العيش في الوهم الخادع الذي يقتلك دون أن تدري.

بل بالألم والوجع وحده دبت الروح في كل الأعمال الأدبية الخالدة، فالكتابة كانت وما زالت وليدة الحزن والأسى أكثر مما هي وليدة الفرح والسعادة، فالمتألم يصرخ ويبكي وينوح، أما الكاتب فإنه يجسد صراخه في حروف ولو كانت في شبه رواية خيالية! لو لم يحزن فرتر لما كتب لنا آلامه، ولو لم يتألم الرافعي ويذوق ألم الفقد والهجر لما كتب لنا سحابه وأوراق ورده ورسائل أحزانه، ولغابت كلماته بقبلة حانية يطبعها على جبين محبوبته، هل رأيت منعمًا يكتب عن نعيمه! ولو لم يتألم سيد قطب لما كتب لنا أشواكه، ولو عاش غسان كنفاني سليمًا معافى لما قرأنا عن عودته ورجاله أو سمعنا عن رسائله، وهل كنا سنقرأ هروب بيتجوفيش لولا أنه سلب منه أعز ما يملك وهي: الحرية! وهل كان نزار سيكتب عن بلقيس لولا موتها؟

لذلك يصعب على الكاتب أن يتصالح مع ألمه، فلو تصالحنا مع الحزن لم يعد هناك مبرر للكتابة، ولذلك يقول علي الطنطاوي: «فليس الضحك الأصل في الحياة ولكن البكاء. يولد الطفل باكيًا ويودعه الناس إذا مات باكين، ولذلك كانت أخلد القصص الأدبية وأعظمها هي المآسي، وكانت النغمات الحزينة أعمق في النفس أثرًا، وكانت المراثي الصادقة أشرف وأكرم من المدائح».

إنها باختصار فلسفة الألم، الألم هو بوصلتنا نحو الطريق الصحيح، إن الله لم يخلقه لنا لننهار وننكسر، ولكن لنكمل الحياة إيمانًا منا بها، فلولا آلام الحياة لما كان لفكرة الجنة أي معنى، في عالم مثالي لا حزن فيه ولا ألم ولا فراق، أعانكم الله على التحامل على أوجاعكم ورزقنا جميعًا تلك القوة التي نكمل بها هذه الدنيا، ونتحامل على جراحنا، إيمانًا منا بقيمة الحياة وبجدارة الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, فكر, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد