يالله! كيف أُلهم خيري شلبي لكتابة شيءٍ كهذا؟ يجب أن تكون شياطين الإلهام كلها تلبسته ليكتب هذه الملحمة! حكاية تنتهي لتبدأ حكاية وتنتهي وتبدأ أخرى… حكايات لا عدد لها وحياة أخرى ممتلئة بالشخصيات الحيّة التي نراها في أرض الواقع ونسمع عنها دائمًا، عالم آخر من الجوع والفقر والشقى والنهب والفساد مليء بالتناقضات نعيشه في هذه الثلاثية. أنّى لهذا الرجل بهذه الحكاوي؟ كيف يصوغها بهذا القدر من التفصيل والبساطة في آنٍ معًا؟ لا يحكي هذه الحكايات بهذا الأسلوب والتفصيل سوى شخص عاشها.
أنا على استعداد أن أجلس ساعات وساعات أمام عم خيري ليحكي لي ما يريد ويأخذني معه لأي مكان، إن هذا الرجل (حكواتي) عظيم.

في البداية أعتقد أن خيري شلبي أزمع كتابة رباعية وبدأ الجزء الرابع لكنه وجده صغيرًا فضمه إلى الجزء الثالث؛ لأن الطبعة التي أقرأها هي طبعة الهلال الأولى (1995) يوجد بها بعد (284) صفحة فاصل وورقة مكتوب فيها «الكتاب الرابع: الفورة»، لم أرَ طبعة الشروق فلا أعرف هل هذا يوجد فيها أم لا، لكني وجدت الثالث موصول بالرابع في النسخة المتوافرة من أعماله الكاملة على النت.

الرواية محبوكة بعبقرية، أراد خيري شلبي جر رجل القارئ من الجزء الأول خلال تكثيف الحكايات وبساطتها، فنعيش في هذا الجزء حياة الصعيدي ومشقات الحياة والعمل في القاهرة ثم بعض السرقات الصغيرة للعيش، ستجد عشرات الحكايات الساحرة في هذا الجزء.
الجزء الثاني يصبح السرد أكثر تفصيلًا ويبهرنا عم خيري ببراعته في الحكي أكثر، مع كشف بعض الورق، وهو الجزء الأفضل في نظري.
الجزء الثالث أسهب في بعض المناطق بشكل لم يكن له داعٍ، وصفه للورق في المرتين اللتين قرأت فيهم الشيخة سعادة الورق كان أكثر من اللازم.لكن في هذا الجزء انكشفت الأوراق، أوراق السر الأعظم والأصغر، أصبحنا نفهم ما يريده عم خيري تحديدًا، أصبحت اللهجة السياسية عالية وحادة في نقدها للنظام الاشتراكي وحكم السادات والجماعات الجهادية والإخوان، أصبح الحديث عن الفساد أكثر وضوحًا خاصةً وأن حسن انخرط في اللعبة السياسية وأصبح من كبار الحرامية، وهذا الجزء هو الأنضج أو زُبد ما أراد أن يقوله من خلال هذه الثلاثية.

أسلوب خيري شلبي هو فصحى معشقة بالكلمات الصعيدية والأمثال العامية، اختار خيري شلبي الأسلوب الأدبي الفصيح مع مراعاة نبوعه من البيئة التي يتحدث عنها، خصوصًا وأن السارد هنا هو حسن أبو ضب الصعيدي الذي يحكي حكاياته.

هذه الثلاثية واحدة من أفضل الروايات بناءً للشخصيات رأيته في رواية عربية، وربما الأفضل، شخصيات كثيرة وكل شخصية منهم -أساسية أو ثانوية- هي كتاب يفتحه لك خيري شلبي لتنظر بداخله وتعاني ما يعاني، شخصيات تفور بالإنسانية بتناقضاتها وتقلباتها فترسم لك حال مجتمع، بداية من حسن أبي ضب فإنه ليس مجرد شخصية روائية بل حالة إنسانية ومجتمعية فريدة في رسمها يستطيع أي ناقد أن يبني عليها بحثًا كاملًا لتحليلها، وهكذا «الشلة الوسخة» كما يدعوهم حسن في الرواية وهم أصدقاؤه الذي بدأ معهم من السرقات الصغيرة حتى أصبح برلمانيًا من الحرامية الكبار، ورسمه للسادات بشخصيتين: رجل الأعمال وتاجر الآثار الذي عرفه في جلسات التحشيش، والرئيس، ينطوي على الكثير من المعاني. وشخصية سعدية وتطوراتها، كل الشخصيات دون استثناء عظيمة في رسمها.

خلف البساطة والانطلاق في الحكي تكمن قوة البناء والعظمة في بناء الشخصيات، مع حسن أبي ضب نعاصر حال مصر اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا ودينيًا من بداية الملكية مرورًا بالاشتراكية وحتى مقتل السادات، ستقرأ عن كثير من الشخصيات التي تعرفها والتي لا تعرفها في تاريخ مصر، شخصيات حقيقية وأخرى من خياله، تطرح أمامك الواقع والخيال ممتزجين حتى لا تستطيع التفرقة بينهما.

في الجزئين الأول والثاني لم تكن النبرة السياسية واضحة لكنه كان ينتقد الاشتراكية بشكل متوار يسمح به سياق الحكاية دون الخروج عنها فهذا النقد من صُلب السرد وليس فزلكة خارجية لا داعي لها، ومثل هذا عندما كان حسن يبيع السمك للناس في السوق بزيادة طفيفة عن التسعيرة القليلة ودخلت عليه الحكومة واجبرته على البيع بالتسعيرة وأقل قائلين: ده بتاع الناس.. وترديد حسن نفسه لنفس الجملة في أماكن أخرى، وفي الجزء الثاني تصاعدت هذه النبرة حسب تصاعد حسن وفهمه للمجتمع ومعاصرة الناس.

وفي الجزء الثالث أصبحت واضحة خاصة مع دخول حسن في السياسة وأصبح صاحب شركات ومن كبار البلد. في قراءة الشيخة سعادة لأوراق التاروت الإحدى وعشرين زائد ورقة المهرج -كأن خيري شلبي أراد أن يكشف لنا ورق لعبه صريحًا وأن يقرأ لنا ما يهيئ له منذ بداية الثلاثية، في هذه التحليلات للورق رسم خيري شلبي الجاضر الذي كان يعيشه وقت كتابة الرواية مع الإشارة إلى الفترة التي تدور فيها أحداثها وقت عبد الناصر مع بعد النظرات التي يراها للمستقبل بناءً غلى الماضي والحاضر، وبالفعل نحن إلى الآن نعيش في كثير مما كتبه عن للمستقبل، فيتحدث عن عناصر الفساد من الطاغية وضياع الأخلاق وسيادة الهزل والتهريج وسموم الإعلام التي يبثها في أذن الخلق، ورخص الآدمي وانعدام الإنسانية والمتاجرة في الأعراض وفي الدين وفي التاريخ، وموت الشرفاء كمدًا واللصوص والقوادين يرتعون في الأزقة، وضياع معنى الوطن ونشأة الأطفال الفاسدة منذ الصغر وكل هذا يُبث لنا من خلال الصندوق السحري الصغير الذي يتحكم فيه الطغاة. وفي ظل سيادة التهريج لن يكون هو عصر العفاف بل عصر الإسفاف بالنسبة للنساء، فتختفي الملكة التي برقعها الحياء وتسود التي لا برقع لها! وفي ورقة الإمبراطور يحكي حكاية مصر من بعد الملكية إلى اليوم باختصار. وانعدام الحب وتسيد جواز الصالونات الذي تباع فيه المرأة لمن معه المال، فيصبح حب الفقير هو حب مؤقت ينتهي مع قدوم الرجل القادم من الخليج ليشيل الليلة بأمواله.
هذه تنبؤات بضعة أوراق فقط، وفي كل ورقة يعرضها بعد هذا يدوس بها على جرحٌ متقيح في جسد المجتمع، مع وجود عامل تحريضي يدعو للتخلص من هذا الفساد.

ثم في حديثه عن جماعات الجهاد والإخوان الذين أصبح لهم دور كبير، وكانت كبيرتهم هي أخته التي كانت حاكمة للجبل الذي يأوي المطاريد بعد أن مات زوجها، ومع الوقت أتجهت لقراءة أوراق التاروت والتنبؤ وأصبحت من الشخصيات المرموقة، ثم اتجهت لإنشاء مليشيات وقوات جهادية تجهزهم في الجبل لتصنع بهم قوة ضاربة لا يعلم أحد عنها الكثير.

وتنتهي الرواية مع موت السادات واعتزال حسن السياسة وتوبته، لم يعد يقلقه شيء سوى هذه الجماعات الجهادية التي رآها في الجبل الذي تسعى لإعادة مصر إلى العصور الجاهلية.

«آه لو أصبحت لصًا محترفًا! إذن لعرفت كيف أحكم هذا البلد!»

رحمة الله عليك يا عم خيري!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد