اليوم الثاني من السنة الميلادية 2 يناير (كانون الثاني) من كل عام في ذكرى تسليم غرناطة، يحتفل بعض الناس ممن يرون هذا الحدث استردادًا، ويتباكى بعضهم ممن يرونه سقوطًا، قبيل نهاية كل عام ميلادي يحضر المحتفلون لاحتفالاتهم، ويجهز الباكون رثائياتهم، وكنت أنا هذا العام أستعد لامتحان مادة الأدب الأندلسي، ولعل هذا ما أخرني عن كتابة هذا المقال، وطوال فصلين دراسيين درست فيهما الأدب الأندلسي كانت تدور تساؤلات ومناقشات بيني وبين بعض الأصدقاء والزملاء حول قضية الأندلس، لماذا إذا غزونا نحن يكون فتحًا وإذا غزا غيرنا يكون احتلالًا؟ وأي الفريقين المحق في قضية الأندلس؟ وما الضابط الفارق بين الفتح والاحتلال؟

أسئلة تحتاج إلى إجابات منطقية حيادية، جعلتني أبحث في الأمر وفي تاريخ الأندلس قبل الإسلام والشعوب التي سكنتها.

لمن الأرض؟

أسموها حروب استرداد، وكذلك يرى بعض الناس أنهم شعب استرد أرضه، فهل هي كذلك؟ شبه الجزيرة الإيبيرية أرض يحيط بها الماء من جميع الجهات ما عدا جهة الشمال الشرقي التي تربطها بأوروبا، ولكن يفصل بينهما جبال البرانس، فالجزيرة إذن منعزلة يصعب الوصول إليها إلا بإحدى الطريقتين: عبر البحر أو عبور الجبل، ويعتقد أن أول شعب سكن هذه الجزيرة هم الإيبيريون وقد وصلوا إلى شبه الجزيرة في نهايات العصر الحجري الحديث وبداية العصر البرونزي (2000 – 1500 قبل الميلاد) وقد قبعوا في الجنوب والجنوب الشرقي من شبه الجزيرة، وهذا شعب مختلف في أصله، ويرجح البعض أنه عبر إلى الجزيرة من الشمال الأفريقي، فهو لا ينتمي إلى الشعوب الهندوأوربي، وكذلك هو مجهول اللغة والثقافة، وبحسب موقع «مركز دراسات الباسك» فإن بعض الباحثين يعتقدون أن سكان إقليم الباسك ينحدرون من السكان الأصليين لشبه الجزيرة الإيبيرية؛ فهم ليسوا من التكوين العرقي نفسه للإسبان وثقافتهم مختلفة، ودماؤهم مختلفة، ولغتهم لا تنتمي إلى اللغات اللاتينية أو الهندوأوربية، وهي كذلك مختلف في أصلها، وهناك من يفترض وجود صلة منشأ بين لغة الباسك وبعض اللغات الأخرى، ويأتي في مقدمة هؤلاء الباحثين اللغوي الألماني هوجو شوخارت (1842– 1927) Hugo Schuchardt الذي يدّعي أن لغة الباسك ذات صلة وثيقة باللغات الإيبيرية Iberian، وأنها جميعًا أتت من أسرة اللغات المعروفة بالساميةـ الحامية وهي أسرة لغوية أفريقيةـ آسيوية.

هذا فيما يخص أول شعب سكن الجزيرة، والأمر مبهم لأنه مغرق في القدم، ولكن الإشارات العرقية واللغوية تشير إلى الأصول الأفريقية للشعب الإيبيري، حتى إذا أتينا إلى عام 1200 قبل الميلاد رأينا سيطرة الشعب الفينيقي «من لبنان» على سواحل شبه الجزيرة الإيبيرية وتكوين حضارة فيها استمرت ستة قرون، أنشأوا فيها عدة مدن منها مدينة (قادس – (cadiz التي كانت عاصمة لهم، وهم الذين أطلقوا عليها «هسبانيا» أي جزيرة الأرانب؛ لأنهم لم يجدوا فيها إلا الأرانب.

وحينما ضعفت الحضارة الفينيقية حلت مكانها الحضارة القرطاجية «من تونس» وبنوا بعض المدن في شبه الجزيرة الإيبيرية، وكانت عاصمتهم فيها (قرطاجنة – (Cartagena التي بناها صدر بعل القرطاجي سنة 230 قبل الميلاد.

وفي عام 209 قبل الميلاد هزم الرومان القرطاجيين، ودمروا مدنهم وسيطروا على الجزيرة بعد مقاومة عنيفة من أهلها استمرت حتى بداية القرن الأول الميلادي، ومنذ عام 378م كانت هناك حروب قائمة بين الرومان أصحاب المذهب الكاثوليكي، وبين القوط الغربيين أصحاب المذهب الآريوسي في شرق أوروبا، بين عامي 407م و409م قام الونداليون بمساعدة حلفائهم الألانيون وبعض القبائل الجرمانية كالسوفي- قاموا باكتساح شبه الجزيرة الإيبيرية وجنوب فرنسا، وهي أراض تابعة للإمبراطورية الرومانية، وانتهت الحرب بين الرومان والقوط الغربيين في 24 أغسطس (آب) 410م بعد أن وافق أتولف ملك القوط على طلب هنورويوس بمغادرة إيطاليا مقابل أن يُعطى القوط أراضي إيبيريا وأكويتين.

وقام الملك إيورك القوطي بتوحيد القبائل المتناحرة فيما بينها وثار على الحكم الروماني حتى استطاع أن ينتزع منهم استقلالًا كاملًا لمملكته عام 475م، وضم أراضي إيبيريا كاملة تحت حكمه ما عدا مناطق الباسكيين في الشمال ومملكة السوفي في الشمال الغربي، وظل ملكهم حتى دخول المسلمين 711م.

وهكذا سكن الجزيرة الإيبيريون ذوو الأصل الأفريقي على الأرجح أولًا قرابة ثلاثة قرون، ثم انعزلوا في إقليم الباسك ولم يختلطوا بغيرهم وحافظوا على لغتهم إلى الآن ممثلة في لغة الباسك، ثم سكنها الفينيقيون ذوو الأصل الأسيوي قرابة ستة قرون، وبعد سقوط دولتهم قامت مكانها دولة القرطاجيين ذات الأصل الأفروأسيوي واستمرت قرابة قرن، وأتى بعدهم الرومان ذوو الأصل اللاتيني واستمرت دولتهم قرابة قرنين ومن بعدهم القوط ذوو الأصل الإسكندنافي، ثم عمرها المسلمون قرابة ثمانية قرون.

ما دين شبه الجزيرة الإيبيرية؟

في العصور الساحقة لا نجد إشارة واضحة إلى دين محدد في إيبيريا، لعلها كانت تعددية وثنية لكل عرق من العروق، الإيبيريين، الفينيقيين، القرطاجيين، الروم الوثنيين، مع بعض اليهود الذين دخلوا الجزيرة أسرى أو عبيدًا أو مهاجرين، وفي الناحية الشرقية من العالم كانت الإمبراطورية الرومانية الوثنية تضطهد اليهودية والمسيحية حتى عام 313م الذي أعلن فيه الإمبراطور قسطنطين مرسوم ميلانو الذي منح المسيحيين وغيرهم الحرية لاتباع الدين والنهج المناسب والأفضل لكل فرد منهم مما منح التسامح لجميع الأديان، بما فيها المسيحية.

ولكن في هذا الوقت كانت المسيحية منقسمة على نفسها حول طبيعة المسيح أهو إله أم مخلوق، عقيدة الكاهن آريوس ترى أنه مخلوق بينما يرى أعضاء مجمع النيقية يرونه ذا طبيعة إلهية، وانعكس هذا على ديانة الإمبراطورية الرومانية فكان قسطنطين على الحياد وخلفه من مال إلى الآريوسية ونصف الآريوسية ومن أعاد الوثنية، خلال فترة تعاقب فيها من يميلون إلى الآريوسية استغل الأمر في التبشير الآريوسية في المناطق التي لم تعتنق المسيحية ونجح المبشر «ألفيلاس» في تحويل الشعوب الجرمانية «القوط والوندال» إلى العقيدة الآريوسية، وظلت ديانات الإمبراطورية الرومانية متعددة حتى تبنى الإمبراطور ثيودوسيوس الأول المسيحية في عام 380، وجعل منها دينًا وحيدًا للإمبراطورية في عام 391 وداعمًا لعقيدة التثليث، وعقد صلحًا مع القوط الغربيين الآريوسيين، ودام الصلح طوال فترة ثيودسيوس وبعد وفاته خلال الخمس عشرة سنة التي تلت موت ثيودوسيوس حدثت بعض المناوشات والصراعات بين القوط الغربيين والرومان، وكانت حدة هذه الصراعات تزداد حدة سنة تلو أخرى. بعد قتل هونوريوس لجنراله ستيليتشيو والقيام بمجزرة قتل فيها عائلات 30 ألف من جنود القوط الغربيين، أعلن ألاريك الحرب على الرومان وكان ذلك في عام 408م. توغل القوط في إيطاليا حتى وصلوا روما وحاصروها، ومن ثَم تمت مفاوضة هنوريوس الذي رفض شروط ألاريك. اتخذ ألاريك قراره بأن يقتحم مدينة روما وكان له ذلك في 24 أغسطس 410م.

وفي أثناء الاقتحام توفي ألاريك فخلفه زوج أخته أتولف الذي وافق على طلب هنورويوس بمغادرة إيطاليا مقابل أن يُعطى القوط أراضي إيبيريا وأكويتين.

وانتقل القوط بعقيدتهم الآريوسية إلى إيبيريا وعاشوا متسامحين مع ساكنيها من اليهود والوثنيين، وظل القوط آريوسيين حتى اعتنق الملك القوطي ريكارد الأول (586–601) الكاثوليكية. مما أدى إلى بعض الاضطرابات في المملكة نتيجة فرضها على شعبه، ولا سيما ثورة مطران ماردة الآريوسي التي تم قمعها، فعقائد الشعوب لا تحول بالقرارات ولا بالقوة، ولم يقتصر الأمر على الآريوسيين فقط بل طال اليهود فحرموا مصاهرتهم، ومنع اتخاذ اليهود عبيدًا من النصارى، فأثر عليهم ذلك كثيرًا بسبب كثرة أملاكهم وتجارتهم، ومنع اليهود من ترتيل المزامير في المناسبات والجنائز.

وفي عهد سايزروت أصدر قانونًا سنة 613م بتهجير من رفض دخول الكاثوليكية من اليهود، وسجن وقتل عددًا من أثريائهم، فاضطر نحو 90 ألف يهودي إلى التنصر، وغادر آخرون إلى أفريقيا وبلاد الغال، واستمر وضع اليهود المتبقين في إسبانيا في اضطهاد طوال عهود القوط الكاثوليك حتى دخول المسلمين.

ولعل هذا يجيبنا عن سؤال محير وهو: كيف استطاع طارق بن زياد فتح الأندلس والوصول إلى طليطلة في قلب الجزيرة الإيبيرية بعمق أكثر من 600 كيلومتر بـ7 آلاف جندي فقط؟ إن كان الجيش القوطي ضعيفًا عسكريًّا فما دور شعب إيبيريا وما موقفه من جيش غريب؟ هل كان مناهضًا أم مؤيدًا أم مشاهدًا فقط؟

يخبرنا ابن القوطية في كتابه «تاريخ افتتاح الأندلس» عن جدوده – الذي هو أعلم منا بهم- قائلًا:

«إن آخر ملوك القوط في الأندلس كان غيطشة توفي عن ثلاثة أولاد، أكبرهم ألمند ثم وقلة ثم أرطباش، وكانوا صغارًا عند وفاة أبيهم، فضبطت عليهم أمهم ملك أبيهم في طليطلة، وانحرف لذريق – وكان قائدًا لأبيهم- بمن يطيق به من رجال الحرب فاحتل قرطبة فلما دخل طارق بن زياد الأندلس أيام الوليد بن عبد الملك كتب لذريق إلى أولاد غيطشة – وقد ترعرعوا وركبوا الخيل- يدعوهم إلى مناصرته وأن تكون أيديهم واحدة على عدوهم، وحشدوا وقدموا ونزلوا عند شقندة وما يطمئنون إلى لذريق فخرج إليهم ونهضوا للقاء طارق، فلما تقابلت الفئتان أجمع ألمند وأخواه على الغدر بلذريق، وأرسلوا في ليلتهم تلك إلى طارق يعلمونه أن لذريق إنما كان كلبًا من كلاب أبيهم وأتباعه، ويسألونه الأمان على أن يخرجوا إليه في الصباح وأن يمضي إليهم ضياع أبيهم، وكانت 3 آلاف ضيعة، سميت بعد ذلك بصفايا الملوك.

فلما أصبحوا انحازوا بمن معهم إلى طارق، فكانوا سبب الفتح».

هذا كان أول دخول طارق الأندلس، فماذا عن المدن الأخرى الحصينة؟

تخبرنا بعض كتب التاريخ أن «أوباس» أسقف إشبيلية ساعد المسلمين في فتح الأندلس، وينقل صاحب كتاب «تاريخ النصارى في الأندلس» عما جاء في سيرة القديس «سانت ثيودارد» رئيس أساقفة أربونة الذي عاش حوالي سنة (266هـ) أنه لما دخل المسلمون لأول مرة إلى «لانجدوك» انحاز اليهود إليهم، وفتحوا لهم أبواب مدينة طولوشة.

وعند دخول موسى بن نصير بعد وصول طارق إلى طليطلة حدث معه الأمر نفسه، ومن ذلك يقول صاحب كتاب «أخبار مجموعة في فتح الأندلس» متحدثًا عن الخدمات التي قدمها بعض الإيبيريين لموسى بن نصير:

«فلما نزل الجزيرة، قيل له: اسلك طريقه، قال: ما كنت لأسلك طريقه. قال له العلوج الأدلاء: نحن ندلك على طريق هو أشرف من طريقه، ومدائن هي أعظم خطبًا من مدائنه، لم تُفتح بعد، يفتحها الله عليك إن شاء الله».

ويقول أيضًا: «ثم سار إلى مدينة قرمونة، فقدَّم إليها العلوج الذين معه، وهي مدينة ليس بالأندلس أحصن منها، ولا أبعد من أن ترجى بقتال أو حصار، وقد قيل له حين دنا منها: ليست تُؤخذ إلا باللطف، فقدَّم إليها علوجًا ممن قد أمنه واستأمن إليه، فأتوهم على حال الأفلال، معهم السلاح، فأدخلوهم مدينتهم، فلما دخلوها بعث إليهم الخيل ليلًا، وفتحوا لهم الباب، فوثبوا على حراسه، ودخل المسلمون قرمونة».

هذا مما وصلنا عن أخبار مساعدة الإيبيريين لجيوش المسلمين، فلا يعقل أن يسيطر جيش مكون من 25 ألف جندي «جنود طارق وموسى» على كامل مدن الجزيرة الإيبيرية خلال ثلاث سنوات دون مساعدة من أهلها المضطهدين، فلو كان الشعب رافضًا لهذه الجيوش أو يراها جيوشًا غازية محتلة لما سيطر المسلمون وانتشر الإسلام بهذه السرعة، فالشعب المكون من مئات الألوف وقد يصل إلى عدة ملايين، فلو رفض وجود جيوش الإسلام لحاربهم حروب عصابات، ولو قلنا إنه لو قذفهم بالحجارة من أعالي الجبال لحقق خسائر كبيرة في صفوف الجيش المكون من 25 ألف جندي سلاحهم السيف والقوس والرمح ليس معهم أسلحة إبادة وتدمير، فلا أدري هل يدخل هذا تحت منطق التهكم أم الجد!

وبعد أن عرضنا الأصول العرقية المختلفة المكونة للشعب الإيبيري من فينيقيين، وقرطاجيين، وروم، ووندال، وقوط، ثم عرب، وأمازيغ، والديانات المختلفة من وثنية، ويهودية، ومسيحية، آريوسية، ومسيحية كاثوليكية، حاكمة ثم إسلامية، يبقى سؤال لا أعرف له إجابة! وهو:

أي شعب من هذه الشعوب وأي دين من هذه الأديان يملك هذه الجزيرة حتى يحق له استردادها؟

بغض النظر عن إجابة هذا السؤال، نأتي إلى السؤال الأهم، ما الضابط الفارق بين الفتح والاحتلال؟

الضابط الفارق بين الفتح والاحتلال هو التعايش، لا يوجد محتل يتعايش مع أصحاب الأرض في سلام! ولعلنا نتفق أن التعايش يندرج تحت ثلاثة محاور رئيسة، وهي احترام كل من: الدين واللغة والثقافة، فهل احترم المسلمون هذه الأشياء عن الشعب الإيبيري؟

عندما دخل المسلمون الأندلس كان النصارى طبقتين، طبقة عليا وهم الوجهاء، وطبقة عامة هم الأقنان الذين يزرعون الأرض ويباعون معها إذا باعها صاحبها، غير المسلمون أوضاع هذه الطبقة فملكوهم الأرض التي يزرعونها مقابل جزء من نتاجها يؤدى إلى الدولة، كما كان للنصارى مسئول منهم يمثل حلقة الوصول بينهم وبين السلطة، ومنصبه يسمى «القومس»، كما يعمل سفيرًا للحاكم في استقبال السفرات الأجنبية، وأول من عين في هذا المنصب أرطباش بن غيطشة واقترح على والي الأندلس أبي الخطار حسام بن ضرار تفريق عرب قرطبة في الأندلس تخفيفًا عنها ففعل، وكذلك كان النصارى يشتغلون في المناصب الرفيعة في الدولة، وكثير منهم عمل كاتبًا لحكام بني أمية في قرطبة.

أما فيما يخص الشعائر، فترك لهم المسلمون كنائسهم وأديرتهم، وسمحوا لهم بدق نواقيسهم وعقد مجمعاتهم على اختلاف مذاهبهم، وخير مثال على حفاظ حقوق النصارى تجلى عندما أراد الداخل توسيع مسجد قرطبة، فطلب من نصارى قرطبة أن يبيعوا ما تحت أيديهم من الكنيسة المجاورة للمسجد ليبني مكانهما جامعًا كبيرًا فرفضوا في أول الأمر، ثم وافقوا بعد ذلك مقابل إعادة بناء كنيسة «شنت أجلح» المتهدمة، فوافق الأمير عبد الرحمن الداخل، وأعطاهم 80 ألف دينار مقابل ذلك، وتم الأمر في عام 169 هجريًّا، فالأمير الحاكم يطلب ويشتري، فهل هذا محتل!

والأمر نفسه كان مع اليهود، وخير مثال على ذلك حسداي بن شبروط كبير طائفة اليهود، الذي كان مترجمًا لخليفة الأندلس الأعظم الناصر، ومدبرًا لإدارته العامة وجمارك المملكة، كما كان يذهب في سفارات خطرة، ويستقبل السفراء القادمين على قرطبة.

أما فيما يخص اللغة فلم يفرض المسلمون قيودًا على اللغات الأخرى، مما أدى إلى ازدواج لغوي عند كل عناصر المجتمع الأندلسي أدى إلى ظهور فن الموشحة، الذي تبدأ أبياته بالعربية وتنتهي باللاتينية، بل امتد أثر الازدواج اللغوي بمستوييه الأدبي والدارج إلى الأسماء؛ فنجد أسماء على صيغة «فعلون» مثل زيدون وحمدون وعبدون، وأخرى على وزن «فعلوس» مثل عبدوس وعمروس، ويرجع هذا إلى اللغة الإسبانية القديمة التي تضيف إلى الكلمة «os» لجمعها أو تفخيمها وهذا في المستوى الأدبي، أما في المستوى الدارج فيضيفون «on» فكانت الأسماء أصلها عربي مفخمة باللاتينية الأدبية أو الدارجة، ولم يقتصر هذا على أسماء الأشخاص فقط، بل أسماء المدن أيضًا؛ فالعاصمة الإسبانية الحالية أسسها الأمير محمد بن عبد الرحمن الثاني، وكان اسمها مجريط هو مكون من «مجري» بالإمالة ألحقت بآخرها النهاية اللاتينية «it» للدّلالة على التكثير أو الكثرة، تعجب ابن حزم من أسرة عربية لا تحسن الكلام باللاتينية، دليل على احترام العرب والمسلمين، وأنها كانت منتشرة بينهم.

أما الثقافة فكانت مزيجًا من ثقافات العروق المختلفة، نتيجة المصاهرة بين الفاتحين والسكان السابقين، مثلًا في ملبسهم تجد بعضهم يلبس العمامة العربية، وبعضهم يلبس البربرية، وبعضهم يلبس الرومية، وبعضهم حاسر الرأس، وقس على ذلك في شتى مناحي الثقافة، فهل هناك محتل يحترم دين البلد الذي يحتله ولغته وثقافته؟ لا أظن، ويبقى سؤالان:

الأول، لماذا يتباكى المسلمون في ذكرى سقوط غرناطة ولا يفعلون في ذكرى سقوط طليطلة أو قرطبة عاصمة الخلافة أو إشبيلية عروس الأندلس؟

الجزء المشهور من الإجابة هو كون غرناطة آخر أراضي المسلمين في إيبيريا، أما الجزء غير المشهور فهو أن مسلمي غرناطة غدر بهم ونقض ما عوهد عليه وتنصروا قسرًا، وأجبروا على ترك لغتهم وثقافتهم، وحرقت كتبهم، وعذبوا وقتلوا وأحرقوا، فأنا لا أعتقد أن البكاء سببه الرئيس الهزيمة العسكرية وضياع السلطة السياسية، وإن كان من الأسباب، بل البكاء على ما ترتب على هذه الهزيمة من جريمة إنسانية، وإن ادعوا أنها حرب استرداد أرض من محتل، فهل المحتل يجبر على دين للبقاء في الأرض؟ وهل كل من قتلوا وطردوا كانوا عربًا وبربرًا أم كان معهم من أسلم من الإيبيريين؟

يقول دوايت رينولدز: «لعل أخطر شيء في عملية الطرد أنهم حقًّا لم يطردوا العرب أو البربر، لأن الأغلبية العظمى من الناس الذين كان يتم إخراجهم كانوا إيبيريين مثل إخوانهم المسيحيين في الشمال – إما بالدم وإما بالحمض النووى- والذين كانوا يخرجونهم من شبه الجزيرة».

والسؤال الثاني: هل من يرون أن المسلمين محتلون وما حدث كان حرب استرداد حق، يرون كذلك أن الإسبان والبرتغاليين الذين يمثلون الآن أغلب سكان أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى محتلون ويحق للهنود الحمر شن حروب استرداد عليهم وتعذيبهم وقتلهم وإجبارهم على دينهم القديم وطرد ما بقي منهم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأندلس, تاريخ

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد