تتراجع مظاهر وجود الاحتلال في المسجد الأقصى المبارك طيلة شهر رمضان، وتظهر في باحاته ومصلياته مظاهر وأشكالًا احتلالية من نوع آخر، هو احتلال ذاتي لذواتنا وأنفسنا ولقدسية المسجد الأقصى المبارك بانتهاكنا لحرمته وإلقاء قاذوراتنا الفكرية والمادية في ساحاته.

ظواهر مزعجة تحدث داخل الأقصى في رمضان، ومراقبة تصرفات البعض تؤكد بأن مكان تجمعنا يُمثل نموذجًا واقعيًا لتخلفنا وتجذر مفاهيم وعادات قبيحة تعيق تحررنا وتحرير أقصانا، ولا أقصد المجتمع الفلسطيني وحده بل أكثرية مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

أعتقد بأن إنكار غالبية الظواهر التي سأذكرها محل إجماع من مختلف الأطياف، إلا أننا جميعًا نحمل وزر التقصير في تحقيق المثالية على أرض الواقع.

من تلك الظواهر التي رصدتها: التحرش اللفظي، إلقاء النفايات في كل أرجاء المسجد وباحاته، الكتابة على جدران مباني المصليات وأعمدة الأروقة والأسوار والمصاطب وكل مكان مُتاح لذلك، الازدحامات الخانقة في الأسواق، التدخين داخل المسجد الأقصى (على اعتبار أن المسجد يشمل مساحة الـ 144 دونم داخل أسواره)، إغلاق طرقات ومسالك للناس، فوضى الإفطارات وهجوم الناس على الوجبات والتنظيم السيء، نظافة المراحيض، خلع الأحذية ورميها في أماكن غير المخصصة لها، الاختلاط السافر في غير حاجة.

للأسف فإن هذه المشكلات عبارة عن تصرفات شبه يومية نعيشها في مجتمعاتنا العربية لكن وجودها في المسجد الأقصى المبارك مستفز جدًا، وخاصة أنها تتجمع في مكان جغرافي وظرف زماني واحد يدفعني لجلد الذات ونقد هذه العادات، وأصل المشكلة متجذر في مجتمع سقيم يعاني ظواهر سيئة مقلقة.

القيود المجتمعية غير المحسوس بها أو غير المعترف بها على أنها مشكلة معيقة نتعايش معها ونقر بوجودها، هي آفات وتحديات يجب أن نخلعها قبل أن نفكر في التحرر الوطني، لأن تحرر الوطن قبل إصلاح أخلاقنا وذواتنا حتمًا سيسبب إشكاليات غير محدودة، والحقيقة هي أننا لن نتحرر من الاحتلال إلا عندما نعيد تأهيل مجتمعاتنا العربية والإسلامية وإعادة رسم الثقافة والهوية الأخلاقية وتحديد مفاهيم مشتركة توحد البوصلة السلوكية والأخلاقية.

تحوّل مسارات المجتمعات عملية مترابطة بمتغيرات هرمية تبدأ من الفرد والعائلة الصغيرة في البيت، تصل إلى الدولة ووزاراتها وتنتهي بالأمة جمعاء.

التاريخ بشواهده يؤكد بأن التغيير والتحرر لم يقُده شخص وحده، وتحرير الأقصى من الصليبيين في زمن صلاح الدين الأيوبي كان نتاج جهود تراكمية ظفرت بجيل بأكلمه، فقد رافق صلاح الدين الأيوبي جيلًا نخبويًا أُعدّ لذلك اليوم وأثمرت جهود الملك العادل نور الدين زنكي بعد وفاته، وحتى على المستوى السياسي والعسكري لم يكن تحرير الأقصى إلا بعد إصلاح الحال في الشام ومصر، إننا نفهم من ذلك بأن التغيير يُقاد بنظام حاكم عادل يعيد تأهيل مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلى جانب حركات إصلاح مجتمعية، يقودها أفراد مصلحون لتتضافر وتتكامل جهود الإصلاح والتغيير بين رأس الهرم وأساسه.

وجب التنويه إلى أنه في ظل وجود أنظمة عربية قمعية فإن طريق التغيير يبدأ بخلعها، وهذا ما كانت ترنو إليه ثورات شعوبنا العربية، وهذا ما سيعيد تشكيل الأنظمة الصلاحية في دمشق والقاهرة قبل أن ننطلق نحو القدس، فالبداية تكون بجماعات إصلاحية ثورية تقودها قيادات واعية تدير عملية إعادة هيكلة أنظمتنا العربية، وبعد تحقيق الاستقرار تبدأ عملية التربية السليمة للمجتمعات من خلال الأدوات التربوية والتعليمية، وتبني مشاريع تطويرية نهضوية تساهم في رقي الناس والمجتمع، بعد كل ذلك من إعداد وتجهيز يمكننا الحديث عن إعادة المسجد الأقصى المُبارك إلى أحضان الأمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد