بسم الله الرحمن الرحيم

يقول تعالى في كتابه العظيم: «أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله» إذن نستطيع أن نفهم أنه ليس كل العبادات والأعمال في درجة واحدة وأن هناك أفضلية في الأعمال، وأمورًا مقدمة على غيرها لكن قد يتساءل الكثير الجوهريات أم الشكليات؟ ما دورنا تجاه قضايانا الجوهرية؟ ما دورنا تجاه أمورنا الثانوية والشكلية؟

التركيز على الشكليات والأمور الصغيرة وجعلها محور الاهتمام والانتقاد وكأنها أساس الدين وجعلها في كثير من الأحيان مقدمة على الأساسيات والجوهريات، وكثير من الناس من يبني حياته على التمسك والتدقيق في هذه الشكليات ولا يبني نفسه وحياته على ما هو مهم أو أهم منها، هذا أمر مثير للجدل فكثير ما نسمع من البعض أن هذه الشكليات هي أمور مهمة ولا يمكن للدين أن ينفصل عنها ومن قصر ولو بجزء منها فهو لم يلتزم بما أمر الله به.

تقديم المهم على الأهم أو على من هو أقل أهمية لا يعني أبدًا أن نغفل عنها أو نضعها على الهامش، بل لكل شيء وقته ومناسبته وحجمه ففكرة وضع كل أمر أو مسألة في ما يشمل جميع أمور حياتنا بمكانها ووقتها المناسب وإعطائها حجمها المناسب أيضًا هو أمر لطالما نبهنا عليه هذا الإسلام العظيم وبينه الله تعالى في القرآن الكريم وأرشدنا إليه رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام في القول والفعل، والقرآن خير ما يقتدى به فمنهج القرآن قائم على ذلك على تقديم الأهم على المهم وعلى ما هو أقل أهمية، قائم على التدرج،فكثير من المسائل كررها الله تعالى وشدد على أهميتها كإيتاء الزكاة لمن وجبت عليه مثلا، ومن هذا وجب على المسلمين دفع الزكاة وبناء مجتمع وأجيال واعية مبنية على الامتثال لأمر الله فتدفع الزكاة بكل حب وسعة، فهذا أمر جوهري وركن ثابت لا يغفل عنه أبدًا ولا يُقدم عليه إلا ما هو أهم منه، وفي المقابل هناك أمور لم يذكرها الله في القرآن ليس سهوًا حاشاه تعالى، ولكن ليعلمنا أن هناك أمورًا وقضايا يجب أن ننشغل بها أولى من غيرها، وليفتح لنا مجالا لأكثر من خيار وطريق.

 فمثلا لم يُذكر لا في القرآن ولا في السنة الشريفة لباس معين يتميز به المسلمون عن غيرهم، وهذا رحمة للمؤمنين في كل زمان ومكان، ولا ننسى أن ديننا الحنيف صالح لكل زمان ومكان، فمن نحن؟ ومن هو الذي يشترط لباسًا معينًا؟ أو يكفر ويفسق بناءً على لباس معين بحجة أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه كان يرتدونه، الله يعلم كل شيء، يعلم أن هناك الكثير من الأمور الخلافية في هذا الدين، فلا يعقل أن تكون سببًا لقتال وتفرق بيننا، إن هذا المنهج في الإسلام هو فقه بحد ذاته هو فقه الأولويات.

كثير ما ألاحظ في مجتمعاتنا قضية التركيز على الأمور الشكلية دون الجوهرية، وربما يقاتل ويفسق الغير من أجلها، فمثلًا تجد في مجتمعاتنا كثيرًا من الأهالي من يمنعون بناتهم من المشاركة في المؤتمرات العلمية أو المقابلات أو غيرها ممن يكون هدفها علمي أو تربوي بحجة الاختلاط أو ما شابه، فلو فكرنا في هذا الأمر جيدًا، لوجدنا أن في هذا التصرف حرمان فردي وجماعي لكثير من مؤهلات علمية وفوائد جمة كانت ستُجنى ثمارها، إضافة إلى أنه يمكن تفادي ما نخشاه من اختلاط أو غيرها بطرق كثيرة، ولا أقصد أبدًا أن هذه المخاوف التي يمكن أن تحدث في اللقاءات والمؤتمرات غير موجودة أو أنها أمور غير مهمة، بل هي أمور مهمة لكن بما أن هناك أمور ستجني الخير فيمكن تفادي الأمور الأخرى.

وقد ذكر  الدكتور يوسف القرضاوي في هذا الشأن، فذكر أنه من العجب تركيز بعض الدعاة وعامة الناس على بعض الأمور الظاهرية كتقصير الثوب وإعفاء اللحية في المقابل هناك أمور مهمة جدًا  يغفل عنها كأخبار المسلمين المضطهدين في كل مكان في هذا العالم، الذي يموت الواحد فيهم في اليوم ألف موتة ولا مُغيث لهم.

الأولى أن نتبع منهج القرآن، منهج التدرج، والأولويات، ولا ننسى أن الأعمال والأقوال ظاهرها وباطنها، الأمور الجوهرية والشكلية منها لا تقبل عند الله إلا بنية صادقة… والله هو الموفق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد