زاد تفجير كنيستي مارجرجس بطنطا ومارمرقس بالإسكندرية من وتيرة الهجوم الإعلامي على مؤسسة الأزهر الشريف، وتوجيه الاتهامات «المعلبة» لها إلى الحد الذي دفع بعض الإعلاميين لاتهام الأزهر بأنه «مفرخة» لتخريج الإرهابيين فيما يُعلن آخر وفاته، وتتعالى المطالبات هنا وهناك بضرورة إصلاح الأزهر وتطوير مناهجه.

وهنا أتساءل؛ هل الذين يهاجمون الأزهر الشريف ومناهجه لهم دراية بها أو بالعلماء الذين قاموا بوضعها، أو كيفية تدريسها من مئات السنين قبل أن يعرف ما يسمى بـ«الإرهاب»، وهل لهم دراية بأن التفجيريين كانوا من أبناء الأزهر أو عدمه؟ وهل سأل مهاجمو الأزهر أنفسهم من المستفيد من حملتهم الضارية؟

بداية الأزهر ليس مجرد مؤسسة دينية بل كيان وصرح كبير له تاريخه وهيبته ومكانته في القلوب، وليس لمثله أن يوجه له (النقد العشوائي أو السخرية)، فمن يصوبون سهام نقدهم للأزهر ويحملونه مسؤولية التفجيرات الإرهابية لا صلة لهم بالواقع ولا يجيدون قراءته، فمن المعروف أن الإرهاب ظاهرة عالمية «مجتمعية» ترجع لأسباب اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية، تشكل هذه الأسباب طبيعة أي فكر من حيث الانحراف أو الاعتدال.

ومجابهة الأزهر للفكر المتطرف ودوره الذي طالما قام به دون تقصير يطرح علينا سؤالًا؛ هل يكفي أن يجابه الأزهر «منفردًا» الإرهاب في حين تكتفي بعض المؤسسات بدور المشاهد؟ الإجابة طبعًا «لا»، إذًا فلماذا نحمل الأزهر أدوار غيره؟ وإن كان هجوم الآلة الإعلامية ومساءلتها الأزهر ينبع من كونه جديرًا بتحمل المسؤولية وأهلًا لها، فمن الأحرى أن يؤازره الإعلام حتى يبقى الأزهر ويشتد بدلًا من السعي لهدمه فتُكشف ظهورنا بفقدانه.

ولذا أستطيع أن أقول إن الهجوم الدائم على الأزهر الشريف – حصن الإسلام الوسطي – يصب في مصلحة «داعش» التي يئست أن تعبد في عالم به الأزهر، ولم تجد كاشفًا لزيف فكرها إلا علماءه وغيرها من الحركات؛ حُق لداعش وأخواتها القلق من وقوف الأزهر لهم بالمرصاد في حربهم الشرسة، فمَن غير الأزهر بمرصده العالمي يقوم برصد وتتبع جميع إصدارات «داعش» أيًا كانت لغتها والرد عليها لتصحيح المفاهيم الزائفة التي تنشرها، ومَن غير الأزهر بحملاته التوعوية على صفحات التواصل الاجتماعي يقوم بتصحيح «مفهوم الجهاد» الذي تعول عليه «داعش» لاستقطاب الشباب، ومن غير الأزهر يفند ويقارع ويُبطل فُتيا داعش المسمومة، ومن غيره يدعو دائمًا لنشر مفاهيم المواطنة والمساواة والحقوق في العالم، وترسيخ الإرادةِ الإسلاميَّةِ-المسيحيَّةِ المصممة على العيش المشترك ورفض التطرف وإدانة العنف والجرائم التي ترتكب باسم الدين.

إنه الأزهر تلك المؤسسة الوسطية التي عاشت أكثر من 1000 عام وهي تحمل على عاتقها نشر صحيح الإسلام في مصر وربوع المعمورة، واستقبال عشرات الآلاف من الطلاب من أكثر من 100 دولة حول العالم لنشر الإسلام الصحيح، كيف تُقر دول العالم وسطية الأزهر واعتدال مناهجه بينما نناصبه العداء والتقصير، وفي ظل قناعات العالم بدور الأزهر لم نسمع يومًا أن الأزهر قد صدر للعالم منحرفًا أو متطرفًا، فهل يخرج إرهابيين لمصر بلد الأزهر؟

وأخيرًا فإني لا أشكك في وطنية أحد ولا تدينه ولن أفترض سوء النية في هجوم الآلة الإعلامية على الأزهر، ولكن في ظل هذه الهجمة الإعلامية الشرسة التي يتعرض لها الأزهر، دعونا نتساءل من لمصر والعالم في مجابهة الفكر المتطرف بعد الأزهر؟ وماذا بعد إسقاط الأزهر أو تهميشه، وترك الساحة للجهلاء والمتطرفين للحديث عن الدين. هل سيقضي ذلك على الإرهاب، أم تتأزم الأمور أكثر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

elazhar
عرض التعليقات
تحميل المزيد