كلما مررت بهذه الآية القرانية الكريمة يتبادر إلى ذهني مباشرة منظر الكعبة الجميل والتطور العمراني المذهل الذي يزيدها بهاءً كل يوم، مع وجود ماء زمزم وسهولة الوصول إليه في كل زاوية من الحرم الذي أسمع عنه ولم أزره حتى الآن، ثم تنتقل الصورة بي مباشرة إلى ذلك الواقع المزري الذي تعيشه الأمة (التي تتجه في صلاتها إلى ذلك البيت) تلك الأشلاء المتناثرة والمنازل المدمرة والشيوخ والنساء بلا ماء ولا مأوى، يحق لي أن أتساءل حينها هل ستغفر هذه تلك؟!

المملكة العربية السعودية الجزء الأكبر من شبه الجزيرة العربية وأكبر دولة في الشرق الأوسط، والدولة الإسلامية الأكثر تأثيًرا في الرأي العام الإسلامي نظريًا، فيها أول بيت وضع للناس وأول مسجد بني في الإسلام وفيها مسجد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، بلد كتب الله له الأمن والأمان وحرم في القتل والقتال (ومن دخله كان آمنا) منه بدأ الإسلام وانتشر في ربوع الجزيرة العربية ومنها امتد إلى مشارق الأرض ومغاربها.

الماضي القريب

حكم آل سعود نجد ومناطق واسعة من شبه الجزيرة العربية وعلى مراحل متعددة بدأت بـ(إمارة الدرعية) أسسها محمد بن سعود ثم الدولة السعودية الأولى والثانية ثم ممكلة الحجاز حتى عام 1923 حيث أطلق عبدالعزيز اسم الممكلة العربية السعودية على جميع المناطق التي يسيطر عليها، شهدت الفترة المممتدة منذ عام 1901 وحتى عام 1932 عدة مناوشات بين الدولة العثمانية والملك عبد العزيز انتهت بإعلان الثورة ضد العثمانيين وإخراجهم من البلاد العربية وانتهاء الحكم العثماني على البلاد العربية، حينها كانت الأمور معدة لتقسيم البلاد العربية وإسناد حكمها إلى ولاة، وضمن رقع إدارية محددة حسب الاقتراح الذي قدمه الملك عبدالعزيز لحاكم البصرة آنذاك.

أجعلتم سقاية الحاج…؟!

مر قرن تقريبًا على سقوط الدولة العثمانية والتي كانت في أواخر عمرها عاجزة عن لملمة جراحها وعاجزة عن توحيد العرب مرة أخرى تحت راية واحدة، فلم يختلف أواخر عهدها بالنسبة للعرب عن بداية عهد جديد بدونها، لكن العرب لم يكونوا على دراية بأن أيامًا سوداء تلوح في الأفق وأن الذئب سيأكل من الغنم القاصية، والحقيقة أن ذئبًا واحدًا كان يمكن أن يردع لكنها كانت ذئاب كثيرة.

لم يكن العرب على دراية – أو أن بعضهم كان يعلم أو يخطط – أن الاستعمار كان يخطط من بعيد وأن أنظاره كانت على تلك البلاد التي وضع الله فيها الخير والبركة مرة نعمة ومرة فتنة واختبارًا!

مر قرن أو يزيد والأخت الكبرى تتمتع بالأمن والأمان في حين تعيش أخواتها في جوارها حروب طاحنة في مغرب العرب ومشرقهم، استعمار مدمر، وجهاد ومقاومة، وشهداء وجرحى وأسرى وقصص أيتام وأرامل وصور أشلاء ودماء، ومجاعة هنا وعطش هناك، روايات تملأ المكتبات وتحرك القلوب أجمعها إلا قلبًا واحدًا عليه غشاوة المال والسلطان.

100 عام أو يزيد كانت الأخت الكبرى تفتخر في عمارة المسجد الحرام وخدمة الحجيج وسقايتهم، ومع كل توسعة للبيت وارتفاع في بنيانه كانت الدول الإسلامية تهبط درجة في سلم الدول وتتقدم خطوات في طريق الضياع والجهل والفشل، وكلما ازداد عدد الحجيج عامًا بعد عام ازداد الخلاف والتناحر بين أبناء الأمة وأبناء البلدة وأبناء المدينة وأبناء البيت الواحد.

أعداء النجاح

بعض من سيقرأ المقال سيضعني مباشرة في خانة أعداء النجاح وكثيري النقد لكل ما هو جميل وجديد، أولئك الذين يرون في كل خطوة جديدة هدفًا للثرثرة والنقد السلبيّ! عفوًا لست من أولئك، ولست أنتقد خطوات البناء والعمران الجميل وبالطبع لا أنتقد تلك الخدمة الجلية التي تقدم لحجاج بيت الله الحرام، إنما انتقد ذلك الدور الحكومي السلبي وأحيانا الهادم تجاه دول المنطقة مرة ومرة أخرى تجاه الداخل السعودي كما نسمع!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد