ثورة البشرات أخر ثورات المسلمين من أجل العقيدة والتراث

تعد ثورة البشرات (1569–1571م) من الثورات والمعارك الكبيرة والفاصلة في حياة الوجود الإسلامي بعد سقوط الأندلس عام 1492م، وكانت معركة فاصلة للمسلمين لرد اعتبارهم في مواجهة الإهانات والاستفزازات لهم، حتى وصل الأمر إلى دينهم وإجبارهم على التنازل عنه، ومن هنا بدأت انتفاضة المسلمين ضد الحكم المسيحي، كان القانون الغاشم الذي أعلنته السلطات الإسبانية في أول يناير (كانون الثاني) 1567، موعدًا نهائيًّا لتخلي المسلمين نساءً ورجالًا عن لباسهم الإسلامي ولغتهم العربية، وعن كثير من عاداتهم، وجعل الشرطة مختصة بمراقبة المسلمين، مما زاد غضب المسلمين واستفزازهم، وأوغرت هذه التصرفات صدور المسلمين؛ مما دفعهم للانتفاض ضد الظلم.

مع صعود فيليب الثاني لسدة الحكم سنة 1556م حصل تغيير كبير تجاه سياسة الأقليات في إسبانيا، إذ تميزت هذه الحقبة بزيادة التعنت والتعصب الديني، عُرف فيليب الثاني ملك إسبانيا في أنحاء أوروبا قائدًا للمقاومة المسيحية ضد توسع النفوذ العثماني، وقد ارتفعت في ذلك الوقت بشكل لافت أصوات أولئك الذين كانوا يخشون تحالف الأتراك «عدو أوروبا الموروث» مع موريسكيي إسبانيا، ولم يعد مغزى التحريض السياسي خلق الاندماج الاجتماعي المطلق، ونسج تقارب للأقليات الدينية والثقافية الإسلامية مع مجتمع كاثوليكي معين، بل كان الهدف الأساسي التمييز والفصل بإبعاد السكان الموريسكيين عن سكان البلاد الكاثوليك، لقد زاد الخطر العثماني بشكل كبير على مدى 50 عامًا مضت بسبب الخسائر الإسبانية المختلفة في البحر المتوسط، وكان هذا هو السبب الكامن وراء موجة الخوف عند الحكام المسيحيين من مؤامرة حِيكت خيوطها ضدهم بين المغاربة المسلمين والدولة العثمانية، وفي هذا الإطار تطور جهاز بيروقراطي لا يرحم، كان المسئولون عنه يحملون أفكار الملك فيليب الثاني، وقد ساعدهم في ذلك التغيير المتسارع والواضح لمحاكم التفتيش.

أصدر فيليب الثاني في عام 1567م مرسومًا تضمن اتخاذ إجراءات قمعية، إذ حظر على موريسكيي غرناطة استخدام اللغة العربية حديثًا أو كتابة، ومنع تداول الكتب أو الوثائق المحررة بالعربية أيًّا كان محتواها، وحظر عليهم ارتداء ملابسهم التقليدية «اللباس الموريسكي»، وحظر أيضًا على النساء تغطية جزء من الوجه، ولا يستخدمن الحناء في نقش الأيدي أو الأقدام أو في صبغ الشعر، وحظر عزف الموسيقى الموريسكية في حفلات عقد القران والزفاف، كما حرم عليهم استخدام الحمامات، أو استعمال أسماء وألقاب عربية، وصدرت الأوامر بأن يترك الموريسكيون أبواب دورهم مفتوحة، إضافة إلى منعهم من تملك العبيد. وقد أثار ذلك ذهولًا كبيرًا في غرناطة.

أدى هذا المرسوم لظهور نص اكتسب أهمية غير عادية، تمثَّل في عريضة قدمها النبيل الموريسكي نونييث مولاي إلى محكمة غرناطة، أكد فيها بالحجج أن اللباس الموريسكي لا يرمز إلى الدين، ولكنه شكل من أشكال التنوع والسمات الإقليمية الخاصة بالمنطقة؛ إذ يختلف اللباس الغرناطي عن اللباس القشتالي أو الفالنسي، وأن العربية لا تعني الإسلام، لأن المسيحيين في الشرق يتحدثون العربية، وأن وضع الغرناطيين اللغوي إنما هو علامة تمييز إقليمية، شأنهم في ذلك شأن القطالونيين أو الجليقيين Gallegos؛ فهم يتحدثون بلغة مختلفة دون أن يكون لهذا علاقة بالعقيدة، إذن كانت هذه محاولة من جانبه.

لقد أراد نونييث مولاي أن يفصل المعالم الثقافية الغرناطية عن الهوية الدينية، لكي يجمع الموريسكيين في هوية إقليمية لا تتناقض مع المسيحية على الإطلاق، بدليل الوجود المسيحي في الشرق، كما أراد أن يوضح أن الغرناطيين لم يكونوا متفردين، لأن أبعاد التباين واضحة في اللغات والأزياء والعادات بين مختلف أقاليم إسبانيا، كما شدد كثيرًا على أن الموريسكيين وعاداتهم «ينتمون إلى الأرض»، وأشار إلى أنه من الصعوبة تغيير الاسم على وجه الخصوص؛ لأن ذلك يعني ضياع الأسر والأنساب، أحد أركان الهوية الموريسكية، وكذلك الارتباط بالجماعة، وبمنع اللغة أيضًا ستضيع الوصايا ومحررات الأراضي والعقود، فهل يتساوى الجميع بدون نسب وبلا ميراث أو عبيد؟ هكذا سجل النبيل الموريسكي احتجاجه، وأن هذا المرسوم في المجتمع الإسباني المعروف بتعدد الطبقات، من شأنه أن يحكم على الموريسكيين بالتهميش، وجعلهم في أدنى طبقات المجتمع، إضافة إلى محو سماتهم الثقافية الخاصة إلى الأبد، إلا أن أحدًا لم يُعِرْه أي اهتمام.

ومن هنا نرى أن الموريسكيين كانوا أمام مؤامرة كبيرة تهدف إلى طمس الهوية والعقيدة على السواء، فكان من الطبيعي أن يتحرك كبراؤهم لعرض الأمر أمام المسئولين، لقد بدأوا محاولتهم بعقلانية، نلاحظ ذلك في رفع اعتراضهم من خلال النبيل الموريسكي مولاي، لكنهم لم يجدوا اهتمامًا بمذكرته وشكواه، فكان من الطبيعي أن يتحرك هؤلاء لعرض اعتراضهم بطريقة أخرى يفهمها المسئولون على أرض الواقع، وهكذا كانت ثورة البشرات التي خسر فيها الجميع.

عشية أعياد ميلاد عام 1568، اجتمع الثوار وأعلنوا عصيانهم وثورتهم في قرية بيثنار Beznar (في وادي لكرين)، وأعلنوا إيرناندوا دي كوردوبا ملكًا لهم، فاتخذ له اسمًا إسلاميًّا هو «ابن أمية». وفي اليوم نفسه تمردت العديد من قرى مناطق أورخيبا، وبوكيرا، وخوبيليث، ثم تبعتها أغلب قرى البشرات. وفي ليلة ذلك اليوم توجه مساعد ابن أمية، فرج بن فرج، على رأس العشرات من أتباعه إلى البيازين، وحاول دفع سكانها للثورة، ولكنهم لم يتحركوا؛ فترك الحي وعاد أدراجه مع مئات من تابعيه المخلصين.

وفي تلك الأثناء مات المحقق العام «دون فيرناندو فالدس»، وحل محله الكاردينال «دون داسبينوزا» الذي تصفه الروايات الغربية بأنه كان خصمًا لدودًا للعرب، فاتفق مع كاردينال غرناطة على أخذ العرب بالشدة، وعلى تعيين مفوضين يطوفون أنحاء المملكة ويقدمون تقاريرهم عن حالة العرب. ثم تألفت لجنة لمناقشة التقارير وفحص حالة العرب، وتقديم المقترحات التي تراها مناسبة. كانت اللجنة مؤلفة من كبار رجال الدين، وبعض كبار الموظفين المدنيين، والقادة العسكريين. وبعد عدة اجتماعات، تغلب رأي رجال الدين، فقدمت اللجنة توصياتها الرامية إلى التشدد في تطبيق الأمر الصادر عام 1526، ولم يجرؤ المدنيون على معارضة رأي رجال الدين، وكان مما اقترحته اللجنة:

– منع استعمال اللغة العربية، والعادات والتقاليد العربية منعًا باتًّا.

– منع التسمي بأسماء عربية وتحريم لبس الألبسة العربية.

– هدم الحمامات وكل ماله مظهر حمام أو جامع.

– منع العرب من أن يمتلكوا عبيدًا.

– إجبار العرب على ترك أبواب بيوتهم مفتوحة خلال الأعياد لمراقبة ما يجري فيها.

– إجبار النساء العربيات على كشف وجوههن حينما يسرن في الشارع.

قدمت اللجنة تقريرها ومقترحاتها إلى الملك بواسطة الكاردينال «دوديسا» رئيس الإدارة المدنية في غرناطة، فأصدر بها أمره في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1566. كان القائد العام المركيز «دو مونيخار» في البلاط حين صدور الأمر، ولما علم به انتقده أشد الانتقاد، وأبدى مخاوفه من مغبة تطبيقه، وحاول أن يحول دون إعلانه، فلم يقبل الكاردينال المحقق العام «دا سبينوزا» بإدخال أي تعديل على الأمر، وطالب بتنفيذه كما جاء، ولما وصل الأمر إلى غرناطة قرر «دوديسا»، أن يجعل إعلانه يوم 2 يناير 1567، وهو يوم الذكرى السنوية لسقوط غرناطة، وحاول أن يمهد للأمر ليخفف من وقعه على العرب.

لكن زعماء العرب لم يقبلوا التعاون معه، فتولى هو دعوة العرب إلى ميدان باب البنود، الذي كانت تجري فيه مراسم الاحتفال بارتقاء ملك جديد للعرش في عهد بني الأحمر، ولما أذاع دوديسا الأمر على العرب علاهم الوجوم، وبدت عليهم علائم الثورة، فكيف لهم أن ينسوا كل الماضي العريض لقومهم في الأندلس؟ وحاولوا وقف الأمر أو إبطاله بالمراجعات الرسمية، فلم يفلحوا، وشرعت السلطات بملاحقة العرب لتنفيذ الأمر الملكي، كما زادت في تعسفها ومضايقاتها تنفيذًا للأمر المتعلق بمنع المسلمين من حمل السلاح إلا برخصة.

سببت الملاحقات كثيرًا من المشاكل والمآسي وابتزاز الأموال، فلم يجد الناس ملجأ لهم من السلطة والقضاء إلا في معاقل المنفيين بجبال الثلج «سيرا نيفادا»، وهناك تزايد عددهم وأصبحوا يشكلون قوة لا بأس بها، وبدأت فكرة الثورة تختمر في رءوس المنفيين وزعماء البشرات، وأصبح الجميع يرون أن الثورة هي الوسيلة الوحيدة لوقف التعسف الإسباني. وكان آخر ما ألحقه دوديسا بالعرب من إساءات هو تجنيد قوة من الشرطة، أجبر العرب على تحميل نفقاتها لتقوم بالسهر على الأمن في الأحياء العربية، وتقصي المعلومات عن نشاطهم وتحركاتهم، فكانت الثورة هي الخيار الأخير ضد هذا الظلم الكبير، فاندلعت الثورة بقيادة محمد بن أمية في كافة أحياء غرناطة، وكانت ثورة من أجل الحفاظ على الكرامة والعقيدة، وهي آخر ثورات المسلمين الحقيقية ضد ظلم العدو وقهره، فبثورتهم سطروا تاريخًا من البطولة والنخوة ضد عدو يحقد على ثقافتهم وعقيدتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد