رهان البشير للبقاء في الحكم

خلال ثلاثة عقود قضاها «البشير» رئيسًا للجمهورية السودانية، شهدت فترة حكمه الكثير من الهزات والاحتجاجات السلمية، وحتى المسلحة منها؛ ففي الجنوب اندلع صراع امتد قرابة الخمسين عامًا، انتهى بانفصال الإقليم الجنوبي عن السودان، وفي الغرب اندلع تمرد آخر استمر لعقود وصل صدى رصاصه للعاصمة، وفي الشرق تمرد، وفي الوسط هبّات واحتجاجات، كانت كلها ذات مطالب محددة؛ وهي العدالة، وتوفير أبسط الاحتياجات، كان آخرها هبّة سبتمبر (أيلول)، ومع بزوغ فجر العام الجديد انطلقت احتجاجات غطت معظم المدن السودانية، بلغت ذروتها في مدينة عطبرة، حيث حرق المحتجون مقر الحزب الحاكم هناك.

بدا سقف المطالب منخفضًا في بداية الاحتجاجات، فكل المطالب كانت تتلخص في توفير الخبز، والوقود، والتصدي لغلاء المعيشة، وموجة الغلاء التي اتسعت رقعتها لتشمل كل السلع في كافة الأراضي السودانية، حيث كان المحرك الأكبر لهذه الاحتجاجات هو انتشار الصفوف في العاصمة والولايات، حيث أصبح هناك صفوف لكل شيء، صفوف للخبر، وصفوف للوقود، وصفوف في البنوك، وأجهزة الصراف الآلي، وباتت هناك ندرة في أغلب السلع الضرورية، فالمواطن بات لا يطالب بجودة السلع بل بتوفيرها، فبدل مطالبته بخبز جيد أصبح يبحث عن الخبز الرديء ولا يجده، إلا أن سقف المطالب ما لبث أن ارتفع ليلامس السماء؛ فأصبح المطلب واحد وهو «تسقط بس» وهو التعبير الذي يردده المحتجون، مطالبين بسقوط النظام.

يُعد «البشير» رجل المتناقضات بلا منازع، فهو الراقص على جميع الحبال، وفي كل الاتجاهات، فتارة يهاجم الشيوعية، ولاحقًا يتحالف مع الحزب الشيوعي الصيني، ويرتمي في أحضان إيران حينًا، ثم يكفر بها، وييمم وجهه صوب مملكة آل سعود، وتارةً يجاهر بعداء الولايات المتحدة الأمريكية، ثم يقبل جزرتها، ويتفادى عصاها بتسليمها قوائم الإسلاميين المتشددين تحت مظلة تعاون أكبر لمكافحة الإرهاب بالمسمى الأمريكي.

يراهن «البشير» على كثير من الأوراق الرابحة لبقائه في السلطة، وقمع موجة الاحتجاجات التي صارت في اتساع، لتشكل نواة لثورة قادمة بقوة، نحو سفينته التي قفز منها الكثير، ففي الولايات المتحدة يفضل البيت الأبيض أن يكون على رأس الحكم في السودان شخصية مثل «البشير»، وهو مطارد دولي، ومتهم بارتكاب جرائم حرب؛ ليسهُل السيطرة عليه، وكلما أراد الخروج عن النهج الذي ترسمه واشنطن لوحت في وجهه بملف المحكمة الجنائية، لذلك ترى الإدارة الأمريكية أن البديل في حالة رحيل «البشير» ستكون ربما حكومة إسلامية أكثر راديكالية وتشددًا، أما الاتحاد الأوروبي فيرى في حكومة «البشير» شرطة المنطقة التي تساعده في وقف موجات الهجرات غير الشرعية إليها؛ لذلك فهي لا ترى ضرورة لإبداله بشخصية أخرى.

أما عربيًّا فتُعد الدول الخليجية هي الداعم الأكبر لحكم «البشير»، ولكل دولة منها وجهة نظر في كيفية الاستفادة من بقائه على رأس السلطة في السودان؛ فالمملكة العربية السعودية ستكون الخاسر الأكبر في حالة سقوط «البشير»، وقدوم حكومة جديدة تعارض رؤيتها لحرب اليمن، حيث يتواجد الآلاف من الجنود السودانيين على الأراضي السعودية واليمنية في إطار التحالف العربي الداعم للسعودية في حربها في اليمن، وتعد القوات السودانية المتمركزة في اليمن هي القوة الرئيسية لمواجهة الحوثيين هناك، حيث يكتفي السعوديون بإرسال الأوامر إلى الجنود السودانيين على الأرض، وهم في قواعد آمنة بعيدًا عن مرمى الرصاص.

أما قطر فترى في البشير الداعم الأكبر لها بالمنطقة في ظل الحصار الخليجي الذي تتعرض له، وكما الحال في السعودية هناك قوات سودانية تعمل في سلك الشرطة هناك، هذا بالإضافة إلى الأيدولوجية الإسلامية التي يتخذها الحكام هناك، وهي تشبه كثيرًا الأيدولوجية الإسلامية التي تتدثر بها الحكومة السودانية، هذا بالإضافة إلى مطالبات في بداية الأزمة الخليجية من قادة سودانيين بالانحياز علنًا لجانب قطر، مما يضع السودان في مواجهة مع دول الحصار؛ لذلك ترى قطر في «البشير» الحائط الذي تتكئ عليه في مواجهة إخوتها الخليجيين.

في الإمارات يختلف الأمر قليلًا، حيث ترى أبو ظبي في كل أنظمة الحكم التي تتخذ من الإسلام السياسي منهجًا، خطرًا عليها وعلى الحكم الملكي في الخليج عمومًا، وأصبحت في خط مواجهة مع حركة الإخوان المسلمين، وكل ما يتفرع منها، ولكنها في نفس الوقت ترى في «البشير» رجلها الذي يخدم مصالحها التوسعية سواء على البر أو على البحر، خاصة في ظل سعي الإمارات للسيطرة على الموانئ والمطارات والممرات المائية في المنطقة، فهي لا تمانع ذهاب «البشير» إذا اطمأنت أن خَلَفَهُ سيكون حليفًا يخدم مصالحها.

أما في الداخل فهناك الكثير ممن يعتبر بقاء «البشير» في الحكم مكسبًا لهم، فداخل المعارضة نفسها هناك أحزاب تأكل من فتات مائدة «البشير»؛ لذلك لا تريد قلب الطاولة عليه، فالحزب الاتحادي الديمقراطي ذو الخلفية الدينية ساند «البشير» جِهارًا نهارًا، وذهب قادته للقاء «البشير» بمقر سكنه ليلًا، وقدموا له كل فروض الولاء والطاعة والدعاء له بطول العمر؛ إذ عدّ مراقبون هذه الخطوة تكتيكًا سياسيًّا نكاية في غريم الحزب الاتحادي، حزب الأمة الذي يتزعمه «الصادق المهدي» وهو رئيس الوزراء المنتخب، الذي انقلب عليه «البشير»، حيث يميل حزب الأمة إلى تأييد الاحتجاجات في خطوة استباقية منه للحصول على مكاسب سياسية، إذا ما نجحت الثورة على نظام الحكم الحالي، إلا أن «الصادق المهدي» نفسه لا يعتبر معارضًا خالصًا، حيث هادن النظام لفترات طويلة وساعد في بقائه عطفًا على أن أبناءه يتولون مناصب مرموقة في الجيش، وجهاز الأمن، وعلى مستوى رئاسة الجمهورية.

أما الأكثر تمسكًا ببقاء «البشير» في الحكم في الداخل هم عضوية حزب المؤتمر الوطني الحاكم، حيث يرون في ذهابه تهديدًا مباشرًا لهم؛ لذلك تصدّر الكثير منهم المشهد، وتصدى للمحتجين بتصريحات زادت من حدة الاحتجاجات، وأججت النقمة على الحزب الحاكم، لذلك صار «البشير» يعتمد كثيرًا في مواجهة الاحتجاجات عليهم، وعلى أجهزة الحزب، وتنظيماتها المدنية، وشبه العسكرية، أضف إلى ذلك مجموعة المنتفعين من تجار، ورجال أعمال موالين للنظام، وموظفين، وأحزاب أخرى تقتات على مائدة حزب المؤتمر الوطني، ورغم الرهان الكبير للرئيس «البشير» على هذه القوى الداخلية، والخارجية، والإقليمية لبقائه في الحكم، إلا أن الشارع السوداني وحده من يحدد مصيره في الأيام القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد