«توفيت أمي اليوم أو أمس.. لا أدري» بهذه المقدمة افتتح ألبير كامو روايته «الغريب» التي تعد من بين أقوى وأشهر المقدمات الروائية التي شهدها تاريخ الأدب. لقد أثارت جدلاً واسعًا بسبب شخصية بطلها «الغريب» الغريبة فما هي حكايته؟ ولماذا يعد غريبًا؟

تنويه:

عزيزي القارئ إن لم تقرأ الرواية بعد ننصحك بالعودة إلى المقال لاحقًا بعد مطالعتها.

عن الرواية:

تدور الرواية حول «مورسو» الرجل الذي يعيش وحيدًا، غير متورط في العالم، محاطًا بهالة من اللامبالاة وتبلد المشاعر، يستلم برقية من دار العجزة تعلمه بموت والدته؛ وهكذا يحضر جنازتها متحدثًا عن تفاصيل ثانوية لن تهم أي شخص آخر طبيعي في نفس موقفه، فور انتهائها يمضي إلى حياته مجددًا ويعقد علاقات غريبة، تتوالى الأحداث وتقوده إلى جريمة تكلفه حياته.

مورسو والخدر العاطفي

تحيل الكثير من المراجعات والنقاد رواية «الغريب» إلى فلسفة كامو «العبث»، لكن يقال إن الرواية واحدة، وأوجه التأويل عدة، وأحد أوجه التأويل في هذه الرواية هو الخدر العاطفي – أو الانفصال العاطفي – الذي يعني وجود الشخص جسديا لكن عقله ومشاعره في مكان آخر مما يجعله أحيانًا يبدو مشغولًا بشيء ما، فيفقد مشاعره وقدرته على التفاعل مع محيطه أو حياته، وهذا ما يظهر بوضوح على شخصية الرواية «مورسو» بحيث إن جردناها من الفلسفة العبثية فإننا نقف أمام شخص خاض عدة تجارب، وعايش عدة أمور حتى وصل إلى هذه المرحلة من البرود واللامعنى، فنجد أنه يشير إلى هذا عندما يقترح عليه مدير عمله السفر إلى باريس والتعامل مع الشركات الكبرى مما قد يراها معظمنا «فرصة العمر» فيقول: «أجبته بأن المرء لا يغير حياته البتة، وأن كل الحيوات سواء…» ثم يواصل: «عدت للقيام بعملي، وما كنت راغبًا في إثارة استيائه، بيد أنني لم أر من سبب لتغيير حياتي. وحين أفكر جيدًا في الأمر أجد أني لست تعيسًا، عندما كنت بعد طالبًا كنت أحمل الكثير من مثل تلك الطموحات. لكنني حين تركت الدراسة فهمت بسرعة أن لا أهمية لشيء من ذلك فعلًا»، إذًا كان مورسو في مرحلة ما من حياته طموحًا، وربما يكترث لما حوله، ويحمل مشاعر لكن الواقع تفنن في حقنه باليأس والخيبات إلى أن فقدت الحياة كل معانيها بالنسبة إليه.

كيف يحاكم الإنسان لكونه هو «لا غير»؟

إن الانتهاء من قراءة رواية ما يخلف دومًا تساؤلات أو حفنة من المشاعر، إما حزن، أو تعاطف، أو قوة، ورواية الغريب ليس استثناء عن غيرها، ستخلف داخلك الحيرة والتعاطف وتقودك للتساؤل: ما الذي شدني حتى النهاية؟. والإجابة ليست بعيدة، يمكن أن تجدها داخل تعليق أحد الدكاترة الجامعيين أثناء المحاضرة، أن الشخصية تفصح عما لا يجب الإفصاح عنه.

تقول مرغريت آتوود: «وقد تعلمت أن أستمع إلى ما لا يقال، لأنه عادةً أكثر أهمية مما قد قيل» ويذهب الكثير من الأدباء أمثالها إلى قول أن الإنسان هو ما لا يقوله، فغالبًا ما يتفوه الإنسان بأفكاره مقيدًا بنظرة المجتمع إليه، أو بحكم العادة، أو المجاملة، وتظل أفكاره الأخرى داخله وأحيانا تموت معه. لكن ألبير كامو الذي قال مرة: «كل ما حولي كذب ورياء، أما أنا فأريد أن أجبرهم على العيش بصدق وشرف» والذي يرى أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يرفض أن يكون على حقيقته، يخلق لنا شخصية «مورسو» حتى يكون الاستثناء، مورسو الذي يعيش على حقيقته، كهو لا غير، لن يبكي على والدته لأنه لم يشعر بذلك، لن يتظاهر بالسعادة بارتباطه بينما هو لا يكترث لهذا كثيرا، لا يتفوه بعبارات مجاملة وهو لا يعنيها، لكن ماذا لو كانت حقيقة المرء ستكلفه حياته بعدها؟ من منا سيجرؤ على إظهارها؟

يرتكب مورسو أثناء قضائه عطلة مع أحد أصدقائه، أغرب جريمة، ولا دافع حقيقي لها.

يُسجن، ويُحاكم، لكن عوض أن يُحاكم عن الجريمة بحد ذاتها، فإنه يُحاكم على جنازة والدته، عن عدم ذرفه للدموع، عن تناوله للقهوة والتدخين أثناء الجنازة، عن كل ما تفوه به، عن لا مبالاته وبروده. يمكننا أن نسقط المحاكمة على المجتمع الذي يحاكم الإنسان دوما ما إن يشذ عن مساره قليلا وإن لم يكن يسبب الأذى الذي سببه مورسو.

تعلن المحاكمة في الأخير عن قرارها بإعدامه، ومع ذلك لا يتغير موقفه، أو بروده، مصرًا على البقاء على حقيقته إلى النهاية مهما كانت بشعة وغير مقبولة.

في الأخير، بغض النظر عن طبيعة شخصية مورسو التي يمكن احالتها حتى إلى الشخصية «السيكوباتية» ورأي القراء بها، إلا أن ألبير كامو قد أبدع في تصويره لها، بجعلنا ننفر منها تارة، ونتعاطف معها تارة أخرى. هذا هو الأدب الحقيقي، يرفعنا حتى نلامس الأضواء منتشيين وأحيانًا أخرى يسقطنا إلى الأسفل حيث الظلام الحالك.

عن الكاتب

ألبير كامو (1913-1960) كاتب فرنسي من أصل جزائري، أصغر كاتب حصل على جائزة نوبل للآداب. من رواد الفلسفة الوجودية والعبثية.

أهم أعماله: أسطورة سيزيف، أعراس تيبازة، الطاعون. كما أصدرت يومياته مترجمة عن دار الآداب تحت عنوان: لعبة الأوراق والنور، ذهب أزرق، عشب الأيام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد