شهدت المملكة المغربية منذ العام الماضي، تغيرات وتحركات سياسية، ودبلوماسية واستراتيجية مهمة، سواء على المستوى الداخلي، أو الخارجي.

وكان من أبرز هذه المتغيرات، التي عرفها المشهد السياسي المغربي، أولًا: ثاني انتخابات تشريعية في ظل الدستور الجديد، وتربع حزب ذات مرجعية إسلامية على الانتخابات للمرة الثانية على التوالي.

أما المتغير والحراك الثاني: هو طلب المغرب رسميًّا الرجوع إلى الاتحاد الإفريقي منذ ربع قرن من الانسحاب، بسبب مشكل سياسي، وذلك بعد قبول المنظمة الإفريقية آنذاك عضوية «الصحراء الغربية» الممثلة في جبهة البوليساريو، هذا كله جعل المغرب يعرف مخاضًا وتحركات سياسية ودبلوماسية مهمة . لكن كل هذا لم يتوقف هنا، رغم كل التحركات المتوالية والمتشابكة.

على المستوى الداخلي.. بعد الانتخابات «البلوكاج»

بعد انتهاء الانتخابات بفترة وجيزة، عين الملك «محمد السادس» الأمين العام لحزب العدالة والتنمية «عبد الإله بنكيران» من أجل تشكيل الحكومة، وذلك حسب مقتضيات مستجدات «الدستور 2011»، التي تعطي للحزب المتصدر للانتخابات التشريعية أحقية تشكيل الحكومة.

بعد هذا التعيين الدستوري المهم، والذي لم يسلم قبل الانتخابات من عدة تأويلات وتكهنات لعدة جهات ترجح خلاف ذلك، قام رئيس الحكومة المكلف، برسم الخريطة لبدء المشاورات والاجتماعات، التي لم تخل من العديد من السيناريوهات، والتي أغلبها كانت تقول بتشكل الحكومة بداية بالأحزاب المتوافقة «العدالة، الاستقلال والتقدم والاشتراكي» مع إشراك أحزاب أخرى. إلا أن كل هذا لم يحقق الهدف المنشود من أجل حصول التوافق النهائي لتشكيل الحكومة المرتقبة.

منعرج نواكشوط والبلوكاج

رغم كثرة التأويلات السياسية، وكذا المراوغات التي طالت الأحزاب، منذ بداية الاجتماعات من أجل رسم الخطوط الأولى لتشكيل الحكومة الثالثة في عهد الدستور الجديد. ومع اختلاف الأحزاب والسياسيين حول الأسباب التي لم يستطع بها «بن كيران» تشكيل الحكومة، خاصة وأن هناك فريقين، فريق يساند «بن كيران» في معركته لتشكيل الحكومة، وفريق يقف في وجهه ويربط سبب تشكيل الحكومة بشخصه.

كل هذا اللغط السياسي لم يكن لينتهي، حتى حدثت واقعة «شباط»، حين قال أمين حزب الاستقلال «حميد شباط» إن موريتانيا جزء من المغرب، وهو «كلام ليس بالجديد»، عندها رفضت «موريتانيا» هذا الكلام وخاصة «الحزب الحاكم» الذي طالب بالاعتذار وتقديم موقف يحترم سيادة موريتانيا.

ومع هذا الحادث الذي أزم العلاقة المغربية- الموريتانية أكثر، ولتهدئة الساحة السياسية، وإرجاع العلاقات بين البلدين إلى نصابها الطبيعي، قام رئيس الحكومة المعين بزيارة إلى دولة «موريتانيا»، وتقديمه رسالة استنكارية من الملك إلى الرئيس الموريتاني في مدينة «الزويرات»، والاعتذار له بسبب الكلام الذي تلفظ به رئيس حزب «علال الفاسي» في حق موريتانيا وسيادتها.

بعد هذا الكلام أصبح زعيم الاستقلال «شباط» في مرمى نيران الداخل والخارج، وأصبح مصدر تهديد للمصالح العليا للبلاد، كما قال أحد السياسيين. كما تم أيضًا توقيع عدة عرائض من قبل كوادر الحزب تطالب فيها باستقالة «حميد»، لينتهي الحادث في النهاية بعزل «شباط» من مشاورات تشكيل الحكومة، وإخراج لجنة خاصة للتفاوض مع «بن كيران» لتشكيل الحكومة. إلا أن هذا الأخير قام بإخراج «حزب الاستقلال» من تشكيل الحكومة، وذلك إرضاء لشروط الوافد الجديد «أخنوش» رئيس حزب «الحمامة».

لكن، رغم هذا التنازل من قبل رئيس الحكومة المعين، لم يتم تحقيق أي توافقات لتشكيل الحكومة الجديدة، التي كانت ستكون مطابقة للحكومة المنتهية ولايتها، لولا اعتراض «أخنوش» ورغبته في إدخال الأحزاب المتحالفة معه إلى الحكومة، إلا أن هذا الطلب تم مقابلته بالرفض، والذي جاء صراحة في كلمة آمين حزب «المصباح» في بلاغ «انتهى الكلام».

رغم البلوكاج تم انتخاب رئيس مجلس النواب وهياكله للتوقيع على القانون التأسيسي الإفريقي

بالرغم من أن العرف كان دائمًا يتجه إلى تشكيل الحكومة أولاً، ثم انتخاب رئيس مجلس النواب وهياكله ثانيًا، لكن الظروف السياسية الخارجية للمغرب فرضت طرح العرف جانبًا والتوجه إلى انتخاب الرئيس. وذلك ما تم بالفعل، رغم وجود آراء متباينة بين الأحزاب، حول الطريقة التي تم بها اختيار رئيس الغرفة الذي حصل على 198 صوتًا، وكذا الكيفية التي تم التصويت بها، كون رئيس الغرفة المنتخب عن حزب «الوردة» الاتحادي، لم يحصل سوى على 20 مقعدًا في البرلمان، وهو ما يطرح عدة إشكالات أخلاقية وقانونية، من حيث طريقة انتخاب مجلس النواب الذي هو حصيلة تصويت شعبي.

هذا كله من أجل التسريع في المصادقة على القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، والذي صادق عليه مجلس الوزراء برئاسة الملك «محمد السادس»، ليصادق عليه بعد ذلك مجلس النواب بموجب مشروع قانون 01.17.

إشكالية قبول بنود الميثاق الإفريقي.. هل هو اعتراف بأمر الواقع أم تكتيك سياسي؟

بعد قبول المغرب للقانون التأسيسي الإفريقي، والذي سيعرض على القمة الإفريقية، التي ستعقد أطوارها في نهاية شهر يناير الجاري، تم طرح عدة آراء سواء داخل الأحزاب، أو السياسيين المغاربة أو حتى الشارع العام ككل، كون أن بنود القانون الإفريقي التأسيسي تتنافى ومقتضيات الدستور المغربي، خاصة «الفصل 55».

لا سيما، وأن شرط الاعتراف جاء منصوصًا عليه في القانون الأساسي الذي وقعت عليه «الرباط»، والذي يعترف «بغربية الصحراء» الممثلة في «جبهة البوليساريو»، وهي دولة معترف بها داخل القانون الإفريقي، وتحمل الرقم «39» ضمن الدول الموقعة على القانون التأسيسي الإفريقي.

وبين هذا وذاك، كانت هناك تساؤلات عدة أهمها: كيف سيتعامل المغرب مستقبلًا مع هذا الوضع داخل المجمع الإفريقي؟ وهل هو قبول بالواقع أم هو تكتيك سياسي؟!

ختام القول، هو أن الساحة السياسية المغربية تشهد عدة تغيرات داخل الحياة السياسية المغربية، بداية من الداخل الذي لم يعرف بعد ملامح حكومته القادمة، والتي ما زالت داخل حيز الإعداد والمشاورات التي لا تنتهي، وذلك قصد إخراج أغلبية توافقية تعطي نواة الحكومة الجديدة، وهو ما يحتم الإسراع في تشكيلها أو الرجوع إلى نقطة الصفر، وذلك من خلال انتخابات جديدة.

أما خارجيًّا؛ فالسياسة المغربية ستواجه محكـًا حقيقيًّا، وهي تشارك في المحفل الإفريقي، مما يتوجب عليها أن تكون حذقة في التعامل دبلوماسيًا مع خصومها والمؤسسين للاتحاد، ليس فقط «البوليساريو»، بل حتى الدول الداعمة لها، كـ «الجزائر، جنوب إفريقيا، نيجريا» من أجل فرض رؤيتها الإفريقية والدفاع عنها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد