لا يخفى على المتتبع والمعاصر للمشاريع التي تطلقها الزعامات والقياديات الدينية والسياسة وكذلك الأحزاب على المستويين الرسمي وغير الرسمي في جميع الدول، والحكومات القديمة والحديثة، فمنها المشاريع على المستوى العمراني والخدمي، ومنها على المستوى الثقافي والمعرفي، ومنها على المستوى الديني والعبادي… إلخ، من المشاريع المختلفة، والتي تكون بأهداف محددة وأدوات متعددة للوصول إلى النتائج المراد منها في تحقيق نجاح ذلك المشروع.

الصدر وبنيانه المرصوص

بين فترة وأخرى يطل علينا مقتدى الصدر ذلك الزعيم الديني الشيعي لتيار شعبي كبير في العراق بمشاريع تارة تكون خدمية وأخرى عبادية يدعو من خلالها اتباعه بالالتحاق بهذه المشاريع وتفعيلها على أرض الواقع مستغلًا الأدوات المتاحة التي يمتلكها من شعبيته الكبيرة في المحافظات الجنوبية والوسط من العراق، حيث أطلق مقتدى الصدر مشروعه الذي أسماه «البينان المرصوص» في شهر مارس (آذار) من سنة 2021، ونصب مسؤولًا عليه، ومعاونين لإدارة هذا المشروع، والتحكم فيه، وتطبيق خطته! التي لامست أرض الواقع بتفعيل فقراته التي أدهشت المجتمع العراقي، ولفتت انتباه الآخرين من غير أتباعه وأنصاره عندما أطلق أول فقراته في حملة تنظيف شملت جميع المدارس التعليمية في بداية العام الدراسي، واستطاع الصدر أن يلفت نظر جميع خصومه ومحبيه بنزوله شخصيًا وتنظيف مدرسته التي تلقى فيها الدروس عندما كان صغيرًا في منطقته الحنانة قرب منزل أبيه المرجع الديني الكبير السيد محمد الصدر في النجف الأشرف.

لم يكتف الصدر بهذه البداية حتى أطلق فقرته الثانية في التبرع بالأموال لمساندة المشروع في أداء مهامه الخدمية والتعبوية، فأطلق لجان استلام الأموال في أغلب محافظات العراق، والتي كان لها الدور في ديمومة المشروع وثباته.

الاستمارة والوصولات تدخل باب التعيينات

استطاع الصدر بتحركاته المدروسة في إنجاح مشروعه بأن يجعل التبرع بالأموال للمشروع واستلام المتبرع لوصل رسمي أكثر إقبالًا من المجتمع العراقي عندما فتح نافذة التعيينات في الدوائر الحكومية، وحصر هذه التعيينات في أعضاء مشروعه، ومن تبرع له حيث يكون «الوصل» هو المفتاح للدخول في هذه التعيينات، والتي وضع لها شروطًا خاصة وعامة تشمل أصحاب الشهادات العليا والمتوسطة والابتدائية من خلال مراحل متعددة، وكان التاريخ هو العامل المهم فيها حيث اعتمد المشروع على شمول أعضائه حسب تاريخ الانتساب تباعًا من حيث الأقدم بالانتماء.

توسع مشروع الصدر في إطلاق فقرات أخرى شملت توزيع غرف النوم على المقبلين على الزواج، وترميم البيوت الفقيرة والمتهالكة، وشراء الأجهزة الكهربائية للعوائل ذات الدخل المنخفض، أو المعدوم، والمساعدات النقدية، وتحمل تكلفة العمليات الجراحية المتوسطة، فضلًا عن شراء العلاج ممن امتلك وصفة طبية رسمية.

لم يكتف هذا المشروع بهذه الفقرات فقط، فتارة يطلق حملة السفر وأداء مراسيم العمرة في الحرم المكي بتكلفة النصف بدفع الأجور، وتارة يطلق الحملات للسفر، وزيارة المراقد الدينية في عموم العراق بشكل مجاني لأعضاء ومنتمي المشروع؛ حتى جعل الجميع يندهش من هذه الفقرات المفقودة بشكل عمليًا في العراق.

البنيان المرصوص والمناصب الحكومية

استمر المشروع بإطلاق فقراته حتى وصلت إلى التعيين بمنصب «مستشار»، أو «مدير عام»، أو منصب وكيل وزير في الحكومة العراقية، وحصر التقديم لهذه المناصب من خلال المنتمين لهذا المشروع! فانهال أصحاب الشهادات العليا، وممن يمتلكون خبرة إدارية ممتازة من أوساط الشعب بالإسراع في التسجيل حيث وضعت شروط وضوابط ومقابلات من قبل لجان متخصصة لشغل هذا المناصب لكون زعيم هذا المشروع مقبلًا على استلام كتلته الصدرية الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية قبل أشهر، والتي حصلت على أكثر أعضاء مجلس النواب عددًا، وبحسب الدستور العراقي يسمح بالكتلة الأكبر من تشكيل الحكومة من خلال استلام منصب رئاسة مجلس الوزراء العراقي، وبحسب الاستقراء والمتابعة فقط استطاع الصدر من خلال هذا المشروع ان يفتح الأبواب لكثير من الطاقات والكفاءات الشبابية وأصحاب الخبرات الإدارية في السعي لإدارة المناصب التي استحوذت عليها الأحزاب السياسية بالمحاصصة، والمحسوبية، وبالطرق غير الشرعية في الحكومات السابقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد