خروج بروين حبيب عن الصمت الذي يفترض أن يلتزم به محكمو البوكر، لا سيما وأنها مجرد محكمة وليست رئيسة لجنة التحكيم، يعطي الانطباع على أن الانتقادات التي طالت بوكر هذه السنة أصابت أكثر من هدف.

لقد جاء مقالها الموسوم “عن البوكر ولجنة التحكيم” المنشور في جريدة القدس العربي هشاشة ذهنية يفترض ألا تتصف به محكمة في جائزة عربية ذات صيت عالمي كالبوكر العربية.

دفاعها – اقصد محاولة دفاعها- عن أهليتها في تولي صفة المحكم يؤكد ما ذهب إليه أكثر من انتقاد منشور وغير منشور، في كون لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية لهذه السنة، غير مؤهلة تمامًا للحكم وتقييم أعمال عربية تجاوزت المائة والثمانين بحسب أرقام البوكر.

جاء مقال بروين ممعنًا في الفوقية والتبرير لغير المبرر. حيث اعتبرت أن اشتغالها في الحقل الثقافي وصفتها الممنوحة كشاعرة وشهادتها الجامعية تبرر لها حق الترشح والانضمام للجنة تحكيم أكبر جائزة عربية، متناسية أن ما ذكرته لا علاقة له لا من قريب أو بعيد بالقدرة على تقييم الأعمال الإبداعية فما بالها بتقييم روايات كتب بعضها قامات السرد العربي، وروايات أخرى تخوض في التجريب والجدة إلى حد أن أقدر النقاد رسوخًا في الرواية يقف حائرًا أمامها، فما بالك بمحكمة تحاول قراءة رواية بأوزان الخليل أو عبر نظريات درستها في الجامعة.

}لا ريب في أن تقييم الأعمال الروائية لا يناط بالأكاديميين أو الإعلاميين ولا حتى الشعراء، بل بأي شخص خاض في الرواية اشتغالا وكتابة وفهما، وهي أمور قد تتوفر فيمن لم تلج قدماه الجامعة أصلا ولم يعرف من الإعلام إلا ما تعرفه المومس من الشرف. بروين حبيب بانتصارها لتلك المؤهلات التي ذكرت في مقالها، تعطينا الانطباع في أن العذراء تفهم في الجنس أكثر من المجربة”.

 

إلا أن بروين حبيب – بحسب مقالها- تملك من الخبرة والأهلية ما يجعلها تجزم – إلى حد التطرف ربما- أنها وأعضاء اللجنة الآخرين – والذي ليس بينها إلا نصف روائي- أنها توصلت إلى وضع معيار تقييم لا غبار عليه، بل هو في نظرها الحد الفاصل بين الأدب واللا أدب، وهو معيار بحسب علمي غير مدرج بنحو حاسم ورئيس في تقييم الأعمال الروائية، بل مجرد معيار استئناسي- قد أصفه بالثانوي إرضاء للبعض- قد يؤخذ أو لا يؤخذ به، فعلى حد تعبير بروين “شئنا أو أبينا، الرواية اللغوية مجرد بدعة عربية، اختلاق شاعر مل منه الشعر ونفاه، فظن أن أبراج الرواية قد تأويه”.

هكذا نجد بروين بحسب مقالها تؤسس لنظرية جديدة في النقد، تجعل من البنية والركائز العالمية لأي رواية مجرد “أشياء” لا بأس ألا تتوفر في العمل الروائي ما دام كتب بلغة جميلة. وهي النظرية التي لو أعملناها بصرامة لطردنا-حتى لا أقول نفينا- أهم الروائيين العالميين من حظيرة السرد، فمعيار هذه الإعلامية، الشاعرة، الدكتورة سيجعل من أسماء كصنع الله إبراهيم، ومحمد زفزاف، ومحمد شكري، ونجيب محفوظ، وإبراهيم فرغلي، وبشير مفتي، وإسماعيل فهد، ووحيد طويلة، وأمين الزاوي، وآخرين مجرد متطفلين على الكتابة الروائية، لا لسبب إلا لأنهم يعتنون بالقصة والبنية على حساب اللغة.

 

إن مجرد التفكير بهذا المنطق، يحيلنا إلى حقيقة وحيدة لا غير، وهي أن الرواية العربية-بفضل بروين- ستنحسر في شخص واحد لا بد أن يكون شبيها، توأما سياميا لـ “أحلام مستغانمي”، أو ربما-وهو الاحتمال الأكثر تفاؤلا- سينحسر في أحلام وفي أي كاتب أو كاتبة لن يصلح لها إلا اسم “أحلام مكرر”، هذا إن اعتقدنا فعلا أن ظاهرة أحلام قد تتكرر بلا إعاقة أو عرج أو عمى”.

 

لن أتحدث بالطبع عن تلك المأساة التي عانت منها بروين بسبب القراءة، فالمرأة قرأت في كل مكان وفي أي مكان، حتى أنها بالكاد امتلكت وقتا لنفسها، وهو أمر لا أشك فيه ما دام يفترض أنها قرأت 180 رواية ستة أشهر، بمعدل 30 رواية في كل شهر، يعني أنها وبقية محكمي البوكر قرأوا رواية كل يوم.. تكفي هذه الحقيقة الساخرة لأشعر مع بروين بالأسى، ولكنني لن أفعل من باب أن معيار بروين كان اللغة واللغة فحسب، وبهذا المعيار وبفضله لم تكن مجبرة على قراءة 180 عملا. كان يكفيها فقط أن تقرأ أي عمل منها كتب بلغة شاعرية ومنمقة وجميلة.. أي عمل حتى وإن كان خاطرة أو رسالة حب”.

 

تتمادى بروين في شرحها، وتعتبر أنه من غير المعقول أن تقبل أو ترشح البوكر في قوائمها روايات لم يحسن أصحابها تنقيحها، متجاهلة الحقيقة الأبدية المكرسة منذ ظهور الرواية – لا في العالم العربي بل في العالم أجمع- وهي أنه لا وجود لرواية جيدة كتبها نحويّ، كما أن الأخطاء إن لم تخل بجوهر الرواية مقبولة تمامًا، ولو كان العكس لوضعنا الكثير من أعمال حنا مينا ويوسف إدريس وجل روايات صنع الله إبراهيم في المزبلة.

 

كما أنه لا بد أن نشكك -إعمالًا لنظرية بروين الروائية- في تتويج ترمي بشرر لعبده خال، كما لا بد أن نتساءل عن الأحمق الذي قبل بنشر “الأسود يليق بك” لأحلام مستغانمي ما دامت حوت الكثير من الأخطاء اللغوية.

أعتقد أن مقال بروين حبيب جاء ليؤكد شكًّا حام منذ سنوات عن لا أهلية بعض لجان التحكيم التي استعانت بهم البوكر لا سيما بعد الدورة الثالثة، وهو الشك ذاته الذي زادت حدته في دورة 2012 واستمر إلى أن بلغ حده هذه المرة؛ حيث إن 11 عملًا لا يليق بها التواجد في الطويلة و5 أعمال لا محل لها في القائمة القصيرة مهما كان سوء ذوق المحكمين.

في عام 2012 شاهدنا سقوطًا غير مبرر لأعمال عظيمة ما كان لها – مع الكثير من سوء الحظ- إلا أن تكون في القصيرة، لكن بعضها لم يصل حتى الطويلة على غرار (أرض السودان، غريق المرايا، قناديل ملك الجليل، طيور الهوليداي إن، حدائق الرئيس).

ويكفي دورة 2013 أن ضمت في قائمتها القصيرة عملًا برداءة “الفيل الأزرق” لتكون دورة مشكوكًا فيها، ويكفي دورة 2014 أن تضم محكمين يعتقدون أن اللغة معيار حاسم في تحديد جودة العمل الروائي، وأن تناول موضوع الجنس انتقاص من الأدب.

في النهاية – وبحسب النظرية البروينية طبعًا- يكفي يا معشر الروائيين أن ترشحوا لبوكر السنة القادمة أي عمل يكتب بلغة جميلة ليعترف بكم روائيين، أي عمل وإن كان قصيدة شعر، عظم الله أجرنا في الرواية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد